بهذا المعنى، يصبح المخيم قريباً مما يسميه بيير نورا «مكان الذاكرة»: نقطة تتبلور فيها الذاكرة والهوية الجمعية وتستمران عبر الأجيال. فالمكان لا يبقى كما هو، لأن معناه يتغير بتغير طريقة إدراكه واستخدامه ونقله.
في المخيم تتلاصق البيوت كما تتلاصق الحكايات. تحمل الأزقة أسماء القرى والبلدات التي هُجّر منها اللاجئون: صفورية، حطين، الصفصاف وغيرها. المدارس والمؤسسات تستعير الأسماء نفسها أو تحمل أسماء الشهداء. وفي البداية، كانت الصور المعلقة على الجدران تستعيد شهداء وقادة مرّوا من هنا أو اتصلوا بالمكان الأصلي عبر بندقيتهم وحكايتهم.
ثم امتلأ الفضاء بالأعلام الفصائلية، والمكاتب التنظيمية، وصور القادة والشهداء. توسعت البيوت وكثرت الحارات وتغير الأشخاص والرايات، لكن المخيم ظل بحاجة إلى حكاية تمنحه معنى يتجاوز ضيق المكان.
***
لم يعد المخيم فضاءً يحمل حلم التحرير وحده. تراكمت فوق ذاكرته طبقات جديدة من الرموز؛ أسماء من مرّوا على طريق التحرير، ثم أسماء أخرى صنعتها تفاصيل الحياة اليومية.
حين تدخل المخيم، قد تضيع بين كثافة الصور وتفاوت أحجامها وشخصياتها وتواريخها. صورة شهيد، ثم قيادي، ثم مسؤول محلي، ثم ناشط. وقد يتحول مشروع إنارة زقاق، أو مساعدة مالية لعلاج طفل، أو إصلاح شبكة مياه، إلى مناسبة تستحق صورة وشكراً عاماً، ومن ثم قد تصبح الخدمة نفسها مدخلاً إلى الشرعية.
هنا تتخاصم الذاكرة أحياناً وتتداخل أحياناً أخرى. قد يقدم فرد عمله المحلي باعتباره استمراراً لنهج فصيل بدأ بشعار التحرير وانتهى بإصلاح مولد كهرباء أو معالجة أزمة مياه أو الاعتراض على تقنين الأونروا للمازوت.
تغيرت ساحات الصراع، من الأرض والسلاح إلى كيس الطحين والمياه والخدمات والفساد. وبعد سنوات من التسويات، عادت أوراق المؤسسات لتختلط بأوراق الفصائل. ومع ذلك، لا تنسى هذه الأخيرة استدعاء رموز شرعيتها الأولى؛ فالغائبون ما زالوا يملكون سلطة الحضور.
ويبقى السؤال: مَن هو الأقرب إلى القضية بعدهم؟
***
عاش المخيم، منذ نشأته، في حالة مؤسساتية شبه دائمة. كانت المؤسسات جزءاً من إدارة شؤونه، ثم أصبحت الخدمات نفسها عنصراً في المنافسة السياسية. وهكذا دخلت الفصائل إلى الشارع اليومي، لا عبر الشعارات الكبرى فقط، بل عبر الماء والكهرباء والتعليم والإعمار والمساعدات.
في زحام المخيم تتكاثر الرموز بسهولة، ويجد كل «فتوة» مساحة ليصنع صورته، أو ليصنعها له الآخرون. ولم يعد يحتاج إلى شاعر ربابة يروي بطولاته؛ فقصص الحياة اليومية نفسها باتت مادة كافية لصناعة البطولة: من أصلح شارعاً؟ مَن دفع كلفة علاج؟ مَن أعاد الكهرباء؟ مَن ساعد عائلة؟
لهذا قد تظهر صورة قيادي محلي بالحجم نفسه الذي تظهر به صورة قائد من مرحلة تاريخية سابقة، وربما إلى جوارها أو تحتها مباشرة، حتى عند مداخل المخيم. ليست المسألة مجرد ازدحام بصري؛ إنها تعبير عن ذاكرة لها سلطة ونفوذ.
وعندما تحتاج هذه السلطة إلى تجديد شرعيتها، يعود عامل الوراثة والتوارث إلى الظهور. فالفتوات لا تعمل وحدها، ولا من تلقاء نفسها؛ لا بد دائماً من «ناظر للوقف». وكم من ناظر نصب نفسه وريثاً لإدارة شؤون المخيم.
ومع ذلك كله، يبقى أهل المخيم.
***
لا تزال الطبقة الأولى من الرموز تحتل الجزء الأعمق في الذاكرة الفلسطينية للمخيم، لكن السلطة لا تنتقل دائماً عبر المؤسسة أو التاريخ وحدهما. فهي تمر أيضاً عبر الاسم والحكاية والنسب والعائلة والعشيرة.
ومن هنا يبدأ الجيل التالي في وراثة معنى المكان، كما يرث مواقع داخل الذاكرة الجمعية نفسها.
فالذاكرة ليست صندوقاً مغلقاً يحفظ الماضي كما وقع. الإنسان يتصرف في الموروث بالحذف والإضافة والانتقاء؛ يطمس أجزاء ويبرز أخرى وفق حاجاته الراهنة. وهكذا يمكن أن تتحول الذاكرة من ذاكرة أصلية إلى ذاكرة نافعة.
ويظهر التوظيف حين تحاط بعض الرموز بهالة من التقديس تجعلها فوق النقد، ثم يظهر من بعدهم حماة الرموز وورثتهم وورثة ورثتهم، من أكبر «فتوة» إلى أصغرهم، يتنافسون على الاستحواذ على «أماكن الذاكرة» وعلى حق تفسيرها.
***
إذا كانت آفة أولاد حارتنا النسيان… فما آفة أولاد المخيم؟
في «البيت الكبير» تستمد القوة من الذاكرة، ومن القدرة على امتلاكها أو ادعاء الوصاية عليها. تنتقل العلاقة بين الأجيال، وتتبدل شرعيتها وفق ظروف كل مرحلة، فيما يعاد إنتاج حكايات الأوائل بتأويلات جديدة كلما اقتضت الحاجة.
وحين يضيق أحدهم بحاله، أو يئن من ظلم أو سوء معاملة، يعود ببصره إلى «البيت الكبير».
قد يبدو حلم أهل المخيم مختلفاً عن حلم أتباع الجبلاوي في «أولاد حارتنا». هناك، اعتاد الناس شراء السلامة بالإتاوة والأمن بالخضوع، وكانت العقوبة تلاحق الهفوة في القول والفعل، بل ربما الخاطرة التي يفضحها الوجه. أما في المخيم، فإن الذاكرة نفسها أكثر تعقيداً، لأنها لا تكف عن إعادة تشكيل المكان الذي ولدت فيه.
***
يعج فضاء المخيم بأمثلة على توظيف «أماكن الذاكرة»: الصورة، والذكرى، والمؤتمر الوطني، واحتفال المؤسسة، وحتى المعركة المحلية التي تُقدَّم أحياناً باعتبارها دفاعاً عن سلطة بعيدة عن واقع الناس اليومي. وتترافق هذه المحاولات مع الإقصاء والتخوين، وأحياناً مع إحساس الفرد بالغربة داخل البيئة التي يعيش فيها.
ومع ذلك، لم ينس اللاجئ مكانه الأصلي. يظهر ذلك في سردياته وأدبياته، منذ اللحظة التي غرس فيها خيمته الأولى وهو يتطلع إلى «البيت الكبير». لكن المخيم، مع مرور الزمن، لم يبق مجرد محطة انتظار للعودة؛ لقد أنتج ذاكرته الخاصة، ثم أنتج داخل هذه الذاكرة طبقات تتنافس على تمثيله.
وهكذا تحولت الذاكرة، من وسيلة لمقاومة النسيان، إلى ميدان للصراع على الشرعية والسلطة.
وربما تكمن المفارقة الكبرى هنا: أن المخيم الذي وُلد لأن مكاناً أصلياً فُقد، صار هو نفسه مكاناً تتصارع داخله قوى مختلفة على حق تعريف الماضي، وتمثيل الحاضر، والتحدث باسم المستقبل.
