عون إن كرّر 13 تشرين.. من هو رفيق الحريري الجديد؟

لا يرتقي خطاب سعد الحريري في الذكرى الـ 16 لإستشهاد والده رفيق الحريري، للمناسبة ذاتها. كان يمكن لخطابه أن يُقال مباشرة بعد لقائه الأخير برئيس الجمهورية ميشال عون، لكأنه فضّل أن يُغلّب الراهن، برغم عدم إتصاله بالمناسبة نفسها.

يشي خطاب سعد الحريري بأننا وصلنا إلى لحظة إستعصاء قاتلة. كل واحد يعتبر أن التنازل للآخر هو بمثابة عودة إلى الوراء وبالتالي لا يستطيع تحمل أكلاف هكذا إنكسار. من جهة، يعتبر عون وباسيل أن الخسارة وقعت (العقوبات الأميركية) وبالتالي كل ما بعدها، لا يقدم ولا يؤخر، طالما أن المستقبل السياسي لرئيس التيار الوطني الحر بات مُعلقاً، أقله في المدى القريب. من جهة مقابلة، يقول الحريري إنه لن يتراجع ابداً عن خياراته. له أسبابه السياسية والطائفية والشخصية، وأيضاً العربية والدولية، وأقلها ما سمعه أكثر من مرة في غير عاصمة عربية وأجنبية: حذار تقديم تنازلات بذريعة إنقاذ لبنان. ما تعتقد أنه إنقاذ للبنان هو مقدمة للإنهيار لا بل الخراب الشامل.

هل يمكن أن يسمع الحريري نصاً أكثر وضوحاً؟

أبداً، لذلك، عندما توجه إلى القصر الجمهوري، يوم الجمعة الماضي، غداة عودته من زيارته الباريسية، كان خطاب ما بعد مغادرة القصر، هو الحاضر في ذهنه. لذلك، عندما سهت عن باله جملة، إستدرك وعاد ليقولها للصحافيين بالفم الملآن: لن يكون ثلث معطل لأحد. أما الجملة اليتيمة التي لم يقلها في تصريحه في بعبدا أو في خطابه اليوم فهي تلك التي لم يكن أحد يريد أن يسمعها في القصر الجمهوري: فخامة الرئيس، أنا لن أعتذر.

أراد الحريري بجملته هذه أن يبلغ باسيل من خلال رئيس الجمهورية أنه مهما طال زمن التأليف، فإنه لن يعتذر، وهذه المرة ليس فقط لأسبابه الشخصية والسياسية، بل متسلحاً بموقف عربي (مصري ـ إماراتي) وتقبل فرنسي ـ أوروبي (وغض نظر أميركي)، وفي هذه الرسالة ما يشبه “التطمين”: إذا كان باسيل يعتقد أنه سيكسب بفتح قنوات الحوار الأميركي ـ الإيراني، عليه أن يعيد النظر بحساباته، وأولها الموقع المحوري للفرنسيين على أكثر من خط إقليمي ودولي، ما يجعل الحريري، في صلب هذه الحركة، بصفته يشكل عنوان المبادرة الفرنسية، حتى الآن، فضلاً عن رهان رئيس تيار المستقبل على أن أي نجاح أوروبي حالياً بإعادة فتح قنوات الحوار بين السعوديين والإيرانيين سيكون هو المستفيد منها أيضاً لبنانياً!

كان جواب أحد أبرز معاوني رئيس الجمهورية هو الآتي: رئيس الجمهورية تعهد بإحترام الدستور والقوانين، فإذا كان البعض يراهن على التمديد للمجلس النيابي الحالي وترك المقعد الرئاسي شاغراً، عليه أن يعيد النظر في حساباته. ما يسري على التمديد النيابي يسري على رئاسة الجمهورية

يشي هذا المشهد العوني ـ الحريري المتعدد الأبعاد أن حكومة حسان دياب قد تستمر بتصريف الأعمال من الآن وحتى موعد إنتخابات رئاسة الجمهورية في خريف العام 2022، وفي حال الفراغ الرئاسي، وهو الأكثر ترجيحاً، على اللبنانيين التكيف منذ الآن، مع فكرة أن حسان دياب هو رئيس جمهوريتنا في العام 2022، تماماً كما حصل مع حكومة تمام سلام، بعد إنتهاء ولاية ميشال سليمان وقبلها حكومة فؤاد السنيورة بعد إنتهاء ولاية إميل لحود.

أكثر من ذلك، وهذا كلام يقال للمرة الأولى في الصالونات السياسية: ثمة رسائل دولية واضحة وصلت إلى أعلى المراجع اللبنانية مفادها الدعوة إلى إحترام الإستحقاقات الدستورية، من إنتخابات بلدية ونيابية ورئاسية، وفي مواعيدها المقررة. كان جواب أحد أبرز معاوني رئيس الجمهورية هو الآتي: رئيس الجمهورية تعهد بإحترام الدستور والقوانين، فإذا كان البعض يراهن على التمديد للمجلس النيابي الحالي وترك المقعد الرئاسي شاغراً، عليه أن يعيد النظر في حساباته. ما يسري على التمديد النيابي يسري على رئاسة الجمهورية.

هذا الكلام سمعه سفراء وسياسيون وتم توثيقه بتقارير دبلوماسية وصلت إلى الأمم المتحدة وعواصم أوروبية عديدة. ليس المضمون الحرفي هو القضية، لكن الخلاصة هي الأساس: نحن أمام مشهد يتقاطع في الكثير من مندرجاته مع لحظة إنتقال رئاسة الجمهورية إلى حكومة عسكرية برئاسة العماد ميشال عون في خريف العام 1988. مسار سياسي بلغ ذروته في 13 تشرين الأول/ اكتوبر 1990. على مدى سنتين، إعتقد المسيحيون أن قائد الجيش ورئيس الحكومة العسكرية هو “المخلص”. الأدق، أن مئات وربما آلاف اللبنانيين، كانوا يعبرون الشطر الغربي (من المسلمين السنة والشيعة) بإتجاه “بيت الشعب” في بعبدا من أجل التهليل لشعارات ميشال عون، ومن منا لا يتذكر الهتاف الشهير “ترا تا تا تا.. جنرال”!

وقف ميشال عون، وقتذاك، بوجه العالم كله. بوجه البطريركية المارونية وكل الأحزاب المسيحية، كما بوجه “الشريك الآخر” وكل “الأمم”. شنّ حرب التحرير ثم حرب الإلغاء. إستنجد بالسلاح العراقي، وأراد قلب المعادلة الداخلية. حاول السوريون بشتى الوسائل الإغراء والإستدراج إلى تسوية ما، لكنه أصر على أن يذهب إلى نقطة إما يربح معها كل شيء أو يخسر كل شيء. إنعقد مؤتمر الطائف وولدت وثيقة الوفاق الوطني، لكن “الجنرال” قرر معاندة الوقائع كلها، قبل أن تفاجئه لحظة الغزو العراقي للكويت. هناك من هلّل لها قبل أن يكتشف أنها اللحظة التي جعلت جورج بوش الأب يضع يده بيد حافظ الأسد من أجل تحرير الكويت من الإحتلال العراقي. كان لبنان هو “البيعة”. قرر الأميركيون تلزيم هذا البلد الصغير إلى سوريا حافظ الأسد.

إقرأ على موقع 180  أوروبا تجدد الأمل بتفاوض إيراني أميركي

واقع الإنسداد والإنقسام والتشظي والإنهيار الإقتصادي على مدى سنتين (1988ـ1990)، إنتهى بلمح البصر: طائرات “السوخوي” السورية تغير على قصر بعبدا، إيذاناً ببدء العملية العسكرية السورية. ميشال عون يلجأ إلى السفارة الفرنسية، ويبدأ زمن الإحباط المسيحي. إحباط ترجم بالنفي والإبعاد والهجرة وبتغيير هوية لبنان الديموغرافية.. وصولاً إلى ما نشهده في يومنا هذا..

هناك عشرة مقاعد نيابية شاغرة، لو وضعنا مقعد مروان حمادة الدرزي جانباً، ماذا يضير جبران باسيل أو سمير جعجع أو سامي الجميل أو الحراك أن يحصدوا تسعة مقاعد وأن يبرهنوا من هو الأقدر بينهم على تمثيل المسيحيين في يومنا هذا؟

ما يشهده لبنان اليوم، يعيد تذكيرنا، بشكل أو بآخر، بتلك الحقبة. إنسداد سياسي. إنهيار إقتصادي ومالي. إنفجار سياسي وأمني كبير. إسقاط الدولة. إحياء مشروع ما على ركام ما يبقى من لبنان، ودائماً بعنوان الحفاظ على حقوق المسيحيين، فماذا ستكون النتيجة من الآن وحتى نهاية العام 2022؟

هذا مسار يشي بمحاولة الدفع بإتجاه طائف جديد. أن يجلس أطراف الأزمة، ولا سيما “الطامح” منهم” إلى طاولة التسويات. إعادة الإعتبار إليه بقرار دولي، تمهيدا لشراكة من نوع جديد. لكن هل يتحمل لبنان ترفاً من هذا النوع وهل يمكن أن يتكرر المشهد الذي أدى إلى تلزيم لبنان إلى دولة إقليمية وعلى حساب من؟

عود الى بدء. الى خطاب سعد الحريري. إستخدامه تعبير “الحريرية السياسية” خطأ. لكأن الحريري يكرس ما لا يتحمله مشروع رفيق الحريري. الحريرية الوطنية، (بالإذن من نهاد المشنوق)، يمكن إختزالها بالآتي: مشروع سلطة بلا عقيدة ولا رؤية ولا مانيفست حزبي. عصبه المال والخدمات والمؤسسات. هناك كاريزما الشخص (رفيق الحريري). تسخير للعلاقات العربية (الحضانة السعودية أولاً) والدولية (الفرنسية أولاً). هذا هو مشروع رفيق الحريري. مشروع له توقيته الإقليمي واللبناني حتماً. هو الوريث الأول للجمهورية الأولى بعنوان “الجمهورية الثانية”. ما يمكن سؤاله هل أن مضي ميشال عون في خيار المواجهة مع سعد الحريري سيصب في مصلحة المسيحيين؟

حتماً، ثمة لبنان جديد سيولد. لا أحد يدري هل سيكون موحداً أم مقسماً؟ من سيكون عنوان “الجمهورية الثالثة”؟ من هو رفيق الحريري الجديد ولأية طائفة ينتمي ومن سيكون ضحية أو ضحايا 13 تشرين الجديد؟ لا أحد يستطيع التنبؤ بهوية هؤلاء كلهم منذ الآن؟

كلها أسئلة قد تمهد لمرحلة تأسيسية ربما يكون المعبر إليها محكوما بإستعادة مشاهد إعتقد اللبنانيون أنها لن تتكرر. هذا ما تشي به لحظة الإنسداد الحالية. هل يمكن أن يتصور عاقل كيف سيتصرف اللبنانيون عندما ستتوقف معامل الكهرباء وشركات تقديم الخدمات في قطاع الكهرباء؟ عندما يتوقف دعم الرغيف والسكر وحليب الأطفال؟ عندما لا يجد أهالي جرود عكار والهرمل المحروقات لتدفئة صغارهم؟

قد يتباهى سعد الحريري بإستخدام ورقة الأسماء التي سلمها له العماد ميشال عون يداً بيد، وهو كان قد حاول إقناع بكركي بنشرها، ولكنها رفضت، وهو في ذلك يريد إحراج رئيس الجمهورية ميشال عون مسيحياً. الأمر لا يستحق هذا العناء. الشارع المسيحي في لبنان يكاد يتحرر بمعظمه من الصنميات الحزبية، القديمة منها أو الجديدة، وهذا الشارع يشي بحيوية غير مسبوقة، وهو الأمر الذي يجعل الجميع يخشون الدعوة إلى إنتخابات نيابية فرعية. هناك عشرة مقاعد نيابية شاغرة، لو وضعنا مقعد مروان حمادة الدرزي جانباً، ماذا يضير جبران باسيل أو سمير جعجع أو سامي الجميل أو الحراك أن يحصدوا تسعة مقاعد وأن يبرهنوا من هو الأقدر بينهم على تمثيل المسيحيين في يومنا هذا؟

هذه الضرورة الشعبية التي حوّلت خطاب الحريري في الذكرى الـ 16 لإستشهاد والده خطاباً مسيحياً بإمتياز. ربما نجحت وربما لم تنجح. الأكيد أن التيار الوطني الحر، لم يعد بمقدوره تجيير رؤيته ولا تفاهماته السياسية لأجل غاية وظيفية شخصية بلا غاية سياسية إستراتيجية، أي تعطيل البلد لأجل الشخص، أياً كان هذا الشخص. من حق جبران باسيل وليس ميشال عون أن يسمي ستة وزراء في الحكومة، مثلما هو حق حزب الله وحركة أمل وسعد الحريري ووليد جنبلاط بتسمية وزرائهم، لكن حرام التمسك بمنطق التعطيل أو الثلث المعطل، أقله لأجل عاصمة مدمرة وشعب لبناني بلغ الحضيض وهوية لبنانية صار الكل يخجل بها.

أما عن خطاب الحريري وعلاقته بحزب الله، فإن الرجل يؤدي فروضه اللبنانية على أكمل وجه، بتجاهل الحزب وإيران كلياً.. للبحث صلة.

Print Friendly, PDF & Email
حسين أيوب

صحافي لبناني

Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  ماذا عن "مصر أولاً"، المشروع العروبي، لبنان وحرائق المنطقة؟