إيران بين حياكة السجاد والسياسة.. حين تسبق الرومانسيةُ الواقع

ثمة كتب يغيّر الزمن معناها قبل أن يجف حبرها. لا لأن الوقائع التي ترويها تصبح خاطئة بالضرورة، بل لأن المسافة بين لحظة الكتابة ولحظة القراءة قد تكون كافية لقلب زاوية النظر إليها. فما بدا في لحظة ما دليلاً على الصعود قد يصبح لاحقاً سؤالاً عن حدود القوة، وما قُدّم بوصفه انتصاراً للاستراتيجية قد يحتاج، بعد تبدل الميدان، إلى اختبار أكثر قسوة.

من هذه الزاوية يمكن قراءة كتاب محمد صادق الحسيني «باني دولة إيران ودبلوماسية حياكة السجاد»، الصادر عن دار المحجة البيضاء في 212 صفحة. فالكتاب ليس مجرد سيرة سياسية للسيد علي خامنئي، ولا دراسة بالمعنى الأكاديمي الصارم، بل شهادة سياسية وفكرية كتبها صاحبها من داخل تجربة يؤمن بها، ويقترب من شخصياتها ومفاهيمها وذاكرتها بلغة لا تخفي إعجابها.

يتألف الكتاب من عشرين فصلاً قصيراً، إضافة إلى توطئة وخاتمة، ويتنقل بين خامنئي والثورة الإيرانية وفلسطين والعلاقات العربية وقاسم سليماني وشخصيات لبنانية ومصرية، مستحضراً أسماء وقامات فكرية وإعلامية بينها منير شفيق وميشال نوفل. لكن أهمية قراءته اليوم لا تكمن فقط في ما يقوله عن إيران، بل في المسافة التي باتت تفصل بين الصورة التي يرسمها لإيران وبين الواقع الذي بات على هذه الصورة أن تُختبر أمامه.

وهنا تبدأ المفارقة: فالكتاب يتحدث عن دولة أتقنت، بحسب مؤلفه، «دبلوماسية حياكة السجاد»؛ غير أن السجاد السياسي، مهما بلغت دقة خيوطه، لا تُقاس قيمته بجمال النقش وحده، بل بقدرته على الصمود حين يوضع على أرض الواقع.

من الثورة إلى «العيون الأربعة»

ينطلق محمد صادق الحسيني من خصوصية التجربة الإيرانية التي رفعت منذ ثورة 1979 شعار «لا شرقية ولا غربية»، وأسست نظاماً دينياً شيعياً في محيط عربي ذي غالبية سنية وفي بيئة إقليمية وثيقة الصلة بالغرب. ويرى أن استمرار الجمهورية الإسلامية طوال أكثر من أربعة عقود من الزمن برغم الحرب والعقوبات والضغوط يمثل في ذاته إنجازاً سياسياً.

ويربط قوة إيران بمجتمعها الشاب وتطورها العلمي والتقني وقدرتها على تحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي، ويقدم ما يسميه «منظومة العيون الأربعة»: العقيدة والعزيمة والعلم والعقل، بوصفها عناصر لبناء الدولة الإيرانية الحديثة.

لكن السؤال الذي يبقى خارج مساحة الكتاب النقدية هو: كم تغيرت إيران نفسها خلال أكثر من أربعة عقود؟ وهل ما زال الجيل الجديد ينظر إلى الدولة من داخل مفاهيم الثورة الأولى؟ وأين تقع التجارب الإصلاحية من تطور النظام؟

الحسيني أكثر حسماً في إجابته. فهو يحذر مما يسميه «التحريفية الإيرانية»، وينتقد إصلاحيين يصفهم بـ«المتسللين»، خشية أن يتحول الإصلاح إلى مدخل لتغيير هوية الجمهورية الإسلامية.

رومانسية سياسية

تتكرر في الكتاب مفردات مألوفة في خطاب محور المقاومة: «جهاد التبيين»، «الصبر الاستراتيجي»، «الاستكبار العالمي» و«الشيطان الأكبر». ويخصص الحسيني مساحة للجنرال الراحل قاسم سليماني، واصفاً إياه بأنه «الإيراني العراقي الكشميري الأفغاني السوري اللبناني اليمني الفلسطيني»، في تعبير يلخص نظرته إلى البعد العابر للحدود في المشروع الإيراني.

وتبلغ اللغة ذروتها حين يكتب عن إيران بعد «أربعة وأربعين ربيعاً» بأنها «تغسل أقدامها في المياه الساخنة من هرمز إلى باب المندب إلى شواطئ البحر المتوسط»، معلنة أن «زمن بدر وخيبر» قد جاء.

هنا تحديداً تظهر مشكلة الكتاب: الرومانسية السياسية.

فاللغة التعبوية قد تنجح في المحاضرة والمنبر، لكنها تصبح أكثر إشكالية عندما تتحول إلى كتاب يريد قراءة دولة وتحولاتها وموازين القوى المحيطة بها. فالمنطقة التي كُتبت عنها هذه الصفحات تغيرت جذرياً بفعل الحروب والاغتيالات وسقوط رهانات وصعود أخرى.

وكان يمكن للكتاب، قبل نشره، أن يميز بين النصوص التي تمثل لحظة سياسية سابقة وبين قراءة يراد لها أن تخاطب الحاضر.

من أحمد سعيد إلى عصر الخوارزميات

يراهن الحسيني على العقيدة ومدرسة سليماني و«جيش العشرين مليون» و«جسر النصر الإيراني» والتفوق التقني. وهنا تستدعي لغته زمناً عربياً كانت فيه الإذاعة والشعارات الكبرى جزءاً من صناعة الوعي السياسي، من أحمد سعيد و«صوت العرب» إلى مراحل لاحقة من الحركات الثورية.

لكن حروب اليوم تجري في فضاء مختلف: ذكاء اصطناعي، أقمار صناعية، اختراق إلكتروني، شبكات استخبارات، مسيّرات، قواعد بيانات وحرب سيبرانية.

العقيدة عنصر قوة في أي مشروع سياسي أو عسكري، لكنها لا تستطيع وحدها أن تكون بديلاً عن التكنولوجيا والمعلومات والأمن والتخطيط.

أين التاريخ؟

المشكلة الثانية هي ضعف التأريخ والتوثيق. فتواريخ وأحداث وأسماء تمر أحياناً من دون السياق الكافي، بما يعزز الانطباع بأن جزءاً من المادة انتقل من المحاضرة الشفهية إلى الكتاب.

وهنا يظهر الفارق بين الخطاب المنبري والكتابة السياسية التي تحتاج إلى مصادر ووثائق وتواريخ تتيح للقارئ أن يراجع الوقائع ويكوّن استنتاجه بنفسه.

وتتكرر المشكلة عندما يستخدم الكتاب تعبيرات مثل «عالم ما بعد أميركا» و«التعددية العالمية»، أو عندما يقدم إيران باعتبارها قوة إقليمية كبرى، من دون إخضاع هذه المفاهيم لمعايير اقتصادية وعسكرية وسياسية واضحة.

والأوضح قوله إن إيران «غدت عضواً أساسياً في نادي الدول النووية». إذا كان المقصود امتلاك السلاح النووي، فهذه ليست حقيقة مثبتة؛ إيران، رسمياً، دولة غير حائزة للسلاح النووي في إطار معاهدة عدم الانتشار، برغم الجدل الدولي الكبير حول برنامجها النووي ومستويات تخصيب اليورانيوم.

إقرأ على موقع 180  "نيويورك تايمز": رد إيران على اغتيال هنية سيكون "نووياً"

بين الحلم والواقع

ربما تكمن قيمة «باني دولة إيران ودبلوماسية حياكة السجاد» اليوم في أنه يتيح قراءة إيران مرتين: مرة كما أراد المؤلف أن نراها، ومرة كما تدفعنا الوقائع إلى رؤيتها. وبين الصورتين تقع المسافة الأكثر إثارة للاهتمام في الكتاب.

فمحمد صادق الحسيني يكتب عن مشروع آمن بقدرته على تحويل العقيدة والصبر الاستراتيجي والعلم والعقل إلى عناصر قوة، وعن دولة استطاعت أن تنسج نفوذها بصبر يشبه حياكة السجاد الإيراني: عقدة بعد عقدة، وخيطاً بعد خيط، ومن بغداد ودمشق إلى بيروت وصنعاء وفلسطين. لكن السياسة، بخلاف السجاد، لا تبقى على النول. يأتي وقت تُفرش فيه أمام التاريخ، وعندها لا يعود السؤال عن براعة الحائك وحدها، بل عن متانة الخيوط التي استخدمها.

ولهذا، فإن السؤال الأكثر أهمية بعد قراءة الكتاب ليس ما إذا كان المؤلف قد بالغ في الاحتفاء بالتجربة الإيرانية، ولا ما إذا كانت بعض رهاناته قد أصابت أو أخطأت. السؤال الأبعد هو: كيف تقرأ دولةٌ نفسها عندما تبدأ الوقائع بمراجعة الرواية التي بنتها عن قوتها؟

قد تستطيع العقيدة أن تمنح المشروع قدرة استثنائية على الاحتمال، وقد يستطيع «الصبر الاستراتيجي» أن يشتري الوقت، وقد تستطيع شبكة الحلفاء أن توسع مجال النفوذ الإقليمي. لكن الزمن الذي دخلته المنطقة يضع هذه العناصر كلها أمام اختبارات جديدة: التكنولوجيا، الاقتصاد، الاختراق الاستخباري، تحولات المجتمعات، حدود القوة العسكرية، وقدرة الدولة على تحويل النفوذ الخارجي إلى قوة مستدامة في الداخل.

وهنا تستعيد استعارة الحسيني عن السجاد معناها، ولكن ربما على نحو لم يقصده تماماً: يمكن للسياسة أن تُحاك بصبر السجاد الإيراني، لكن التاريخ هو الذي يقرر، في النهاية، إن كانت الخيوط قد صنعت سجادةً قادرة على حمل ثقل الواقع، أم مجرد نقش جميل سبقته الرومانسية إليه.

Print Friendly, PDF & Email
سلوى فاضل

صحفية لبنانية

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  تهجير الغزاويين.. بعيون إسرائيلية!