«اللقاء الوطني اللبناني».. عودة إلى الطائف ورهان على السيادة

تمرّ الأوطان بمحطات تاريخية مفصلية تتلاشى فيها أهمية المناورات السياسية الضيقة، لتفسح المجال أمام الأسئلة الكبرى المتعلقة بالوجود والسيادة واستمرارية الكيان. وفي ظل البيئة الإقليمية المحتدمة والمحاولات الدؤوبة لإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، يأتي انعقاد «اللقاء الوطني» في وسط بيروت ليُحدث قطعًا استراتيجيًا مع حالة الضياع السياسي، مكرّسًا مفهومًا جديدًا للاتزان الوطني، يقوم على إعادة تفعيل اتفاق الطائف، وإقرار استراتيجية شاملة للأمن الوطني، وتحصين الثوابت السيادية.

أولًا: تهاوي الطروحات التقسيمية

لم تقتصر المحاولات السياسية الأخيرة على محاصرة فكرة المقاومة وتفريغها من مضمونها الوطني فحسب، بل تجاوزت ذلك إلى إطلاق توجهات سياسية خطيرة تمسّ بالجوهر البنيوي للكيان اللبناني. فقد طفت على السطح دعوات صريحة وأخرى مستترة تعزف على وتر التقسيم والتطوير الفدرالي للهيكل السياسي، في مسعى مكشوف للانقلاب على صيغة العيش المشترك وتفتيت الدولة الموحدة. ترافق ذلك مع رهان وهمي على إمكانية انتزاع مكاسب عبر الانخراط في مسارات تفاوضية مباشرة مع العدو الإسرائيلي، والتعويل على صيغ مثل «اتفاق الإطار» مدخلًا لترتيبات أمنية وسياسية. غير أن هذا الرهان أثبت عقمه وفشله الذريع على أرض الواقع؛ إذ جُوبه بطبيعة العدو العدوانية القائمة على التوسع ونقض العهود. ففي الوقت الذي كان يُروّج فيه البعض للحلول التفاوضية، كانت الآلة العسكرية الإسرائيلية تواصل عدوانها الغاشم على لبنان، وممارساتها الممنهجة في تجريف الأراضي الجنوبية وتدمير مقومات الحياة فيها، ما أسقط كل الذرائع وأثبت أن المهادنة لا تجلب سوى المزيد من الاستباحة.

هذا التناقض الصارخ بين الرهانات السياسية الواهمة والواقع الميداني الدامي أدّى إلى انكفاء تلك المبادرات، بعدما انكشفت بوصفها أطروحات ظرفية لا تملك مشروعًا إنقاذيًا حقيقيًا، بل تزيد من هشاشة الموقف اللبناني وتشرذم ساحته الداخلية.

ثانيًا: «اللقاء الوطني»

في مقابل مشهد التشرذم، مثّل «اللقاء الوطني» اختراقًا سياسيًا كبيرًا بحجم الحضور ونوعية التمثيل؛ إذ تمكّن من جمع شتات المشهد اللبناني من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، مرورًا بالبقاع والجبل والعاصمة بيروت.

لم يكن هذا الجمع استعراضيًا، بل جسّد شرعية تمثيلية شاملة ترتكز على:

  • القوى الحزبية والسياسية: رؤساء أحزاب وقيادات وازنة ذات امتداد جماهيري واسع.
  • التمثيل النيابي والحكومي: نواب ووزراء حاليون وسابقون يختزنون تجربة الدولة والتشريع.
  • المرجعيات الروحية والدينية: رؤساء طوائف وممثلون عن المرجعيات الإسلامية والمسيحية، ما أضفى صبغة ميثاقية راسخة على المؤتمر.
  • الفعاليات القاعدية: رؤساء بلديات، وأكاديميون، ونقابات المهن الحرة، وخطباء، ووجهاء اجتماعيون يمثلون النبض الحي والمباشر للشارع اللبناني.

ثالثًا: من الميثاق إلى المواجهة

لم يكتفِ اللقاء بإصدار بيانات إنشائية، بل خاض في صلب الإشكاليات التي تهدد الكيان، صائغًا عناوين عريضة تشكل في مجموعها وثيقة إنقاذ وطني.

  1. إعادة تفعيل اتفاق الطائف وثوابت الميثاق

أكد اللقاء أن «الطائف» ليس مجرد نص دستوري لإدارة المحاصصة، بل هو وثيقة وفاق وطني تُحدد هوية لبنان العربية وانتماءه، وترفض أي شكل من أشكال التبعية أو التقسيم. وشدد على ضرورة تطبيق جميع بنوده غير المطبّقة لحماية الشراكة، ومنع محاولات التفرّد أو إعادة رسم التوازنات خارج نطاق الدستور.

  1. إقرار «استراتيجية الأمن الوطني» 

يُشكّل هذا العنوان النقطة المفصلية الأكثر أهمية وتطورًا في أدبيات اللقاء. إن المطالبة بإقرار استراتيجية للأمن الوطني، والتوافق عليها، ينقلان النقاش من خانة التباذل السياسي اليومي إلى مستوى التفكير الاستراتيجي الشامل:

تكامل أسباب القوة: ترتكز هذه الاستراتيجية على مأسسة مفهوم الدفاع والتكامل بين جميع مقومات القوة اللبنانية، ضمن رؤية موحدة تديرها الدولة وتصون مقدّراتها.

مواجهة التهديدات المركبة: لا تقتصر الاستراتيجية على البعد العسكري المباشر، بل تمتد لتشمل حماية الأمن الاقتصادي والسيبراني والمائي والغذائي، ومنع أي خرق خارجي يهدف إلى ابتزاز لبنان في سيادته.

  1. ترسيخ العداء لإسرائيل ورفض التطبيع

تم التأكيد على أن العداء للكيان الصهيوني ثابت وجودي وتاريخي، وليس خيارًا تكتيكيًا. ورُفضت كل المحاولات الناتجة عن ضغوط خفية أو ظاهرة للترويج لـ«مسارات السلام الدافئ» أو التطبيع التدريجي، باعتبار أن ذلك يمسّ في جوهره كرامة لبنان ووجوده وحقوقه التاريخية في أرضه وثرواته.

رابعًا: انتصار الإرادة الوطنية

تكمن الدلالة الأعمق لنجاح «اللقاء الوطني» في الظروف المالية والسياسية والعسكرية التي انعقد فيها؛ فهو لم يأتِ برعاية دولية، ولا بتمويل من «حقائب السفارات» التي طالما حرّكت المؤتمرات السياسية في لبنان.

الانحياز للوعي لا للتوجيه: أثبت الحضور أن الدافع كان القناعة الوطنية الصلبة والفكرة الراسخة، في لحظة تخلّت فيها أطراف كثيرة عن مسؤولياتها التاريخية.

إسقاط التضليل الإعلامي: وجّه اللقاء ضربة قاضية لخطاب بعض وسائل الإعلام التي حاولت، على مدى أشهر، إشاعة انطباع مفاده أن لبنان بات مهيّأ للاستسلام للخيارات الإسرائيلية والقبول بالشروط المذلّة.

خلاصة واستنتاج

إن «اللقاء الوطني»، بإقراره استراتيجية الأمن الوطني وتجديد تمسّكه باتفاق الطائف والتاريخ السياسي للبلاد، لم يكن مجرد حدث سياسي عابر، بل كان إعلانًا عن ميلاد جبهة وعي عريضة تثبت أن لبنان، رغم قسوة الظروف وشحّ الإمكانات، يمتلك حصانة ذاتية عصيّة على الكسر.

إنها رسالة قاطعة بأن خيارات هذا الوطن تُصنع في أروقة الإرادة الشعبية والسيادية، لا في غرف العمليات السوداء ولا في دهاليز التسويات المفروضة من الخارج.

إقرأ على موقع 180  عن شهور غزة الستة.. و"تفاهم نيسان الجديد"!

Print Friendly, PDF & Email
هشام الأعور

أكاديمي وكاتب سياسي لبناني

Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  أسعار النفط تتأرجح بين مد إيران وجزر كورونا