هل يفاوض الصمود فائض القوة؟

ليست المواجهة الأميركية ـ الإيرانية نزاعًا بين طرفين متساويين في القوة أو المسؤولية. واشنطن وتل أبيب اختارتا الحرب والحصار والعقوبات والضغط المالي لإخضاع طهران، فيما تحاول إيران منع هذا التفوق من التحول إلى حق دائم في فرض الشروط. لذلك لا يصح وضع الهجوم والرد في كفة واحدة، وإن بقي الرد نفسه خاضعًا لحساب الجدوى والكلفة.

لا تبحث إيران عن انتصار عسكري على الولايات المتحدة؛ فهذا خارج ميزان الإمكانات. ما تريده هو حرمان القوة الأميركية من ثمرتها السياسية. أن تثبت أن القصف يستطيع إيلامها، لكنه لا يستطيع تحويلها إلى دولة بلا إرادة. وهذه، في الحروب غير المتكافئة، صورة أخرى للقوة.

اقتصاديًا، تدفع طهران الثمن الأثقل. العقوبات والحصار واضطراب النفط… كلّها تضرب العملة والتجارة والطبقة الوسطى. والاعتراف بهذه الكلفة لا ينتقص من صمودها، بل يمنع تحويل الصمود إلى أسطورة تعمي الدولة عن آلام مجتمعها.

لكن الضغط لم يبقَ داخل إيران. فأسعار الطاقة، والتضخم، وارتفاع عوائد الخزانة، واتساع أعباء الدين بدأت تعيد جزءًا من الفاتورة إلى الداخل الأميركي. لن ينهار الاقتصاد الأميركي بسبب حرب واحدة، إلا أن الناخب لا يحتاج إلى انهيار كي يعاقب. يكفي أن يربط بين السياسة الخارجية وكلفة الوقود والقرض والغذاء، حتى تصبح الحرب عبئًا انتخابيًا على صاحبها.

تراهن طهران على هذه الحساسية، وإن كان من الخطأ اعتبار الانتخابات النصفية مفتاحًا سحريًا. الكونغرس يستطيع تضييق هامش ترامب، لكنه لا ينسف بسهولة سياسة أميركية ممتدة عبر الإدارات. فالعقوبات على إيران عابرة للحزبين، والانحياز إلى إسرائيل جزء من بنية السلطة، لا تفصيلًا انتخابيًا. والانتخابات عمليّاً ورقة ضغط، لا ضمانة انقلاب.

أما هرمز، فهو جوهر الرد الإيراني غير المتكافئ. إذا أرادت واشنطن استخدام البحر لخنق صادرات إيران، تريد طهران أن تجعل البحر نفسه مصدر كلفة على من يحاصرها. وهي لا تحتاج إلى إغلاق المضيق؛ يكفي أن تنزع عنه اليقين. فعندما تصبح كل ناقلة مسألة أمن وتأمين وحماية عسكرية، تنتقل المواجهة من المياه إلى الأسواق.

بهذا المعنى، ليست المسيّرات والصواريخ بديلًا من الأسطول الأميركي، بل أدوات لتعطيل فعاليته. واشنطن تملك فائض القوة، وطهران تملك الجغرافيا وإرادة منع استخدامها مجانًا. وبين القوتين تنشأ معادلة ردع ناقصة، لكنها كافية لفرض السياسة على حرب أرادتها الولايات المتحدة طريقًا إلى الإملاء.

المأزق الحقيقي أن الطرفين بلغا مرحلة يخشيان فيها كلفة التراجع أكثر من كلفة الحرب. واشنطن لا تريد أن تنسحب بلا نتيجة بعد ما أنفقته، وطهران لا تستطيع تقديم تنازلات تبدو مكافأة لمن حاصرها وقصفها. وهكذا يصبح ما دُفع في الماضي قيدًا على المستقبل.

مع ذلك، لا يعني تمسك إيران بشروطها أنها ترفض الدبلوماسية. رفض مفاوضات تبدأ من التسليم بنتائج القوة ليس رفضًا للتفاوض، بل رفض لتحويله إلى مراسم إذعان. ومن حق طهران أن تطالب بتنفيذ التفاهمات وأولها وقف النار في كل الجبهات، ورفع العقوبات، وتحرير أموالها، ووقف التهديد العسكري قبل مطالبتها بتنازلات جديدة، وهذا جوهر مبادرتها في الأمم المتحدة والتي رفضها ترامب.

فالمفاوضات الجدية لا تُستأنف بعبارة أميركية ملتبسة، بل بإجراء يثبت أن واشنطن تريد اتفاقًا لا هدنةً تعيد خلالها ترتيب أدوات الضغط. وقد خبرت إيران تفاهمات وُقعت ثم فُرغت من مضمونها؛ لذلك يصبح طلب الضمانات موقفًا عقلانيًا، لا تشددًا مجانيًا.

لبنان هو الحلقة الأكثر هشاشة في هذه المعادلة. من حقه أن يرفض أن يُدار ملفه من الخارج، سواء من طهران أو واشنطن. لكن هذا الحق لا يبرر تجاهل أن ميزان الردع الإقليمي ساهم في الحد من اندفاعة إسرائيل، ولا يسمح في المقابل بتحويل القرار اللبناني إلى ملحق بأي تفاوض إقليمي.

المشكلة اليوم أن الدولة اللبنانية تُطالب بضبط سلاح الداخل، فيما لا تُلزم إسرائيل بالانسحاب ووقف اعتداءاتها. استعادة قرار الحرب للدولة ضرورة، لكنها لا تتحقق بتجريد لبنان من أوراقه قبل إنهاء الاحتلال. السيادة ليست واجبًا لبنانيًا أحاديًا، بل معادلة تبدأ بانسحاب إسرائيل، ووقف النار، وانتشار الجيش، ثم معالجة السلاح ضمن استراتيجية دفاعية وطنية.

إيران ليست قوة خارقة، واقتصادها لا يحتمل استنزافًا مفتوحًا. لكنها أثبتت أن الفارق الهائل في القدرات لا يكفي لانتزاع الاستسلام. والولايات المتحدة، على اتساع قوتها، لم تستطع تحويل الحرب إلى نتيجة سياسية مستقرة.

لهذا لا يبدو الصراع امتحانًا لمن يملك السلاح الأكبر، بل لمن يستطيع الصمود من دون أن يفقد مجتمعه أو حلفاءه أو شرعية قضيته. قوة إيران في أنها منعت فائض القوة الأميركي من أن يصبح قدرًا. وحكمتها المطلوبة أن تعرف متى تحوّل هذا الصمود إلى تسوية تحفظ حقوقها، قبل أن يتحول الاستنزاف إلى غاية في ذاته.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  أساطير إسرائيل الهرمة.. ووحدة المصير الفلسطيني
إيڤون أنور صعيبي

كاتبة وصحافية لبنانية

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  "رسالة إيرانية" إلى تل أبيب وعمّان.. من التنف!