هندسة الانسحاب الإسرائيلي: كيف يستعيد لبنان جنوبه؟

لا تكمن المعضلة اللبنانية التاريخية في العجز عن إثبات الحق القانوني والأخلاقي في الأرض، بل في التحدي المتمثل في تحويل هذا الحق من مقولة معيارية مجردة إلى واقع سياسي وأمني تستطيع الدولة حمايته وإدارته.

الاحتلال، أيُّ احتلال، كما تُظهر تجارب التاريخ المعاصر، لا يطويه مجرد صدور بيان يوثق انتهاكه للقانون الدولي، ولا يزول بمجرد امتلاك وسائل القوة العسكرية، ولا حتى عبر اتفاقيات ثنائية تفتقر بنودها إلى ضمانات التنفيذ وآليات الإكراه. الاحتلال ينتهي عملياً عندما تتغير «معادلة القوة» التي تؤمّن استمراره، وعندما تتشكل ترتيبات سياسية وأمنية متماسكة تجعل كلفة البقاء أعلى من منفعة الوجود، وتوفر في الوقت ذاته مخرجاً يمنع تجدد الاحتلال والعدوان.

من هذا المنطلق، فإن السؤال الجوهري: كيف يُجبر لبنان إسرائيل على الخروج الكامل من أرضه؟ يستدعي بحثاً استراتيجياً يفكك بنية الاحتلال، ويكشف بجرأة أسباب عجز الأطر الدبلوماسية التقليدية، ويبحث في كيفية استعادة المبادرة عبر نقاط قوة ذاتية ومركبة تترجم الضغط الميداني والتضحيات الجسام إلى نتيجة سياسية ثابتة تصون الأرض والكرامة الوطنية.

أولاً: تفكيك بنية الاحتلال

تعتاد الأدبيات السياسية الإسرائيلية تقديم الوجود العسكري في الجنوب اللبناني بوصفه «ضرورة أمنية ملحّة» لحماية التجمعات الإستيطانية الشمالية. غير أن التحليل الاستراتيجي الرصين يقتضي التمييز الحاسم بين التبرير المعلن والوظيفة الفعلية؛ إذ يفحص مدى التناسب بين الوسيلة والهدف، وما إذا كانت هناك خيارات جيوسياسية أقل اعتداءً على سيادة الدولة المجاورة تحقق الأهداف الأمنية عينها.

فالسيطرة العسكرية المباشرة تؤدي، استراتيجياً، سلسلة وظائف متداخلة:

عسكرياً: التحكم بالمرتفعات والمحاور الحاكمة، وخلق خطوط دفاع متقدمة، وتأمين التفوق الاستطلاعي.

سياسياً: الاحتفاظ بأوراق تفاوضية ضاغطة، وإبراز القدرة الردعية أمام الرأي العام الداخلي.

وهنا تجدر الإشارة إلى أحد جذور فشل الدبلوماسية اللبنانية تاريخياً؛ فقد اعتمدت غالباً على خطاب الشكوى والاستنجاد بالشرعية الدولية وإدانة «النيات»، من دون أن تقترن باستراتيجية ضاغطة تؤثر في جدول مصالح الخصم. إن الدبلوماسية التي تتجرد من عناصر القوة الميدانية والسياسية تحوّل الحق اللبناني إلى مجرد قضية أخلاقية يُعزى حلها إلى «حسن نيات» المجتمع الدولي، وهو ما أثبت عقمه الاستراتيجي أمام واقع العدوان وتمدده.

ثانياً: مأزق «اتفاق الإطار الثلاثي»

يشكل فشل «اتفاق الإطار الثلاثي» 2026 نموذجاً صارخاً لكيفية تحوّل الأطر التفاوضية التي تبدأ في ظل موازين قوى غير متكافئة إلى أداة لكسب الوقت وإدارة الاحتلال بدلاً من إنهائه. وتتجلى الاختلالات الهيكلية لهذا الاتفاق وآثارها الاستراتيجية في ثلاثة مفاصل حاسمة:

1-ربط الانسحاب بشروط غير متكافئة: أدى هذا الترتيب إلى تحويل حق الانسحاب السيادي الثابت إلى «مكافأة» مؤجلة وموقوفة على استيفاء شروط وتوازنات داخلية معقدة، بما يمنح الخصم أوراق ضغط إضافية لمساومة لبنان على أرضه وسيادته.

2-غياب آليات الإكراه التنفيذية: افتقر الاتفاق إلى أطر ملزمة أو عقوبات إجرائية، ما منح الطرف المحتل قدرة عالية على التعطيل والمماطلة وتوسيع نطاق الاعتداءات من دون تحمّل تبعات قانونية أو ميدانية رادعة.

3-إعادة تعريف السيادة: جرى اختزال مفهوم السيادة في ترتيبات وإجراءات أمنية أحادية، بدلاً من تكريسه ممارسة شاملة لبسط سلطة الدولة الحصرية وتأمين حماية متكاملة للمواطنين.

إن تجربة «اتفاق الإطار الثلاثي» تثبت أن الاستغراق في ترتيبات تفاوضية شكلية تفتقر إلى الضمانات الرادعة يقود إلى فخ استراتيجي: يكتسب المحتل شرعية ضمنية لبقائه تحت مظلة التفاوض، بينما يتحمل لبنان وشعبه في الجنوب أعباء النزوح والتدمير الهيكلي واستنزاف المقومات الحيوية.

ثالثاً: الدروس اللبنانية

يقدم التاريخ السيادي للبنان شواهد واضحة على ديناميات الانسحاب والاستمرار:

عام 1978: صدور القرارين 425 و426 ونشوء قوات «اليونيفيل».

عام 1982: الاجتياح الشامل للبلاد وصولاً إلى العاصمة بيروت.

عام 1985: الانسحاب الجزئي ونشوء الشريط الحدودي المحتل.

عام 2000: الانسحاب الإسرائيلي غير المشروط.

عام 2006: حرب تموز وصدور القرار 1701 وإعادة هيكلة الترتيبات الأمنية في جنوب لبنان.

تثبت هذه السلسلة التاريخية أن وجود قرار دولي، كالقرار 425، مدعوماً بقوات أممية لم يكن وحده كافياً لإنهاء السيطرة الإسرائيلية الميدانية، إذ استمرت السيطرة المباشرة وبالوكالة عقوداً متصلة.

في المقابل، شكّل انسحاب عام 2000 نموذجاً لتغيّر حسابات الاحتلال؛ إذ أدى الضغط الميداني المتواصل وصمود المواطنين إلى رفع الكلفة البشرية والمعنوية، بالتوازي مع جدل داخلي إسرائيلي حاد وتعبئة مجتمعية ضاغطة، مثل حركة «الأمهات الأربع». غير أن الاستفادة من تجربة 2000 لا تعني إمكان استنساخ أدواتها حرفياً في الراهن؛ إذ شهدت البيئة الاستراتيجية تحولات جذرية على صعيد التكنولوجيا العسكرية والتوازنات الإقليمية وقدرة المجتمع اللبناني على تحمّل الأضرار الهيكلية، ما يستدعي مأسسة الصمود وتأطيره في مقاربة وطنية جامعة.

رابعاً: «نقاط القوة الوطنية»

أمام فشل الدبلوماسية التقليدية وتعثر اتفاقات الإطار الشكلية، يصبح البحث عن نقاط القوة الذاتية والمقومات المركبة ضرورة لفرض الانسحاب. فالإكراه الاستراتيجي يقتضي امتلاك أدوات تجعل كلفة الاحتلال والعدوان أعلى من منفعة البقاء، من خلال تفعيل ثلاثة محاور رئيسية:

  1. تكامل قدرات الدفاع واستيعاب التضحيات: صياغة «استراتيجية أمن وطني» جامعة تتكامل فيها تضحيات المقاومة ودماء الشهداء مع مؤسسات الدولة السيادية، بحيث تتحول مقومات الصمود الميداني إلى قوة تفاوضية وضغط سياسي يحمي الأرض ويمنع الاستفراد بالجنوب.
  2. الدبلوماسية الهجومية والمساءلة القانونية: تحويل ملف الانتهاكات واستهداف المدنيين إلى أدوات ضغط فعلية عبر تفعيل المسارات القضائية الدولية، وربط المصالح الاقتصادية والأمنية للدول الراعية بكلفة استمرار الاحتلال.
  3. تعزيز الصمود المجتمعي وإعادة الإعمار: إن دعم السكان الصامدين، وتوفير مقومات الحياة والرعاية لعائلات الشهداء والجرحى والمصابين، يمثل حجر الزاوية في منع تفريغ الشريط الحدودي وإفشال مخططات فرض «المناطق العازلة» بحكم الأمر الواقع.
إقرأ على موقع 180  غاز لبنان بين "إبتسامات هوكشتاين".. و"عبسة حزب الله"! 

خامساً: بناء الدولة السيادية

يعاني لبنان تاريخياً من الفجوة بين «السيادة القانونية» و«القدرة الفعلية على ممارستها». ولذلك فإن استعادة الأرض ومنع استباحتها تتطلب مؤسسات سيادية قادرة على الاستلام والسيطرة والإدارة وحفظ الأمن والنظام.

ويتكامل عمل مؤسسات الدولة لاستكمال عملية التحرير وصونها عبر ثلاث حلقات مترابطة:

1-الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية: عبر الانتشار الميداني، وتوفير العتاد والتجهيز الحديث، والتنسيق العملياتي المحكم لحماية الحدود والداخل.

2-البنية التحتية والخدمات العامة: عبر تفعيل الإدارة المحلية والقضاء والمؤسسات الصحية والتعليمية والبلديات، لاستعادة الحياة المنتظمة والنهوض بالمناطق المنكوبة.

3-الرؤية الدفاعية الموحدة: عبر تأطير التضحيات الوطنية في استراتيجية ناظمة تكفل الحماية الشاملة للأرض والشعب، وتستند إلى إرادة وطنية جامعة تصون الكرامة والسيادة.

إن انتشار الجيش اللبناني ركن أساسي، لكنه يقتضي توفير الموارد المالية والتجهيزات والتغطية السياسية الشاملة، بالتوازي مع احتضان ما بُذل في سبيل التحرير. فمعالجة مكامن الضعف المؤسسي ترفع قدرة لبنان التفاوضية، وتلغي الذرائع التي تحاول تصوير الجنوب كساحة مفتوحة أو فراغ أمني.

سادساً: السيناريوهات المستقبلية

يمكن تصور ثلاثة مسارات استراتيجية لمستقبل الجنوب:

  1. سيناريو تكريس الأمر الواقع: استمرار السيطرة الميدانية وتآكل الاهتمام الدولي، وهو نتيجة طبيعية للاكتفاء بالشكوى الدبلوماسية واستمرار الانقسام الداخلي.
  2. سيناريو الانزلاق إلى المواجهة المفتوحة: تصعيد عسكري غير محسوب النتائج يرفع الكلفة الإنسانية ويزيد تدمير البنى التحتية، من دون ضمان التحرير المستدام.
  3. سيناريو فرض الانسحاب عبر تجميع القوة المركبة: توظيف أوراق القوة الوطنية، عسكرياً وسياسياً ودبلوماسياً ومجتمعياً، واستثمار نضالات الشعب وتضحياته لإجبار المحتل على الانسحاب وفق جدول زمني محدد وتحت رقابة دولية صارمة.

خاتمة

تؤكد دروس التجربة اللبنانية أن الاحتلال يتغذى على ضعف الدبلوماسية وهشاشة الاتفاقات الإطارية غير المتبوعة بأوراق ضغط حقيقية. كما تثبت أن خروج المحتل يتطلب تحويل السيادة من شعار نظري إلى مشروع عملي متكامل: أرض مستعادة بالكامل، ومواطنون محميون بحكم القانون ومكفولو الكرامة، ورؤية دفاعية جامعة تستثمر التضحيات في بناء مؤسسات قادرة على صون الأمن القومي ومنع تكرار المأساة.

Print Friendly, PDF & Email
هشام الأعور

أكاديمي وكاتب سياسي لبناني

Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  ترسيم الحدود البحرية اللبنانية.. أسير النزاع التركي القبرصي (2/1)