تكمن أهمية هذا التحول وخطورته في أن ما يمكن وصفه بـ«العقيدة الأمنية الجديدة» لم يُصغ، حتى الآن، في وثيقة رسمية معلنة، ولم يخضع لنقاش عام، إلا أن ملامحه تبدو حاضرة في صناعة القرار وفي توجيه السلوك العسكري والسياسي. هنا يبرز سؤال جوهري: هل تعيد إسرائيل بناء منظومتها الأمنية لمواجهة تهديدات متغيرة، أم أننا أمام تحول أعمق يمكن أن يعيد تعريف هويتها الوطنية وطبيعة نظامها السياسي؟
من التوازن بين «اليهودية والديمقراطية» إلى أولوية الهوية اليهودية
تتمثل إحدى أبرز سمات هذا التحول، في تقدم الهوية اليهودية للدولة على بعض اعتبارات الديمقراطية الليبرالية والمساواة المدنية. وفي حال ترسخ هذا الاتجاه، يصبح الحفاظ على الطابع اليهودي لإسرائيل أولوية استراتيجية قد تُستخدم لتبرير تضييق مساحة بعض الحقوق والحريات، خصوصاً في ما يتعلق بالمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل.
ويمثل ذلك اختباراً للمبادئ التي وردت في وثيقة إعلان قيام دولة إسرائيل، والتي ربطت بين هوية الدولة وبين الحرية والعدالة والسلام والمساواة في الحقوق الاجتماعية والسياسية.
فهل تستطيع إسرائيل المحافظة على تعريفها لنفسها بوصفها «دولة يهودية وديمقراطية» إذا أخذت الاعتبارات القومية والدينية تتقدم، بصورة منهجية، على مبدأ المواطنة المتساوية وسيادة القانون؟
التحول هنا لا يتعلق بسياسة حكومية محددة فحسب، بل بالتوازن بين الهوية الوطنية والنظام الديمقراطي، وبما قد يترتب على اختلال هذا التوازن من توترات داخلية وتراجع في صورة إسرائيل وموقعها الدوليين.
السلام كترتيب مؤقت.. والحرب كحالة دائمة
من أبرز ملامح العقيدة المفترضة أيضاً التعامل المتزايد مع اتفاقيات السلام بوصفها ترتيبات تحكمها موازين المصالح والقوة، أكثر منها أساساً دائماً لبناء الاستقرار الإقليمي.
وبدلاً من النظر إلى السلام بوصفه غاية سياسية وأداة لتعزيز الأمن والازدهار، يصبح ترتيباً وظيفياً قابلاً لإعادة التقييم عندما تتغير البيئة الاستراتيجية.
ويتصل بذلك صعود تصور يعطي الحرب مكانة أكثر مركزية في إدارة الأمن القومي، ويمنح الأولوية للمبادرة الهجومية والضربات الاستباقية، مقارنة بالعقيدة التقليدية القائمة على مزيج من الردع والإنذار المبكر والحسم.
وقد تبدو هذه المقاربة استجابة مفهومة للصدمة الأمنية التي أحدثها 7 أكتوبر، لكنها تثير سؤالاً مختلفاً: هل تستطيع الحرب المستمرة أن تنتج أمناً مستداماً؟
فالحرب الدائمة تفرض أكلافاً عسكرية واقتصادية واجتماعية متراكمة، وتضغط على قدرة الدولة على توجيه الموارد إلى التعليم والتنمية والبحث العلمي والبنى المدنية. كما أن تحويل العمل الاستباقي إلى خيار شبه افتراضي قد يؤدي إلى توسيع دوائر المواجهة بدلاً من احتوائها.
وعند هذه النقطة، يمكن أن يتحول التفوق العسكري من أداة لحماية الدولة إلى عنصر يكرس بيئة إقليمية دائمة الاضطراب.
الجغرافيا والاستيطان.. الأمن يعيد تعريف الصراع
لا تقف التحولات عند حدود استخدام القوة، بل تمتد إلى تصور الجغرافيا الفلسطينية نفسها.
فالتشكيك المتزايد في إمكان الفصل السياسي والجغرافي بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ورفض قيام دولة فلسطينية لدى تيارات واسعة داخل الائتلاف الحاكم، وتعميق المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية، كلها مؤشرات، وفق هذه القراءة، إلى إدارة الصراع باعتباره واقعاً طويل الأمد، لا مساراً سياسياً ينتظر الحل.
وفي هذا السياق، قد يتحول الاستيطان تدريجياً من مشروع سياسي وأيديولوجي وجغرافي إلى أحد عناصر التصور الأمني نفسه، بحيث يُنظر إلى وجود المستوطنين في بعض مناطق الاحتكاك باعتباره جزءاً من «الدفاع الأمامي».
وهذا التحول يثير أسئلة تتصل بحماية المدنيين، وبالحدود، وبالقانون الدولي، وبالمستقبل السياسي للأراضي الفلسطينية.
كذلك فإن إعادة إدراج القضية الفلسطينية ضمن تصور أوسع لـ«صراع إقليمي دائم» قد تهمش خصوصية المسألة الفلسطينية وحقوقها الوطنية، وتقلص فرص العودة إلى مسار سياسي قادر على إنتاج تسوية.
وقد تكون النتيجة تكريس بيئة صراع مفتوح لا تقتصر آثارها على الإسرائيليين والفلسطينيين، بل تمتد إلى الإقليم كله.
تقليص الاعتماد على واشنطن.. طموح استراتيجي أم مخاطرة؟
وتطرح التحولات الجارية اتجاهاً آخر يتمثل في السعي إلى تقليص بعض جوانب الاعتماد على الولايات المتحدة، وتعزيز الاكتفاء الذاتي، ولا سيما في الصناعات العسكرية والتكنولوجيا الدفاعية والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.
وهذا هدف مفهوم من زاوية الأمن القومي؛ إذ إن دولة تواجه حروباً متكررة تسعى بطبيعة الحال إلى ضمان قدرتها الذاتية على إنتاج السلاح والذخيرة والتكنولوجيا.
لكن هذا الطموح يصطدم بحقيقة أن قوة إسرائيل لم تُبن على قدراتها الذاتية وحدها، بل أيضاً على شبكة واسعة من العلاقات الأميركية والغربية في مجالات الدفاع والتجارة والجامعات والعلوم والتكنولوجيا والتمويل والدعم الدبلوماسي.
لذلك، لا يتعلق السؤال بقدرة إسرائيل على إنتاج مزيد من احتياجاتها الدفاعية محلياً فحسب، بل بمدى قدرتها على المحافظة على تفوقها التكنولوجي ومكانتها الدولية إذا تحولت العلاقة مع واشنطن وحلفائها تدريجياً إلى علاقة أكثر براغماتية وأقل ارتباطاً بتصورات سياسية وقيمية مشتركة.
فالاستقلال الاستراتيجي شيء، والعزلة الاستراتيجية شيء آخر.
سوريا والتحولات الإقليمية.. اختبار إضافي للعقيدة
تضيف التحولات الجارية في سوريا تحدياً جديداً إلى الحسابات الإسرائيلية. فالتغير في البيئة السورية واحتمالات تشكل ترتيبات وتحالفات إقليمية جديدة يفرضان على صانع القرار الإسرائيلي إعادة تقييم مفهوم التهديدات وحدود القوة وآليات التعامل معها.
غير أن التعامل مع كل تحول إقليمي بوصفه تهديداً ينبغي احتواؤه عسكرياً يمكن أن يعزز منطق الحرب الدائمة، بينما قد تسمح بعض التحولات، في المقابل، باستخدام السياسة والدبلوماسية وترتيبات الأمن الإقليمي أدواتٍ لإدارة المخاطر.
ومن هنا، فإن مستقبل العقيدة الأمنية الإسرائيلية لن تحدده القدرات العسكرية وحدها، بل أيضاً قدرة إسرائيل على التمييز بين الخطر الذي يتطلب استخدام القوة، والتحول السياسي الذي يمكن التعامل معه بوسائل أخرى.
أمن الدولة أم أزمة الهوية؟
إذا استمرت المؤشرات السابقة في توجيه السياسة الإسرائيلية، فقد يكون ما يحدث أكثر من مجرد استجابة أمنية لصدمة 7 أكتوبر.
فنحن قد نكون أمام إعادة تشكيل للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الهوية اليهودية والديمقراطية، وبين القوة العسكرية والسلام، وبين إسرائيل ومحيطها الإقليمي وشبكة تحالفاتها الدولية.
وتكمن المفارقة في أن السعي إلى إنتاج مزيد من الأمن عبر توسيع العمل الاستباقي، وإدامة حالة التعبئة العسكرية، وتعميق الاستيطان، وتقليص الرهان على التسويات السياسية، والسعي إلى قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي، قد ينتج في المقابل أخطاراً جديدة: الاستنزاف الاقتصادي، والانقسام الاجتماعي والسياسي، والعزلة الخارجية، واتساع دوائر الصراع.
لذلك، فإن السؤال الاستراتيجي الأهم ليس ما إذا كانت إسرائيل تحتاج إلى مراجعة عقيدتها الأمنية بعد 7 أكتوبر؛ فهذه المراجعة تبدو أمراً متوقعاً بعد إخفاق بهذا الحجم.
السؤال هو: إلى أين تقود هذه المراجعة؟
هل تؤدي إلى إدارة أكثر فاعلية للمخاطر وتعزيز قدرة الدولة على التكيف، أم تتحول تدريجياً إلى تغيير غير معلن في طبيعة إسرائيل نفسها؟
فالدولة لا تُقاس قوتها بقدرتها على خوض الحروب والانتصار فيها فحسب، بل أيضاً بقدرتها على تحويل التفوق العسكري إلى استقرار سياسي، وبناء علاقات إقليمية قابلة للاستمرار، والحفاظ على تماسك مجتمعها وموقعها الدولي.
وإذا أصبحت الحرب هي القاعدة والسلام هو الاستثناء، فقد تجد إسرائيل نفسها أمام أزمة تتجاوز الأمن العسكري إلى سؤال أعمق بكثير:
أي دولة تريد إسرائيل أن تكون بعد 7 أكتوبر؟
