باب المندب.. الجغرافيا حين تُصبح سلاحًا

ليس مضيق باب المندب مجرد مجرى مائي يصل بين حوضين بحريين، بل عقدة جيوسياسية مركبة تختزل معادلات واسعة من الصراع على الطاقة والتجارة وموازين النفوذ. فاختلال أمن الملاحة فيه لا يهدد اليمن أو الدول المطلة على البحر الأحمر فحسب، بل يصيب مباشرة شريان الإمداد بين آسيا وأوروبا، ويهدد عائدات قناة السويس، ويربك تدفقات النفط الخليجي، ممتدًا بآثاره الاقتصادية إلى مناطق تبعد آلاف الكيلومترات عن مسرح الصراع.

اكتسب مضيق باب المندب وزنًا استراتيجيًا مضاعفًا في المواجهة الراهنة بين أميركا وإسرائيل وحلفائهما من جهة وإيران وحلفائها ولا سيما “أنصار الله” من جهة ثانية؛ إذ لم يعد التوتر محصورًا في ساحات تقليدية، بل أخذ يربط مضيق هرمز شرقًا بباب المندب غربًا، محولًا الممرات البحرية الضيقة إلى أدوات ضغط وردع في الصراع الإقليمي – الدولي الذي تشهده منطقتنا منذ الثامن والعشريت من شباط/فبراير الماضي.

أولًا؛ الهندسة الجغرافية والنظام القانوني

يقع باب المندب عند الطرف الجنوبي للبحر الأحمر، بين الساحل اليمني شرقًا وجيبوتي وإريتريا غربًا، رابطًا البحر الأحمر بخليج عدن ومنه بالمحيط الهندي وبحر العرب.

ويشكل المضيق المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، فيما تمثل قناة السويس بوابته الشمالية. ومن ثم تمر الملاحة القادمة من المحيط الهندي إلى المتوسط عبر خليج عدن، ثم باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس، ولا يبقى أمام السفن التي تتجنب المضيق سوى الالتفاف الطويل حول رأس الرجاء الصالح.

وتقسم جزيرة ميون (بريم) المضيق إلى مسارين: قناة شرقية ضيقة بين الجزيرة والساحل اليمني، لا يتجاوز عرضها نحو ثلاثة كيلومترات، وقناة غربية أوسع باتجاه الساحل الجيبوتي تستوعب الجزء الأكبر من حركة الناقلات والسفن الكبيرة.

وقانونيًا، يعد باب المندب مضيقًا مستخدمًا للملاحة الدولية، وتسري عليه أحكام «المرور العابر» في قانون البحار، بما يفرض قيودًا على قدرة الدول الساحلية على تعطيل المرور فيه تعسفًا.

ثانيًا؛ ميون وقوة الجغرافيا الصغيرة

تمثل جزيرة ميون موقعًا بالغ الحساسية في التحكم بالمضيق؛ فالوجود العسكري فيها يمنح قدرات في الاستطلاع والإنذار المبكر والمراقبة، ويمكن أن تتعزز أهميته مع نشر صواريخ ساحلية أو مسيرات أو رادارات أو ألغام بحرية.

ولا يحتاج تعطيل الملاحة إلى إغلاق مادي كامل للممر. فقد يكفي خلق بيئة عالية المخاطر عبر استهداف سفينة أو الإعلان عن نطاق عمليات عسكرية كي ترتفع أقساط التأمين وتقرر شركات الشحن تغيير مساراتها.

وهنا تظهر المفارقة الجيوسياسية: مساحة محدودة تستطيع، بسبب موقعها، التأثير في حركة تجارة عالمية هائلة. فالقوة لا تأتي من حجم الأرض وحده، بل من موقعها داخل شبكة الحركة الدولية.

ثالثًا؛ عقدة التجارة والطاقة

ينبع الوزن الاقتصادي لباب المندب من كونه جزءًا من أقصر طريق بحري بين الشرق والغرب. ووفق الأرقام المتداولة، يمر عبره نحو 12% من التجارة العالمية، فيما كانت تدفقات الطاقة البحرية تتجاوز 8.7 ملايين برميل يوميًا من النفط والمنتجات المرتبطة بالطاقة قبل موجات الاضطراب الأخيرة، قبل أن تنخفض بصورة حادة مع تصاعد المخاطر وتحويل مسارات السفن.

ويظل الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح البديل الرئيسي عند تعطل المضيق، لكنه يضيف إلى الرحلة ما بين عشرة وأربعة عشر يومًا بحسب السرعة والوجهة، ويرفع استهلاك الوقود وأجور السفن والطواقم والتأمين، ويعطل جداول التوريد ويستهلك جزءًا أكبر من القدرة التشغيلية لأسطول الشحن العالمي.

ويمتد الأثر مباشرة إلى مصر؛ فكل سفينة تتحول من باب المندب إلى رأس الرجاء الصالح هي سفينة لا تعبر قناة السويس ولا تدفع رسومها، فيتحول التهديد عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر إلى خسارة مالية عند بوابته الشمالية. كما ترتفع كلفة الغذاء والطاقة والشحن في الدول العربية المستوردة، وتتأثر أنشطة الموانئ والاستثمار في الدول الساحلية.

رابعًا؛ هرمز وباب المندب.. معضلة الاختناق المزدوج

وعندما يتعرض هرمز للخطر، تلجأ السعودية إلى خط «الشرق ـ الغرب» الذي ينقل الخام إلى ينبع على البحر الأحمر. لكن الشحنات الخارجة من ينبع نحو الأسواق الآسيوية تحتاج بدورها إلى العبور جنوبًا عبر باب المندب. ولذلك فإن اضطراب المضيقين في وقت واحد يقلص خيارات المناورة أمام صادرات الطاقة الخليجية ويخلق ما يشبه الاختناق المزدوج.

وهنا تتحول الجغرافيا من مجرد مسرح للصراع إلى جزء من أدواته.

خامسًا؛ القوة غير المتماثلة ومنع الوصول

لا تقاس قدرة الحوثيين في البحر الأحمر بحجم أسطول تقليدي، بل بقدرتهم على استخدام أدوات أقل كلفة لتهديد سفن وأصول بحرية مرتفعة القيمة. وتشمل هذه الأدوات الصواريخ المضادة للسفن، والطائرات المسيّرة، والزوارق السريعة أو المسيرة عن بعد، والألغام البحرية، إلى جانب قدرات الرصد والاستطلاع.

ويتقاطع ذلك مع مفهوم منع الوصول/حرمان المنطقة (A2/AD): لا يحتاج الفاعل إلى السيطرة على البحر بالكامل، بل إلى جعل المرور فيه مرتفع المخاطر والكلفة إلى درجة تدفع شركات الشحن إلى الابتعاد عنه.

ومن الضروري هنا التمييز بين ثلاثة مستويات للإغلاق: إغلاق مادي يقوم على احتلال الممر أو تلغيمه بصورة واسعة؛ إغلاق ناري يضع حركة السفن تحت تهديد مباشر؛ إغلاق اقتصادي يتحقق عندما تصبح كلفة التأمين والتشغيل والمخاطر مرتفعة بما يكفي لدفع السوق نفسها إلى تعليق المرور. والأخير قد يكون الأكثر فاعلية من دون حاجة إلى سيطرة عسكرية كاملة.

إقرأ على موقع 180  للسلطة أن تستبد.. هل للمعارضة أن تنتظم؟

سادسًا؛ المضيق كورقة ضغط إقليمية

تؤدي جبهة باب المندب وظائف متداخلة. فهي تستخدم للضغط السياسي المرتبط بالحرب في غزة، وتمنح إيران، عبر شبكة علاقاتها الإقليمية، وسيلة ضغط بعيدة جغرافيًا عن أراضيها، مع ضرورة التمييز بين المصالح الإيرانية والأجندة الحوثية الخاصة.

كما يمكن للتهديد البحري أن يضغط على السعودية من خلال إضعاف قيمة البدائل النفطية المتجهة إلى ينبع، فيما يمنح الفاعل الذي يستطيع التأثير في الملاحة ورقة تفاوض مع أطراف دولية تحتاج إلى ضمان مرور السفن.

غير أن هذه القدرة تحمل مفارقة واضحة: كلما اتسع الضرر ليشمل دولًا لا تنتمي مباشرة إلى الصراع، ارتفعت الكلفة السياسية للورقة نفسها.

سابعًا؛ المعضلة الأميركية وعسكرة البحر الأحمر

تواجه الولايات المتحدة معضلة تتعلق بكلفة المواجهة واستدامتها. فالضربات الجوية قد تدمر منصات إطلاق أو مخازن، لكنها لا تضمن إنهاء التهديد بصورة نهائية من دون انخراط أوسع.

وتتوزع الخيارات بين الضربات المحدودة، والتحالفات البحرية، واستخدام أنظمة الاعتراض، والمسارات التفاوضية عبر وسطاء. لكن الخلل الاقتصادي يبقى واضحًا عندما تُستخدم صواريخ اعتراضية مرتفعة الثمن ضد مسيرات أو ذخائر أرخص بكثير.

وفي الوقت نفسه، تحول البحر الأحمر والقرن الأفريقي إلى فضاء كثيف الوجود العسكري الدولي. تضم جيبوتي قواعد ومرافق عسكرية لعدد من القوى الكبرى، وتعمل الولايات المتحدة والصين ودول أوروبية وغيرها على حماية مصالحها وخطوط إمدادها، بما يزيد احتمالات الاحتكاك وسوء التقدير في مساحة بحرية ضيقة ومزدحمة.

ثامنًا؛ إسرائيل والاقتصاد العالمي

يمثل باب المندب أيضًا طريق إسرائيل البحري نحو آسيا عبر ميناء إيلات، وقد أدى استهداف السفن المرتبطة بها، إلى تراجع شديد في نشاط الميناء وارتفاع تكاليف التوريد.

لكن التأثير الأوسع يقع على الاقتصاد العالمي. فاضطراب الممر يضيف علاوة مخاطر إلى أسعار الطاقة، ويرفع كلفة الشحن والتأمين، وينقل التضخم إلى السلع الأساسية، ويعطل سلاسل الإنتاج الدقيقة، فيما تتحمل الاقتصادات النامية كلفة أكبر بسبب ضعف هوامشها المالية.

وعلى المدى الطويل، قد يدفع استمرار الاضطراب الشركات إلى تنويع الموانئ والطرق البرية والبحرية، ما يترك آثارًا هيكلية على الموقع التاريخي لقناة السويس داخل التجارة العالمية.

تاسعًا؛ السيناريوهات المقبلة

تتراوح المسارات المستقبلية لأزمة باب المندب بين عدة سيناريوهات محتملة:

1-سيناريو التهدئة الإقليمية الشاملة: تراجع التصعيد السياسي والعسكري، مما يسمح بالعودة التدريجية لحركة السفن وانخفاض مؤشرات المخاطر.

2- سيناريو العبور الانتقائي: يفرض الحوثيون نظام إذن سياسي يسمح بمرور سفن أطراف محددة ويحظر أخرى.

3- سيناريو الاحتواء العسكري المحدود: استمرار اعتراض الهجمات مع بقاء المخاطر الملاحية واستمرار تجنب الشركات الكبرى للممر.

4- سيناريو الانفجار الإقليمي الشامل: الربط بين إغلاق باب المندب ومضيق هرمز جراء استهداف منشآت حيوية.

5- سيناريو التدويل والتسوية الشاملة: صياغة ترتيبات أمنية وإقليمية دائمية ترتبط بحل جذري للأزمة اليمنية وتضمن حرية الملاحة بحماية دولية.

عاشرًا؛ الجغرافيا بين السلاح والتنمية

تنبع خطورة باب المندب من المفارقة بين ضيق مساحته واتساع أثره؛ فبضعة كيلومترات مائية تستطيع التأثير في أسعار الطاقة، وإيرادات الدول، وتوقيتات الصناعة وسلاسل الإمداد العالمية.

وقد أظهرت التطورات أن التفوق العسكري التقليدي لا يكفي وحده لضمان سلامة الممرات البحرية؛ فوسائل منخفضة الكلفة نسبيًا يمكن أن تفرض على قوة أكبر أثمانًا اقتصادية وعسكرية مرتفعة. لكن القدرة على التعطيل شيء، والقدرة على إنتاج الاستقرار شيء آخر. فالتحكم في المضيق قد يمنح نفوذًا تفاوضيًا، لكنه لا يبني اقتصادًا ولا يعالج جذور الأزمات.

في الختام؛ أمن باب المندب، بوصفه صلة وصل بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، لا يمكن اختزاله في تدخلات عسكرية مؤقتة. فاستقراره المستدام يرتبط في النهاية بتسوية سياسية للأزمة اليمنية، وترتيبات أمنية تشارك فيها الدول الساحلية، وآليات تحمي حرية الملاحة الدولية من التحول إلى رهينة دائمة للصراع.

Print Friendly, PDF & Email
هشام الأعور

أكاديمي وكاتب سياسي لبناني

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  الممر الهندي الخليجي الأوروبي.. ماذا إذا تعثر؟