نفتالي بينيت.. تجديد اليمين الإسرائيلي لا تغييره

يعود نفتالي بينيت إلى المنافسة السياسية الإسرائيلية في ظروف مختلفة عن تلك التي غادر فيها رئاسة الحكومة عام 2022. فبعد هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، تراجعت الثقة بالمؤسسات السياسية والأمنية، واتسعت الخلافات حول إدارة الحروب وتجنيد الحريديم ومستقبل الدولة العبرية. في ظل هذا المناخ، يبحث جزء من الناخبين عن قيادة يمينية لا تنتمي إلى نموذج بنيامين نتنياهو، لكنها لا تتخلى عن الأولويات القومية والأمنية التي حكمت السياسة الإسرائيلية طويلًا.

يحاول نفتالي بينيت تقديم نفسه بوصفه بديلًا من داخل اليمين، لا خصمًا له. فهو يجمع بين خلفية عسكرية في وحدات النخبة، وثروة صنعها في قطاع التكنولوجيا، وتجربة سياسية خرجت من قلب الحركة الاستيطانية. ويعيد توظيف هذه العناصر لتقديم صورة يمين أكثر اعتمادًا على مؤسسات الدولة والكفاءة الإدارية، وأقل التصاقًا بالأحزاب الحريدية والتيارات الدينية المتطرفة.

وُلد بينيت في حيفا عام 1972 لأبوين يهوديين هاجرا من الولايات المتحدة، ونشأ في بيئة الصهيونية الدينية. وبعد خدمته العسكرية، انتقل إلى قطاع التكنولوجيا، وشارك في تأسيس شركة «سايوتا» المتخصصة في مكافحة الاحتيال الإلكتروني، التي بيعت عام 2005 مقابل 145 مليون دولار. غير أن دخوله السياسة أعاده إلى المجال الأيديولوجي الذي نشأ فيه؛ فقد عمل مديرًا لمكتب نتنياهو، ثم مديرًا عامًا لمجلس المستوطنات «يشع»، جامعًا بين الخبرة العسكرية والاقتصاد التكنولوجي والمشروع الاستيطاني.

لم يكن هذا الجمع مجرد تفصيل في سيرته، بل أساسًا لمشروعه السياسي. فعندما قاد حزب «البيت اليهودي»، ثم شارك في تأسيس «اليمين الجديد»، حاول تحديث خطاب اليمين الديني من دون التخلي عن مضمونه. خاطب الطبقة الوسطى والعلمانيين والعاملين في قطاع التكنولوجيا بلغة الإنتاجية والإدارة، إلى جانب الخطاب القومي والأمني. وبذلك سعى إلى تقديم الاستيطان لا بوصفه مشروعًا دينيًا فحسب، بل جزءًا من “رؤية وطنية واقتصادية إسرائيلية”.

لكن تحديث الخطاب لم يرافقه تحول جوهري في موقفه من القضية الفلسطينية. فقد ظل بينيت رافضًا لإقامة دولة فلسطينية، ودافع عن ضم المنطقة «ج» من الضفة الغربية، التي تشكل نحو 60% من مساحتها، مع إبقاء الفلسطينيين في المنطقتين «أ» و«ب» ضمن حكم ذاتي محدود. ويعني هذا التصور احتفاظ إسرائيل بالسيطرة على معظم الأرض، وحرمان الفلسطينيين من السيادة السياسية الكاملة.

وعندما تولى رئاسة الحكومة عام 2021، حالت طبيعة ائتلافه المتناقض من دون تطبيق برنامجه كاملًا. فقد ضم أحزابًا من اليمين والوسط واليسار، إلى جانب «القائمة العربية الموحدة» بقيادة منصور عباس. ومع ذلك، لم يتجه إلى تسوية سياسية، بل تبنى مقاربة «تقليص الصراع»: تحسين بعض الظروف المدنية والاقتصادية للفلسطينيين، مع تجنب معالجة مسألة الاحتلال أو فتح مسار يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة. وقد أعلن يومها أن حكومته لن تضم أراضي من الضفة الغربية، لكنها لن تسمح أيضًا بقيام دولة فلسطينية.

بعد انهيار حكومته في صيف 2022 وعودة نتنياهو إلى السلطة قبل نهاية السنة نفسها، ابتعد بينيت عن العمل السياسي المباشر. لكن تداعيات هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر وأزمة الثقة بالقيادة الإسرائيلية أعادتا اسمه إلى الواجهة. وانتقد أداء حكومة نتنياهو، ودعا إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة والجيش، وإجراء تحقيق رسمي في الإخفاقات التي سبقت الهجوم، مقدمًا نفسه كقائد قادر على الجمع بين الحزم الأمني والانضباط المؤسسي.

وفي نيسان/أبريل 2026، تحولت عودته إلى مشروع انتخابي واضح، بإعلانه التحالف مع يائير لابيد ضمن قائمة «معًا» (بيَحَد)، التي يتصدرها بينيت، فيما يحتل لابيد المرتبة الثانية. ويجمع التحالف بين يمين بينيت القومي ووسط لابيد المدني، على قاعدة إنهاء حكم نتنياهو واستعادة الثقة بالمؤسسات. وفي الوقت نفسه، يكشف صعوبة بناء بديل انتخابي قادر على المنافسة من داخل معسكر واحد.

غير أن التحالف لم يحافظ على الزخم الذي رافق ولادته. فبعد استطلاعات أولية منحته نحو 26 مقعدًا، تراجعت توقعاته عشية انتخابات 27 تشرين الأول/أكتوبر إلى نحو 12 أو 15 مقعدًا في عدد من الاستطلاعات، بينما تقدم عليه حزب «يَشار» بقيادة رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت. وهكذا، وجد بينيت نفسه ينافس نتنياهو على تمثيل اليمين، وآيزنكوت على قيادة البديل السياسي، في مشهد تتوزع فيه المعارضة على أكثر من مركز قوة.

وتقوم عودته على إعادة رسم الحدود داخل اليمين الإسرائيلي، لا على التخلي عن مشروعه الاستيطاني. ففي حزيران/يونيو 2026، أعلن تأييده البناء الاستيطاني الذي يعدّه قانونيًا بموجب التشريعات الإسرائيلية، مقابل إزالة البؤر غير المرخصة والمقامة على أراضٍ فلسطينية خاصة. وفي تشرين الأول/أكتوبر، جدد تحالفه رفض إقامة دولة فلسطينية أو التنازل عن أراضٍ، مع التمسك بتوسيع الاستيطان وفق القانون الإسرائيلي، الذي لا يغيّر الطبيعة غير القانونية للمستوطنات في الأراضي المحتلة بموجب القانون الدولي.

وهنا تكمن المفارقة: بينيت لا يعارض الاستيطان، بل يريد إخضاعه لمنطق الدولة ومؤسساتها؛ ولا يتراجع عن الضم، بل يربطه بحسابات التوقيت والإدارة. إنه يحاول الفصل بين اليمين القومي والفوضى السياسية التي ينسبها إلى نتنياهو وحلفائه، من دون مراجعة الأسس التي يقوم عليها المشروع الاستيطاني نفسه.

وتظهر حدود هذا الانفتاح أيضًا في موقفه من الأحزاب العربية. فبعد مشاركتها في ائتلافه عام 2021، بات يرفض الاعتماد عليها لتشكيل الحكومة المقبلة، متمسكًا بحكومة تستند إلى الأحزاب الصهيونية. ويزيد هذا الشرط صعوبة بناء غالبية برلمانية من 61 مقعدًا، في ظل استطلاعات لا تمنح أيًا من المعسكرين أكثرية مضمونة.

إقرأ على موقع 180  "عقيدة هوكشتاين" أو سيرة جندي في جيش إسرائيل!

ولا يقتصر التشابه بين بينيت وخصومه اليمينيين على المسألة الفلسطينية. ففي قضايا الأمن الإقليمي، يتمسك بمقاربة عسكرية متشددة تجاه إيران و«حماس» و”حزب الله”، ويرى أن استخدام القوة يظل أداة مركزية لحماية المصالح الإسرائيلية. أما اختلافه مع نتنياهو، فيتركز على إدارة القرار، والمسؤولية السياسية عن الإخفاقات، وعلاقة الحكومة بالمؤسسات العسكرية والقضائية، أكثر مما يتعلق بتغيير العقيدة الأمنية.

في الخلاصة، عودة نفتالي بينيت تعبّر عن محاولة لإعادة تسويق اليمين الإسرائيلي عبر شخصية تجمع الخبرة العسكرية والنجاح الاقتصادي واللغة الإدارية الحديثة. فهو يراهن على ناخب يريد التخلص من نتنياهو من دون مغادرة اليمين، وعلى دولة أكثر كفاءة وأقل خضوعًا للمساومات الدينية والحزبية. لكن الفارق بين تغيير القيادة وتغيير السياسة يبقى جوهريًا؛ إذ قد يصبح اليمين الذي يمثله أقل صخبًا وأكثر مؤسساتية، من دون أن يتخلى عن توسيع السيطرة الإسرائيلية أو رفض السيادة الفلسطينية. وفي ذلك تتجلى حدود التغيير الذي يعرضه بينيت: تحديث أدوات الحكم، لا مراجعة المشروع السياسي الذي يحكمها.

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

كاتب وباحث لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  حادثة التنف.. لا أحد يخوض معارك أميركا بعد اليوم!