من يملك العقدة يحكم اللحظة: القوة والسيادة في العالم الشبكي (2/2)

لم يعد السؤال المطروح على النظام الدولي هو أيّ قوة ستخلف الولايات المتحدة في قيادة العالم، أو ما إذا كانت الصين وروسيا ستنجحان في إقامة نظام متعدد الأقطاب. فكما بيّنا في القسم الأول من هذا الفصل، يبدو أن العالم دخل مرحلة تتجاوز مفهوم الانتقال التقليدي بين نظامين مستقرين، إلى حالة من «استدامة الانتقال»، حيث يصبح عدم الاكتمال سمة بنيوية لا ظرفاً عابراً. لكن إذا كانت هذه هي طبيعة النظام العالمي الناشئ، فكيف تُنتَج القوة داخله، ومن يملك القدرة على التأثير في مساراته؟ هنا ينتقل البحث من سؤال شكل النظام إلى سؤال آليات اشتغاله، ومن موازين القوى بين الدول إلى الشبكات والعُقد الاستراتيجية وهندسة الاعتماد والسيادة المتشظية.

هذا يقودنا إلى مشكلة أخرى تضاف إلى مشكلة عدم التعيين البنيوية في النظام العالمي. فالنقاش السائد ما يزال يدور -غالباً- حول واحد من الأسئلة التالية:

-هل انتهى العالم الأحادي القطبية؟

-هل أصبح العالم ثنائي القطبية؟

-أم أصبح متعدد الأقطاب؟

لكن هذه الأسئلة تفترض أن العالم ما يزال عالماً من الأقطاب.

وقد يكون هذا الافتراض السائد نفسه هو المشكلة. فنحن ربما لا ننتقل: من أحادية القطبية إلى تعددية القطبية.

بل ننتقل:

من عالم الأقطاب إلى عالم الشبكات والعقد والمراكز. ونعني بالمراكز هنا أماكن تمركز المصالح والفعاليات الاقتصادية الكبرى المحورية وهي ما يتجاوز الأقطاب ولا تتطابق معها بالضرورة.

فالقطب كتلة كبيرة نسبياً يمكن تحديدها. أما المركز فهو قدرة على التأثير التي قد تظهر في قضية معينة ولا تظهر في قضية أخرى، وفي مكان معين، وفي زمن معين وليس في كل زمان، ثم تنتقل إلى مكان آخر.

هذا ما قد يعني أمراً أكثر أهمية في عالم توزع القوى وفوضى القوى:

أن مراكز العالم نفسه أصبحت متغيرة بحسب القضية، وعقدة القضية، والزمان والمكان.

أي أننا لم نعد أمام مركز بمعنى قطب عالمي واحد، ولا حتى أمام مجموعة ثابتة من الأقطاب-المراكز.

بل نحن أمام: “مراكز منزاحة ومتبدلة” (Shifting Centers).

فمركز القوة في الطاقة ليس بالضرورة مركزها في الذكاء الاصطناعي. ومركز القوة في أشباه الموصلات ليس مركزها في الممرات البحرية. ومركز القوة المالية ليس بالضرورة مركزها في مركز تدفق البيانات الاستراتيجية. ومركز التأثير في حرب معينة بعينها قد لا يكون هو نفسه مركز التأثير في حرب أخرى أو في التجارة العالمية. وكل ما سبق له قوله ويستطيع أن يقول لا.

ومن هنا فقد تغير السؤال الاستراتيجي من:

مَن يمتلك القوة؟

إلى:

أين تتمركز القدرات المتعددة، أو حتى المتشظية، على التأثير في هذه القضية تحديداً، وفي هذه اللحظة تحديداً وفي هذا الصراع بعينه؟ وأين تتموضع قوة العقدة في مراكز القوة العالمية، بدلاً من قوة الكتلة.

هندسة الاعتماد

في النظام التقليدي كانت القوة ترتبط إلى حد بعيد بحجم الكتلة: السكان، الأرض، الجيش، الأسلحة التقليدية وغير التقليدية، القدرات اللوجستية، الاقتصاد، الصناعة. أما في العالم الشبكي فقد تظهر قوة مختلفة مثل:

قوة العقدة، حيث أن فاعلاً أصغر قد يمتلك قدرة استراتيجية كبيرة؛ لأنه يحتل موقعاً لا يمكن تجاوزه بسهولة داخل شبكة أكبر.

ويظهر ذلك بصورة شديدة الوضوح في المضائق البحرية وسلاسل الإمداد.

هنا تظهر قوة «العقدة»: مساحة جغرافية صغيرة نسبياً تستطيع التأثير في منظومات طاقة ونقل وأسعار تمتد عبر العالم. وهذه واحدة من أهم خصائص العالم الشبكي. والموضوع لا يتلخص بأن هذه العقدة ستستمر أو لا تستمر لأنها تعرقل جزءا مهما من النظام العالمي والاقتصاد العالمي.

هنا يحيلنا الموقف إلى مفهوم جديد وهو: هندسة الاعتماد

إن العقدة لا تكتسب قوتها من ذاتها فقط. إنها تكتسبها من الاعتماد الذي يمر عبرها.

ومن هنا يصبح بناء الاعتماد نفسه فعلاً استراتيجياً. وليس فعلا مرذولاً؛ لأنه من طبيعة الأشياء! وهنا يمكن تسمية ذلك: هندسة الاعتماد. من حيث لا يكون مجرد تبعية عمياء!

فالقوة في تعريف العالم الشبكي ليست فقط في امتلاك المورد، وإنما في جعل الآخرين يعتمدون على شبكة أو تقنية أو منصة أو ممر أو بنية تحتية يصعب تجاوزها. وفي مثل هذا العالم تتغير السيادة أيضاً.

فالسيادة التقليدية كانت مرتبطة بالأرض والدولة والحدود. وكانت تفترض السيادة المطلقة! ولكن ذلك لم يكن أكثر من توق ورغبة مثالية.

فالدولة قد تعتمد في وظائف استراتيجية على أقمار صناعية لا تملكها، أو رقائق إلكترونية بالأساس هي لا تنتجها، أو تتعاون مع منصات معلوماتية عابرة للحدود، أو شبكات مالية عالمية، أو شركات تكنولوجية خاصة؟

هنا لن نقول إن الدولة تختفي من حيث السيادة. لكن مفهوم السيادة يتغير ويصبح أكثر واقعية فهي بدورها تصبح موزعة على طبقات.

وقد تصل إلى أن تصبح ضرباً من السيادة المتشظية إذا زاد الاعتماد عن الحد المقبول! ويبقى التحدي هنا هو تقليل الاعتماد ولا يمكن الوصول إلى إلغائه.

فقد تكون الدولة ذات سيادة جغرافية كاملة، لكنها محدودة في السيادة التكنولوجية. وقد تمتلك استقلالاً عسكرياً نسبيا، لكنها تعتمد في بعض المفاصل اللوجستية.

وقد تملك القرار السياسي، لكنها تعتمد معلوماتياً على بنى لا تسيطر عليها بالكامل وخاصة في المجال الاستخباراتي.

نلاحظ تفاعل مصطلح مع الوضع العالمي الجديد: الفاعل بلا كتلة

والأمر نفسه ينطبق على مفهوم الفاعل نفسه. ففي العالم التقليدي كان السؤال: من فعل ذلك؟ وكان الأمر ينتهي غالباً عند دولة أو جيش أو منظمة.

أما في العالم الشبكي فقد تتشكل النتيجة من تفاعل عدد كبير من العوامل.

وهنا يظهر ما أسميناه: الفاعل بلا كتلة

أي أن التأثير قد يكون موجوداً من دون أن نستطيع اختزاله بسهولة في فاعل مركزي واحد متجسد. مما يضعف عملية تبلور نظام عالمي يقوم على الأقطاب.

من التفسير إلى التفهّم

وهنا يصبح منهج التفهّم ضرورياً لفهم النظام العالمي القادم. بحيث نتعامل مع الظاهرة كما تتبدى، ونقرأ العلاقات والتفاعلات والتغذية الراجعة والتحولات والانبثاقات التي تتكون داخلها.

وهذا يقودنا إلى الانتقال: من السببية الخطية التي كانت تميز العالم بعد الحرب العالمية الثانية إلى فهم الانبثاق المستمر في مفاعيل القوة الموزعة في مفاصل عديدة من العالم ليست كلها تابعة أو موجودة لدى دولة عظمى أو تلك.

وإذا كانت البيئة نفسها لا تستقر، فمن الصعب أن تبقى الاستراتيجية خطة مغلقة صممت في البداية ثم نفذت حتى النهاية. وهذا ما ينطبق على أي نظام عالميا لاحق.

وهنا تظهر فكرة الاستراتيجية المنبثقة التي تتشكل أثناء الفعل. وهذا ما يعني أن الدول العظمى لا تستطيع أن تزعم أنها تدير العالم وفق استراتيجيات مسبقة، بل إنها تتداخل مع استراتيجيات الدول ومؤسسات ومنظمات لا سلطة عليها بالفعل بالضرورة.

وتظهر في السياق نفسه لفهم مآل تخلخل النظام العالمي الحالي والمستقبلي أهمية مفهوم:

اللاتسلسلية أو الهرميات المتقاطعة.

فالعالم الحالي والقادم ليس بلا هرمية. لكنه لم يعد خاضعاً لهرم واحد؛ إنه عالم تتقاطع فيه هرميات متعددة، وقد يتقدم فاعل داخل إحداها ويتراجع داخل أخرى.

إقرأ على موقع 180  الموقع الإقليمي لدولة "طالبان".. مع "الحمر" أم "الأنكل سام"؟

ومن هنا لا يمكن ترتيب العالم كله في سياق أحادي التعيين للقوة.

ومن اجتماع كل ما سبق تنشأ الحاجة إلى الانتقال:

من الاستراتيجية الخطية إلى استراتيجية التشابك في التعقيد.

فلم يعد الاستراتيجي يتحرك على رقعة شطرنج فقط، لأن رقعة الشطرنج ثابتة الهوية والموقع والقواعد، لكن في العالم الجديد، فإن الرقعة قد تتحول إلى عقدة، والعقدة إلى شبكة، والشبكة إلى فاعل، والفاعل إلى وسيط، والحليف في قضية قد يصبح منافساً في قضية أخرى.

أي أن الجميع لا يلعبون داخل شبكة ثابتة.

فالشبكة نفسها تتغير أثناء اللعب.

وهذه هي المشكلة التي تجعل كثيراً من النماذج الاستراتيجية التقليدية أقل قدرة على فهم عالم اليوم.

العالم الذي تتغير فيه قيمة العقدة

والأكثر أهمية أن العقدة الاستراتيجية نفسها ليست ثابتة القيمة.

قد تكون دولة صغيرة هامشية في قضية، ثم تصبح مركزية في قضية أخرى.

وقد يكون مضيق بحري مجرد ممر في الظروف الطبيعية، ثم يتحول في الأزمة إلى عقدة ذات تأثير عالمي.

وقد تصبح شركة تكنولوجية خاصة ذات تأثير في صراع جيوسياسي لم تكن طرفاً تقليدياً فيه.

وهذا يقود إلى مبدأ:

القوة في العالم الشبكي ليست خاصية ثابتة للفاعل؛ إنها علاقة بين الفاعل والعقدة والقضية والزمن.

وبالتالي يمكن التعبير عنها بصورة أولية:

القوة الاستراتيجية = القدرة × الموقع الشبكي × حساسية العقدة × الزمن.

وهذه صيغة تفسيرية أولية، وليست معادلة كمية مثبتة؛ إذ يتطلب استخدامها الحسابي تعريف المتغيرات ووحدات قياسها.

ومن هنا يمكن أن تتفوق قدرة فاعل صغير في لحظة معينة على قدرة فاعل أكبر منه كثيراً.

ليس لأنه أصبح أقوى منه بصورة مطلقة، بل لأن موقعه داخل شبكة القضية أصبح أكثر تأثيراً.

الوهم القطبي

وهنا يمكن العودة إلى السؤال التقليدي الكبير:

هل سيصبح العالم ثنائي القطبية بين الولايات المتحدة والصين؟

أم متعدد الأقطاب؟

ربما السؤال نفسه من بقايا النظام المعرفي القديم.

فوجود قوتين عظيمتين لا يعني بالضرورة وجود نظام ثنائي القطبية.

ووجود عدة قوى كبيرة لا يعني بالضرورة قيام نظام متعدد الأقطاب؛لأن القطبية لا تتعلق بعدد القوى الكبيرة فقط، بل بقدرتها على تنظيم بقية النظام حولها. وفي العالم الشبكي قد تبقى القوى الكبرى بالغة التأثير، لكن قدرتها تمر عبر شبكات ومراكز وعقد لا تسيطر عليها منفردة.

ومن هنا قد يظهر ما يمكن تسميته:

الوهم القطبي

أي الاعتقاد بأن رؤية دولتين أو عدة دول ضخمة تكفي للاستنتاج أن النظام نفسه ثنائي أو متعدد الأقطاب.

إننا نخلط هنا بين: وجود القوى الكبرى وشكل النظام العالمي. وهما ليسا شيئاً واحداً.

لهذا كله، ربما لا يكون النظام العالمي القادم نظاماً بالمعنى الذي عرفناه. فلن تكون المسألة بالضرورة: من سيحكم العالم؟

بل: كيف ستتوزع القدرة على التأثير داخل شبكات العالم؟

ولن يكون السؤال:

أين يقع مركز النظام العالمي؟

بل:

أين يوجد مركز التأثير في هذه القضية، وفي هذه اللحظة؟

ولن يكون السؤال دائماً:

من هو الفاعل؟ بل:

من أي شبكة انبثق الفعل وفي أي عقدة للقوة يفعل؟

ولن يكون السؤال:

متى تنتهي المرحلة الانتقالية؟

بل:

ماذا لو كانت استدامة الانتقال هي النظام ذاته؟

عندئذ يمكن أن نضع ملامح النموذج الذي نقترحه:

نظام عالمي رمادي، متعدد المراكز، لاتسلسلي، شبكي، منبثق، سريع التحول، مضغوط الزمن، متغير العقد، مفكك السيادة، لا يستقر في صورة نهائية، ولا يستطيع مركز واحد أن يحتوي جميع شبكاته. ليس عالماً بلا قوى كبرى. وليس عالماً بلا نظام.

عالم تتغير فيه معاني القوة، وتغير فيه معنى المركز، وتغير فيه معنى السيادة، وتغير فيه معنى الفاعل، وتغير فيه حتى معنى النظام.

ولهذا فإن الخطأ قد يكون في انتظار لحظة يقال عندها:

لقد انتهى الانتقال، وولد النظام العالمي الجديد.

فقد لا تأتي هذه اللحظة! لأن النظام العالمي القادم قد يكون تحديداً نظاماً لا يكتمل تشكله.

وكلما اقترب من التبلور، ولّد من داخله علاقات وعقداً وقوى وانبثاقات تعيد تشكيله مرة أخرى.

ومن هنا يمكن تكثيف أطروحتنا في:

العالم القادم ليس نظاماً ينتظر أن يتشكل؛ إن عملية التشكل المستمر نفسها قد أصبحت هي النظام.

وإذا صح ذلك، فإننا لا نعيش بين نظام عالمي قديم وآخر جديد.

نحن نعيش للمرة الأولى تقريباً أمام نظام عالمي قد تكون خاصيته الأساسية أنه يبقى قيد التشكّل.

وهذا هو: النظام العالمي الرمادي. نظام استدامة الانتقال والانبثاق الذي لا يتوقف. عالم من السيولة في التشكل يمكن استحضار الإنتروبيا استعارةً لتصوير تحوّلاته، لا قانوناً يحكمه حرفياً.

النظام العالمي كسرب؟

العالم يتحرك تدريجياً إلى بنية لا تكون فيها «الأقطاب» هي الوحدة الأفضل للتحليل أصلاً؟

لقد قلنا إن العالم قد لا ينتقل من:

نظام ففوضى ثم إلى نظام جديد.

بل أصبح في حالة:

تشكّل مستمر وانبثاق لا يتوقف.

والآن يمكن إضافة طبقة أخرى:

قد لا يكون النظام العالمي القادم مجرد شبكة.

قد يمتلك في بعض المجالات خصائص سربية.

أي أن بنيته الكلية قد تتغير بفعل تفاعلات محلية متزامنة بين آلاف الفاعلين:

دول، شركات، منصات، أسواق، مدن، مؤسسات مالية، شبكات تقنية، جماعات، أفراد، أنظمة AI، وسلاسل توريد. ولا يمتلك أي منها منفرداً السيطرة الكاملة على الصورة النهائية.

في النظام القديم كان الفاعلون يختلفون حول ما ينبغي أن يكون عليه النظام العالمي.

أما في العالم الجديد، فقد يصبح السؤال:

هل يستطيع أي فاعل أصلاً أن يعرف الشكل الذي سينبثق؟

لأن النظام لا يُبنى بالكامل من أعلى.

بل ينشأ أيضاً من الأسفل، ومن الأطراف، ومن العلاقات، ومن التفاعلات التي لم تكن مقصودة.

وهذا يفسر لماذا قد تصبح فكرة «النظام العالمي قيد التشكّل» أدق من عبارة «النظام العالمي الجديد».

فمفردة «الجديد» تُوحي بأن هناك شكلاً سيصل. أما قيد التشكّل فتعني أن التشكّل نفسه قد يصبح حالة دائمة.

(*) فصل من كتاب «كيف تغيّرت السياسة» — قيد الإعداد. راجع باقي مقالات الكاتب في موقع 180 بوست

Print Friendly, PDF & Email
عماد فوزي شُعيبي

كاتب وباحث عربي

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  حروب أميركا المستقبلية.. لها مُسيّراتها البحرية!