السيد حسن نصرالله ونظام الردع اللامتماثل.. البنية، التكيّف والإسناد (2/1)

تخلص هذه الدراسة إلى أنّ نموذج الردع الذي طوّره حزب الله في عهد السيد حسن نصرالله لم يقم على مضاهاة القوة الإسرائيلية، بل على جعل استخدامها أكثر كلفة وأقل قابلية للتحول إلى حسم سياسي.

تُعبّر الدراسة عن جوهر هذا النموذج بمفهوم “التكافؤ الجزئي في الهشاشة”، فتبقى “إسرائيل” أكثر قدرة على التدمير، لكن الردع يتحقق إذا ضمنت المقاومة بقاء قدرتها على الرد وتهديد الجبهة الداخلية والأصول الحيوية وإطالة أمد الحرب بما يخفض جدواها السياسية.

وتبيّن الدراسة أنّ هذا النموذج تطوّر تدريجيًا منذ تسعينيات القرن الماضي، من ردع محدود يربط الاعتداء على المدنيين بالرد على المستوطنات، إلى منظومة أكثر تكاملًا بعد حرب 2006. وقد ضمّت هذه المنظومة طبقات مترابطة تشمل منع الحسم، العقاب، الدفاع، قواعد اللعبة، الاتصال الاستراتيجي، الغموض المعاير، القدرات الهجومية النوعية، الصواريخ الدقيقة، والعمق الإقليمي وهو محوري في هذه المنظومة.

غير أنّ الدراسة تؤكد أن الردع علاقة ديناميكية لا إنجازًا ثابتًا. فالهدوء الذي أنتجه الردع أتاح للطرفين التعلم، بينما طوّرت إسرائيل استراتيجية مضادة استهدفت شروط النموذج نفسه: تقليص هشاشة جبهتها الداخلية، وإبطاء بناء قوة الحزب، وتحسين الاستخبارات والاستهداف المنظومي، واستهداف القيادة والسيطرة والاتصالات والقدرة القابلة للاستخدام.

وتخلص الدراسة إلى أن حرب 2024 كشفت تآكل بعض شروط الردع وانتقال قدر أكبر من المبادرة في التصعيد إلى إسرائيل، من دون أن يعني ذلك حسمًا سياسيًا نهائيًا. فالردع اللامتماثل يحتاج إلى مراجعة دائمة لافتراضاته، لأن التعلم والتكنولوجيا والتكيف المضاد يمكن أن تجعل معادلات ناجحة في مرحلة سابقة أقل فاعلية في مرحلة لاحقة.

مقدمة

يمثل الصراع العسكري بين حزب الله وكيان العدو الإسرائيلي حالة مركزية لدراسة الردع اللامتماثل بين دولة متفوقة عسكرياً وفاعل مسلح تطور إلى قوة عسكرية- سياسية هجينة ذات قدرات شبه تقليدية وعمق إقليمي. تكمن مفارقة الحالة في أن حزب الله لم يحتج إلى معادلة القوة الإسرائيلية كي يقيّد بعض أشكال استخدامها؛ بل بنى، في عهد أمينه العام الشهيد السيد حسن نصرالله، نظامًا للردع هدفه جعل الحرب على لبنان أكثر كلفة وأقل قابلية للحسم والتحويل إلى مكسب سياسي استراتيجي.

تقوم الحجة الأساسية لهذه الدراسة على مفهوم «التكافؤ الجزئي في الهشاشة»: تستطيع “إسرائيل” أن تلحق بلبنان والحزب دماراً يفوق بكثير ما يستطيع الحزب إلحاقه بها، لكن الردع يتحقق إذا اقتنع صانع القرار الإسرائيلي بأن الضربة الأولى لن تنهي القدرة على الرد، وأن الجبهة الداخلية والأصول الاستراتيجية ستبقى تحت التهديد، وأن المناورة البرية قد تتحول إلى استنزاف، وأن العائد السياسي للحرب قد لا يُبرّر كلفتها. وعليه تسأل الدراسة: ما بنية نموذج الردع اللامتماثل الذي طوّره السيد نصرالله، وكيف تشكّل بمرور الوقت، وكيف اختُبرت فاعليته ولا سيما بعد حرب 2006 وحتى 2024؟

منهجياً، تميز الدراسة بين ثلاثة مستويات من الأدلة: خطاب السيد نصرالله لإثبات وجود الفكرة في تصوره؛ سلوك الحزب بوصفه مؤشراً على وظيفة ردعية قد لا تُشرح علناً؛ والقراءة الإسرائيلية لخطاب الحزب وسلوكه، لأنها تكشف كيف استقبل الطرف المستهدف الرسائل، وهو عنصر جوهري في أي علاقة ردع.

كما تستند الدراسة إلى أدبيات الردع والإكراه، ودراسات مؤيدة للمقاومة وأخرى إسرائيلية وغربية تناولت حزب الله وصراعه مع “إسرائيل” وسباق التعلم والتكيف المتبادل بينهما.

تجادل الدراسة بأن نموذج السيد نصرالله للردع كان منظومة تجمع الردع بالمنع والعقاب، والاستنزاف، وإنشاء قواعد اللعبة، والاتصال الاستراتيجي، والكشف المعاير، والقدرة الهجومية المحدودة، والعمق الإقليمي. وقد أصبح هذا النموذج بعد حرب 2006 أكثر نسقية واتساعاً، لكنه أنتج في الوقت نفسه حوافز إسرائيلية متزايدة لفهم شروطه وتقويضها.

لذلك، تُقرأ نتائج الحرب الإسرائيلية على لبنان وحزب الله منذ العام 2024 بوصفها نتيجة سباق طويل في التعلم والتكيف المضاد، بلغ مرحلة استعادت فيها “إسرائيل” قدراً أكبر من المبادرة والهيمنة على التصعيد. وثمَّة إشارة أخيرة، وهي أننا حينما نتحدث عن نموذج السيد نصرالله للردع فإن القصد هو نموذج حزب الله للردع الذي تبلور بظل القيادة والإدارة المباشرة للسيد الشهيد.

1. الإطار المفاهيمي والتاريخي

1.1 الردع اللامتماثل

يستند تحليل نموذج حزب الله للردع إلى عدة عناصر، أولها التمييز الكلاسيكي بين الردع بالعقاب والردع بالمنع. فالعقاب، كما صاغه غلين سنايدر، يقوم على إقناع الخصم بأن الفعل سيعرّضه لكلفة لاحقة تفوق منافعه، بينما يقوم المنع على خفض ثقته بإمكان تحقيق غايته أصلاً[1]. يجمع نموذج السيد نصرالله الوظيفتين، فالصواريخ وتهديد مدن العدو ومنشآته الحيوية يوفران قدرة عقابية، فيما يعمل التحصين والانتشار والتخفي واللامركزية واستمرار القيادة والنيران وحرب العصابات والتعبئة المجتمعية على جعل الحسم الإسرائيلي السريع أقل احتمالاً. غير أن نقل هذا التمييز إلى فاعل غير دولتي يكشف مشكلة إضافية وهي أن حزب الله لا يملك أصول دولة مكافئة يمكن تهديدها بالمثل كما أنه هو لا يمتلك قدرات نارية مماثلة للقدرات الإسرائيلية. لذلك لا يكون المطلوب هو تماثل الضرر، بل ضمان قدرة الأضعف على إلحاق الضرر بأصول يقدّرها الطرف الأقوى، بما ينتج «هشاشة متبادلة غير متكافئة». وهكذا يصبح الأمر مرتبطًا بالألم المتخيل أكثر من كونه مرتبطًا بالضرر.

ويضيف توماس شيلينغ التمييز بين الردع والإرغام أو الإكراه (compellence): الردع يمنع فعلاً لم يبدأ، فيما يسعى الإرغام إلى دفع الخصم إلى فعل شيء أو وقف سلوك قائم[2]. وتفيد هذه التفرقة في فهم انتقال بعض ممارسات الحزب، ولا سيما في أزمة الترسيم البحري وحقل كاريش 2022، من مجرد منع الحرب إلى استخدام التهديد بالقوة للتأثير في تفاوض وقرار اقتصادي قائم. كما أن القتال اليومي خلال 2023–2024 يقع في منطقة تداخل بين الردع والإكراه، حيث يستخدم الطرفان القوة مع محاولة إبقاء التصعيد دون الحرب القصوى.

أما جورج وسموك فيلفتان فيرى أن المصداقية والقدرة تُبنيان عبر اختبارات متكررة لا عبر تهديد واحد، وهو ما يفسر نشوء «قواعد اللعبة» والخطوط الحمراء بالتراكم[3]. ويذهب جيرفيس إلى أن الردع يتوقف على كيفية تفسير الخصم للإشارة لا بناءً على نية مرسلها وحدها؛ لذلك يمكن أن يفشل الردع بسبب اختلاف الصور الذهنية حتى مع توافر القدرة والعزم[4]. وهذا مهم لفهم سوء التواصل الذي سبق حرب 2006.

تقع حالة حزب الله كذلك في قلب «الموجة الرابعة» في دراسات الردع التي سعت، كما يوضح كنوبف، إلى توسيع النظرية كي تشمل الفاعلين من دون الدولة والتهديدات غير المتناظرة[5]. فالحزب أكثر تموضعاً ومأسسةً من التنظيمات الشعبية وفي الوقت ذاته أقل تماثلاً مع نموذج الدولة. لذلك أعاد تركيب الردع حول البقاء التنظيمي، والشرعية الاجتماعية، والسمعة، والاتصال الاستراتيجي، والقدرة على تهديد وظائف استراتيجية محددة لدى العدو. وتفيد أعمال ويلنر وبايمان وواكسمان في إبراز أن الضغط على فاعل غير دولتي يمكن أن يستهدف أيضاً شرعيته وقاعدة قوته وقيادته وبيئته السياسية (أي منظومته)، لا قدراته العسكرية وحدها.

وأخيراً، يرتبط الردع بالتعلّم. يوضح ماركوس أن الصراع بين “إسرائيل” وحزب الله هو تاريخ من التكيف والتكيف المضاد[6]. كل تعديل/ تحسين عسكري يرفع حظوظ البقاء أو يعيق الحسم لدى العدو أو يعزز قدرة العقاب قد يقوي الردع، بينما يسعى الخصم إلى خفض هذه القيمة. ويصحح آفي كوبر الفرضية المبسطة عن عجز المجتمع الإسرائيلي عن تحمّل الاستنزاف: الزمن يصبح مورداً ردعياً فقط عندما تتراكم كلفه في الفعالية العملياتية والصمود المجتمعي والاقتصاد والشرعية وإدارة التصعيد[7]. وبذلك تصبح علاقة الردع ديناميكية: منع الحسم من قبل حركات المقاومة يخلق الزمن (الهدوء لبناء القدرات)، والزمن قد يخفض نسبة العائد إلى الكلفة في حسابات صانع القرار الإسرائيلي، لكنه قد يتحوّل إلى مورد للعدو إذا استطاع تحقيق قفزات نوعية في حماية جبهته الداخلية ورفع فعاليته العملياتية.

1.2 تشكّل النموذج الردعي لحزب الله حتى 2006

يرى السيد نصرالله في مقابلة مع قناة “الميادين” (25 تموز/يوليو 2022) أن بدايات الردع تعود للعام عام 1984-1985 عندما اضطُرّ العدو الإسرائيلي مُبكّراً إلى الانسحاب من كثير من المناطق التي احتلّها بعد أن وصل إلى بيروت، “بدأ الردع، عندما أدرك العدو الإسرائيلي أنه لا يستطيع أن يدخل إلى أرض لبنانية ويبقى فيها، خلاص فكرة الاحتلال أخرجها من رأسه”. المرحلة الثانية في الردع بدأت، بحسب السيد، عندما كان العدو الإسرائيلي يحاول، بعد عام 85 تنفيذ عمليات توغل برية تجاه القرى الأمامية وصار يتعرض لمقاومة شرسة ويتكبد خسائر كما في ميدون. “هنا أيضاً بات عنده ردع، كيٌّ في وعيه، أن إمكانية تقدّم الاحتلال إلى بلدات جديدة ومناطق جديدة في الأراضي اللبنانية هذا غير مُتاح”. المرحلة الثالثة هي في معركة 1993 التي أنتجت تفاهم تموز الشفهي، “الجنتلمان” لحماية المدنيين.[8] يشرح السيد الشهيد:

“الأمر بدأ في 1992 .. كنا في تشييع (السيد عباس الموسوي) في النبي شيت وحصلت مواجهة في كفرا وياطر وكانت عنيفة جداً، فقام العدو بقصف القرى والبلدات كالمعتاد وكانت المرة الأولى التي تقوم بها المقاومة الإسلامية بقصف المستعمرات بالكاتيوشا ردّاً على استهداف القرى والبلدات اللبنانية. هذا الأمر تطوّر من 1992 إلى تموز/يوليو 1993 لأنه أخذ وقته، ففي مواجهة 1993 وصلنا إلى تفاهم يقول لكي يتم تجنيب المستعمرات قصف الكاتيوشا على العدو أن يتوقّف عن قصف الأهداف المدنية في لبنان وكانت نتيجة جيّدة، يعني من 93 لـ96 حصل ردع عال، وحصلت بعض الخروقات”.

المرحلة الرابعة هي تفاهم نيسان 1996. هنا يشرح السيد نصرالله لماذا تفاهم نيسان:

“لأنه ثبّت تفاهم تموز (1993) خطّياً وأنشأ له لجنة مراقبة. إلى أن وصلنا إلى الألفين، أنا دائماً أقول تفاهم نيسان 1996 أسّس لانتصار عام ألفين”.

المرحلة الخامسة هي عام 2000 حيث تكرست أمور ثلاثة. هنا يشرح السيد:

“واحد أنت لا يمكن أن تجتاح كما كنت تفعل في السابق. ثانياً لا يمكنك أن تتقدّم حتى إلى داخل القرى من دون مواجهة ومقاومة، لا يعني أنه لا يتقدّم، في حرب تموز عاد ودخل إلى مارون الراس ولكن بعد معارك عنيفة. ثالثاً لا تستطيع أن تقصف أهدافاً مدنية في لبنان من دون أن تلقى الرد على المستعمرات وأهداف مشابهة في شمال فلسطين المحتلة”.

إذًا، تعود جذور النموذج الردعي لحزب الله إلى مواجهات التسعينيات. وقد رسّخ تفاهم نيسان 1996 فكرة أن الطرف الأضعف يستطيع، عبر تهديد الجبهة الداخلية، تقييد بعض أنماط استخدام القوة الإسرائيلية من دون أن يمنع الصراع كله. من هنا ظهر الردع المحدد: فعل من نوع معين يقابله ثمن محدد بهدف تنظيم العنف. المهم هنا أن الحزب بقيادة السيد نصرالله تمكن من تحويل سلاح تكتيكي كان متاحًا لمن سبقه ليصنع من خلاله معادلات استراتيجية. ففي ظل هذا الردع المحدد أصبح جيش العدو مقيدًا أكثر في ردّه على عمليات المقاومة المتزايدة داخل الأراضي المحتلة ومضطراً للحد من استهداف المدنيين.

أضاف الاحتلال الإسرائيلي للجنوب عنصراً ثانياً هو الزمن. فبدلاً من منافسة “إسرائيل” في الحسم السريع، استفادت المقاومة من القتال منخفض الشدة وتكرار الخسائر واستمرار الضغط من دون حاجة إلى نصر يومي. ومع تعثر الحسم الإسرائيلي وتزايد كلفة الاحتلال، تطوّر لدى السيد نصرالله تصوّر يميّز بين القوة المادية والقدرة السياسية على تحمّل حرب طويلة غير حاسمة. جاء خطاب بنت جبيل في 26 أيار 2000 و«بيت العنكبوت» ليحوّل هذه الخبرة إلى فرضية عن الخصم: التفوق العسكري لا يلغي نقاط الضعف المرتبطة بالخسائر والإرهاق وغياب الغاية الواضحة. أما أعمال كوبر فتفرض قراءة مشروطة لهذه الفرضية، إذ لا يمكن اعتبار حساسية “إسرائيل” للاستنزاف قانوناً ثابتاً؛ بل تتغير تبعاً لطبيعة الهدف وإدراك التقدم وتوزيع الكلفة.

بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 تطورت «قواعد لعبة» تسمح باستخدام محدود للقوة وتجنّب الحرب الشاملة، كما أظهر سوبلمان[9]. عززت عمليات الأسر وصفقة 2004 لتبادل الأسرى بين حزب الله و”إسرائيل” اعتقاد حزب الله بأن القوة المحدودة قادرة على تحقيق مكاسب تحت سقف الحرب. ويقول سوبلمان إنه جرى حينها سوء تواصل ردعي لأن “إسرائيل” لم تحسن إيصال رسائلها حول جباية الثمن لحزب الله بحال تجددت عمليات الأسر وهو ما ساهم في اندلاع حرب 2006، لأن الحزب اعتقد أن عملية أسر جديدة قابلة للاحتواء. وقد أشار السيد نصرالله بعد الحرب إلى أنه لو علم أن العملية ستقود إلى حرب لما أقدم عليها، وذلك في معرض تحليله أن دوافع الحرب الإسرائيلية حينها تأثرت بمتغير خارجي هو الموقف الإميركي الذي فرض الحرب.

داخل حرب 2006 نفسها يمكن رصد انهيار القواعد القديمة ومحاولة إنشاء قواعد جديدة: الانتقال في خطاب 14 تموز/يوليو للسيد نصرالله إلى «الحرب المفتوحة»، ثم تهديد «بيروت مقابل تل أبيب» في 3 آب/أغسطس. وتظهر إصابة “ساعر 5″، المقترنة برسالة خطابية مباشرة، كيف صار تطابق القول والفعل مورداً لبناء المصداقية. لذلك كانت 2006 نقطة الانتقال من الردع كممارسة تراكمية إلى سياسة أكثر وعياً بالقدرة والعزم والاتصال والسمعة.

تأثر نموذج السيد نصرالله للردع بعدة روافد: ثقافة الصمود والتضحية والإرادة المتصلة بالتجربة الشيعية التاريخية، ودروس الحرب الإيرانية العراقية التي نقلها ضباط الحرس الثوري لقيادة الحزب عبر التفاعل الدائم؛ والتعلم القتالي من مواجهات 1993 و1996 والاحتلال و2000 و2006؛ والدراسة المكثفة لـ”إسرائيل” ومجتمعها وعقيدتها؛ والدعم الإيراني والسوري والعمق الإقليمي (فتح المسار البري من سوريا لإيران جعل من الممكن بناء منظومة صاروخية استراتيجية للردع)؛ وقيود السياسة اللبنانية والشرعية الاجتماعية؛ وأخيراً تحوّل الحزب إلى مؤسسة عسكرية أكبر وأكثر تخصصاً. هذه المؤسسية رفعت الكفاءة والقدرة الردعية، لكنها أنشأت أيضاً عقد قيادة واتصال ولوجستيات يمكن أن تصبح قابلة للاستهداف الاستخباري.

  1. الردع بعد 2006: نظام متكامل
إقرأ على موقع 180  على خطى المسيح في جنوبي لبنان

2.1 بنية نموذج الردع

بعد حرب 2006 أصبح الردع أكثر نسقية حيث تطور نظام الردع طبقة فوق طبقة بشكل متداخل ومترابط بحيث بات لكل منها وظيفة تتكامل مع باقي الوظائف.

الطبقة الأولى هي البقاء ومنع الحسم (الردع بالمنع). فالمطلوب إقناع “إسرائيل” بأن الضربة الأولى أو الحملة الجوية، حتى لو كانت مباغتة، لن تنهي قدرة الحزب على الرد، وأن استمرار القيادة والنيران سيجعل الحرب تتجاوز أفقها الزمني المفضل. لذلك حمل التحصين والانتشار واللامركزية وإخفاء القاذفات والدفاع الأرضي معنى ردعياً، لا دفاعياً فقط لأن استمرار القوة بعد الضربة الأولى هو شرط لتهديد الضربة الثانية. وعلى المستوى الاجتماعي، اقترن ذلك بخطاب الصمود وقدرة المجتمع الحاضن للمقاومة على تحمّل الكلفة. بهذا المعنى يصبح البقاء نفسه نتيجة استراتيجية لأنه ينفي أحد التعريفات الإسرائيلية التقليدية للحسم. كان لدى الحزب والسيد نصرالله هاجس دائم من المفاجأة الافتتاحية الإسرائيلية في أية حرب نتيجة قراءتهم للتجارب العسكرية الإسرائيلية ضد الجيوش العربية. ولذلك كان الردع بالمنع ضروريًا لتقليص ثقة العدو بنجاح ضربة افتتاحية تكون مدخلًا للحرب.

الطبقة الثانية هي العقاب. أدخلت منظومات صواريخ حزب الله متعددة المديات الجبهة الداخلية الإسرائيلية في قلب الحرب، لا بهدف مساواة الدمار بين الجانبين، بل لجعل الألم الإسرائيلي ذا صلة بالحساب السياسي. يمكن وصف ذلك بـ«العمق الاستراتيجي المعكوس»: لا يمتلك الحزب عمقاً جغرافياً كبيراً، لكنه يخلق عمقاً وظيفياً حين يبقي المدن الاستيطانية والمنشآت والقواعد داخل نطاق التهديد. ووفق كوبر تُقاس قيمة الصاروخ بقدرته على إدخال الحرب في الاقتصاد والإخلاء واستمرارية الخدمات والدفاع المدني وإطالة الزمن اللازم لإنتاج نتيجة. لهذا انتقل التهديد تدريجياً من المساحة والسكان إلى العقد الاقتصادية والوظيفية. وقبل امتلاك الحزب للصواريخ الدقيقة والمسيّرات كان تركيزه على كثافة الإطلاق الصاروخي وزيادة مدياته.

ينتج الجمع بين البقاء والعقاب «هشاشة متبادلة غير متكافئة»: تظل “إسرائيل” أكثر قدرة على التدمير، لكن الحزب يسعى إلى منع وجود طريقة رخيصة وآمنة لتحويل هذا التفوق إلى حسم. المثال الأوضح هو تهديد خزانات الأمونيا في حيفا عام 2016، حين استند السيد نصرالله إلى تقديرات إسرائيلية عن حجم الخطر ليبيّن أن إصابة عقدة واحدة قد تنتج أثراً بالغاً، وربط ذلك بفكرته أن “إسرائيل” لا تدخل حرباً إذا لم تكن واثقة من نصر سريع. وظيفة التهديد هنا هي ما يسمّى “اقتصاد الردع” ومعناه إنتاج قيد استراتيجي مرتفع بواسطة عدد محدود من الوسائل إذا كانت الأهداف شديدة القيمة.

الطبقة الثالثة هي الدفاع. يدرك قادة حزب الله نظرية الأمن الإسرائيلية التي من أسسها نقل الحرب إلى أرض العدو بمناورة برية سريعة لاخضاعه. ولذا واصل السيد نصرالله رفع مستوى التحدي بوجه أي محاولة اجتياح إسرائيلية للبنان من خلال التهديد بتدمير دبابات الجيش الإسرائيلي وآلياته وإضفاء الغموض حول قدرات الدفاع الجوي والكشف عن حجم القوة البشرية المقاتلة لدى الحزب. واستند السيد الشهيد إلى ما تكبّده العدو الإسرائيلي خلال حرب 2006، وما كان يظهر من قدرات برية لدى الحزب خلال المعارك في سوريا.

الطبقة الرابعة هي قواعد اللعبة والردع المحدد. بعد 2006 ازداد حرص الطرفين على ربط أفعال معينة بنتائج معينة، بما يسمح للخصم بتوقع أن تجاوز عتبة ما سيستدعي انتقالاً إلى عتبة مقابلة. لكن هذه القواعد تحمل مفارقة إذ إن وضوحها يقلل سوء الحساب، لكنه يكشف أيضاً سقوف الرد ويشجع الخصم على العمل قربها. لذلك احتاج الردع إلى مزيج من القاعدة المعلنة والغموض. فـ”إسرائيل” قد تكون مردوعة عن حرب واسعة في لبنان، لكنها غير مردوعة عن ضربة محدودة في سوريا أو تنفيذ عمليات أمنية في لبنان؛ وقد يكون المطلوب توسيع قاعدة بعينها من دون تحويل كل احتكاك إلى حرب. هنا كان السيد نصرالله معنيًا بتعزيز الخط الأحمر المرتبط بالمدنيين تحديدًا خلال حقبة الإسناد حين بدأت قواعد اللعبة تهتز.

الطبقة الخامسة هي الاتصال الاستراتيجي. تحولت خطابات السيد الشهيد إلى جزء من القدرة العسكرية لأنها توصل معلومات عن القدرة والعزم والعتبات. عملت دورة المصداقية وفق نمط شمل بناءَ قدرة ثم كشفًا محسوبًا ثم إعلان العزم ثم التنفيذ عند الضرورة، ثم استثمار السجل السابق في التهديد التالي. ومع ذلك لم يكن الاتصال يعني الشفافية؛ فالقيمة الردعية تتطلب كشف ما يكفي ليدخل التهديد في حساب الخصم، وإخفاء ما يكفي ليصعب تحييده. لذلك أصبح «الغموض المعاير» مورداً، فالغموض بلا سجلّ لا يردع، والكشف الكامل يسهّل الاستهداف. وكان الكشف الجزئي عن معادلات أو قدرات لدى السيد نصرالله مرتبطًا إلى حد بعيد بتقديره أن كيان العدو يعيد احتساب موازين القوى وقد يبادر لكسر قواعد الردع. وهذا حصل بشكل متكرر حين اشترك قسم معتبر من قدرة الحزب العسكرية في القتال في سوريا بعد العام 2013. فالكشف حينها لا يدخل ضمن الاستعراض بل هدفه تبديد نسبة من المفاجأة بهدف إعادة شحن نظام الردع. في 16 شباط/فبراير 2013 أعلن السيد نصرالله:

“سأتحدث بصراحة، ربما البعض يعتبر أن سورية الآن في صراع دامٍ، وبالتالي أصبحت سورية خارج معادلة أي معركة يمكن أن تحصل مع العدو الإسرائيلي.. وبالتالي هي لن تستطيع أن تكون لا ظهيراً ولا سنداً ولا مدداً ولا عوناً ولا جسراً ولا ظهراً للمقاومة في لبنان، إذاً هذه هي اللحظة التي يمكن أن تستغل للاستفراد بالمقاومة في لبنان.. أقول له بصراحة: اليوم المقاومة في لبنان في كامل عدتها، كل ما نحتاجه عندنا الآن في لبنان، لا نحتاج أن ننقله لا من سوريا ولا من إيران.. أنا أحذر الاسرائيلي ومن يقف وراء الاسرائيلي، المقاومة في لبنان لن تسكت عن أي اعتداء يمكن أن يحصل على لبنان أو على الاراضي اللبنانية. هم يعرفون، لكن سأرجع وأذكّر: مطاراتهم، موانئهم، محطات الكهرباء لديهم.. يوجد لديهم “كم محطة كهرباء”، تغرق إسرائيل في الظلام.. هل تتحمل إسرائيل ستة أشهر من الظلام؟ نحن في لبنان معتادون، لكن هل تتحمل إسرائيل وشعب إسرائيل”؟

الطبقة السادسة هي إضافة قدرة هجومية نوعية. ففي 2011 طرح السيد نصرالله احتمال شن هجمات برية داخل الجليل إذا فُرضت حرب جديدة. تمثل الهدف الردعي لهذا الإعلان في التأثير على حسابات العدو الإسرائيلي بجعل هدف حيوي موضع تهديد خطير محتمل وهو مستوطنات الشمال. إن دفع العدو للتحوّط من هكذا خيار سيدفعه لإعداد خطط واسعة تستلزم وقتًا وموارد من ناحية، وتُجبر العدو بحال قرر الهجوم على تقليص القوات المهاجمة لصالح مهمة الدفاع. وقد رصد مركز دادو التابع للجيش الإسرائيلي لاحقاً انتقالاً في مفهوم الحزب من «النصر بعدم الهزيمة» إلى السعي لإنجاز عملياتي إيجابي، وهو تحوّل ارتبط بخبرة سوريا وقوات الاقتحام. هذه القدرة رفعت عبء الدفاع الإسرائيلي، لكنها، في المقابل، أنشأت تشكيلات أكثر تنظيماً وقابلية للرصد. منذ ذلك الإعلان، استثمر جيش العدو موارد هائلة لعدة سنوات لإعادة تشكيل الأمن الحدودي من خلال أعمال هندسية واسعة وتطوير الدفاع عبر المستوطنات وتنظيم القوات للتعامل مع أي هجوم مفاجىء وفق عدد خطوط دفاعية هي الأعقد من كل ما هو موجود عند المناطق الحدودية مع دول الطوق.

وتكمل الصواريخ الدقيقة هذا التحول. ففي أيلول/سبتمبر 2018 أعلن السيد نصرالله أن الحزب امتلك قدرة صاروخية دقيقة برغم جهود المنع الإسرائيلية. أهمية الدقة أنها تغيّر وظيفة الترسانة لتكون قادرة على تهديد أهداف حيوية (المطارات والموانئ والقواعد ومحطات الطاقة) بعدد قليل نسبيًا من الإطلاقات بدلاً من تهديد مساحة واسعة بعدد كبير من المقذوفات، بما يزيد القيمة الردعية لكل ذخيرة. لذلك، تعاملت تل أبيب مع «مشروع الدقة» بوصفه تهديداً نوعياً، وسعت إلى منع النقل والتصنيع والتجميع المحلي.

الطبقة السابعة هي الردع الممتد عبر شبكة إقليمية. رفع الاندماج في «محور المقاومة» احتمال أن تستدعي الحرب على لبنان ضغوطاً من ساحات أخرى، ما يزيد عدم اليقين الإسرائيلي. لكن السيد الشهيد بقي حذراً في تحويل «وحدة الساحات» إلى ضمانة مطلقة؛ إذ شدّد في العام 2021 على أن المعادلة الإقليمية لحماية الأقصى لم تكتمل بعد. لذلك كانت الشبكة مضاعفاً للكلفة وعدم اليقين، لا التزاماً آلياً بحرب جماعية. ومن ضمن هذه الطبقة كان يجد حزب الله أن قوة المقاومة داخل فلسطين، في غزة والضفة الغربية، سواء عسكريًا أو شعبيًا ومجتمعيًا بما تتسبب به من إرهاق واستنزاف لجيش العدو، لها بُعد ردعي.

كان البُعد الإقليمي للمقاومة مركز ثقل نظام الردع لديها. إن انضواء الحزب في سياسات محور المقاومة، كان يتشكّل ويصاغ بحكم الواقع قبل النظرية، وهو انضواء قام إلى التبادلية والاستقلالية. فكل دور إقليمي للمقاومة تقرر وزنه بمقدار ارتباطه بحاجات نظام الردع في الجبهة اللبنانية. ولذلك كان ثقل الدور الإقليمي لحزب الله هو في سوريا، فيما كان دور الحزب في اليمن سياسيًا وإعلاميًا بالدرجة الأولى، مع دور استشاري رمزي. مع العلم أنه في العام 2015 كانت المسألة اليمنية شديدة الصلة بالمسألة السورية حيث كانت الرياض منغمسة بالكامل في الحرب لاسقاط النظام السوري. من ناحية ثانية، كان اليمن أيضًا من ضمن نظام ردع قوى المقاومة من خلال التأثير المرتجى على كيان العدو عبر تقييد الملاحة في البحر الأحمر واستخدام القدرات الصاروخية الاستراتيجية.

بالتوازي كان رفض أو/و عجز الدولة اللبنانية عن تحمّل مسؤولية الردع يزيد الضغط على حزب الله لتقوية “الردع الممتد” (أي التحالف مع محور إقليمي). وقد سعت قوى لبنانية أن تنزع قدرة الردع عن المقاومة ليس من أجل أن تمارسها الدولة بل حتى تنقل لبنان كاملًا إلى الفلك الأميركي تحت عنوان “العجز” كما يحدث حاليًا. فيما كان طرح المقاومة أن هناك حاجة وطنية ملحّة لانتاج استراتيجية دفاعية تقوم على التكامل بين نقاط قوة الدولة والمقاومة تفضي إلى توليد نموذج هجين للردع يقوم على تصالح الشرعيتين لتحقيق المصالح السيادية وهذا ما لم يتحقق بفعل رفض وكلاء واشنطن المحليين لذلك طوال السنوات الماضية.

يضاف إلى هذه الطبقات شرط اجتماعي-سياسي هو قدرة البيئة اللبنانية على حمل استراتيجية ردع طويلة. فاندماج الحزب في المجتمع والدولة منحه شرعية وموارد، لكنه خلق أيضاً أصولاً سياسية واجتماعية يخشى خسارتها. يوضح صولي أن سعي الحزب إلى تقليل هشاشته أمام “إسرائيل” دفعه مع الزمن إلى قدر أكبر من المأسسة وضبط النفس وإعادة تشكيل السلوك الداخلي[10]. لذلك أصبحت الشرعية جزءاً من قابلية الردع للاستمرار وفي المقابل فهمت “إسرائيل” هذا الاندماج بوصفه نقطة ضغط، وهو ما ظهر في التهديد بإيقاع كلفة واسعة بلبنان وبيئة الحزب. بهذا المعنى أصبحت قدرة المجتمع على حمل الردع جزءاً من النموذج نفسه.

المصادر والمراجع:

[1] Glenn H. Snyder, Deterrence and Defense: Toward a Theory of National Security. Princeton University Press, 1961.

[2] Thomas C. Schelling, Arms and Influence. Yale University Press, 1966.

[3] Alexander L. George and Richard Smoke. Deterrence in American Foreign Policy: Theory and Practice. Columbia University Press, 1974.

[4] Robert Jervis, Perception and Misperception in International Politics. Princeton University Press, 1976.

[5] Jeffrey W. Knopf, “The Fourth Wave in Deterrence Research.” Contemporary Security Policy 31, no. 1 (2010): 1–33.

[6] Raphael D. Marcus, “Military Innovation and Tactical Adaptation in the Israel–Hizballah Conflict: The Institutionalization of Lesson-Learning in the IDF.” Journal of Strategic Studies 38, no. 4 (2015): 500–528. Raphael D. Marcus, Israel’s Long War with Hezbollah: Military Innovation and Adaptation Under Fire. Georgetown University Press, 2018.

[7] Avi Kober, “From Blitzkrieg to Attrition: Israel’s Attrition Strategy and Staying Power.” Small Wars & Insurgencies 16, no. 2 (2005): 216–240. Avi Kober, Israel’s Wars of Attrition: Attrition Challenges to Democratic States. Routledge, 2009.

[8] مقابلة السيد حسن نصرالله مع قناة “الميادين” بمناسبة مرور أربعين عامًا على نشأة حزب الله، بتاريخ 25 تموز/يوليو 2022 مع الإعلامي غسان بن جدو.

[9] Daniel Sobelman. New Rules of the Game: Israel and Hizbollah after the Withdrawal from Lebanon. Jaffee Center for Strategic Studies, Memorandum No. 69, 2004. Daniel Sobelman, “Learning to Deter: Deterrence Failure and Success in the Israel-Hezbollah Conflict, 2006–16.” International Security 41, no. 3 (2016/17): 151–196.

[10] Adham Saouli. “Hizbullah in the Civilising Process: Anarchy, Self-Restraint and Violence.” Third World Quarterly 32, no. 5 (2011): 925–942. Adham Saouli. Hezbollah: Socialisation and Its Tragic Ironies. Edinburgh University Press, 2019.

 غداً الجزء الثاني والأخير من دراسة الدكتور حسام مطر (*) 

Print Friendly, PDF & Email
حسام مطر

باحث وأكاديمي، لبنان

Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course
إقرأ على موقع 180  سلطنة.. أربع روائع للمبدع المنسي إبراهيم رجب