لن تكون فترة الأفول السياسي التي يمر بها ترامب مثل تلك التي كانت لدى أسلافه. لقد مرّ بالفعل بمرحلة عُدّت على نطاق واسع آنذاك مرحلة أفول سياسي، بين تشرين الثاني/نوفمبر 2020 وكانون الثاني/يناير 2021، استخدمها للطعن في نتائج الانتخابات، برغم الأدلة الواضحة على فوز جو بايدن.
وترامب هو أول رئيس خلال المائة عام الماضية يتولى فترتين رئاسيتين غير متتاليتين، ما يجعله الزعيم الأميركي الوحيد في الذاكرة الحيّة الذي يمر بفترة أفول سياسي للمرة الثانية، تمتد هذه المرة لأكثر من عامين.
ومع سيطرة الديموقراطيين الآن على مجلسي النواب والشيوخ، فإن التهديد بعزله، أو فتح تحقيقات في الأنشطة التجارية لعائلته، سيجعل ترامب يشعر بأنه “بطة عرجاء”. وهذا تحديداً ما يجعل الفترة المتبقية من ولايته محفوفة بالمخاطر. فترامب المحاصر، الذي لا يملك منفذاً واضحاً وبنّاءً لتصريف طاقته عبر السياسة الخارجية، قد يلجأ إلى المغامرة بتصعيد تحركاته على الساحة الدولية. والكونغرس، حتى لو كان تحت سيطرة الديموقراطيين، لن تكون له ما يكفي من القدرة للتأثير في إدارة الرئيس لشؤون السياسة الخارجية اليومية.
ثمة مسارات عدّة قد يلجأ إليها ترامب للتصعيد، من بينها: توجيه تهديدات جديدة إلى كندا، تجديد هجماته على التحالفات الأميركية، أو التواطؤ مع روسيا أو الصين على حساب أوكرانيا أو تايوان. غير أن ترجمة هذه التهديدات إلى خطوات سياسية فعلية ستتطلب جهوداً جدّية، من قبيل إعادة انتشار القوات الأميركية، أو خوض مفاوضات شاقّة مع القوى الكبرى الأخرى.
حروب في إيران وكوبا؟
الساحتان اللتان يستطيع ترامب إلحاق أكبر قدر من الضرر فيهما هما إيران وكوبا.
وفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز»، أعدّت إدارة ترامب وإسرائيل خططاً لشن هجمات جديدة على إيران بمجرد انتهاء الانتخابات النصفية. غير أن محاولة أخيرة لإرغام طهران على الاستسلام من غير المرجّح أن تحقق مبتغاها، وستعرّض الاقتصاد العالمي، فضلاً عن أمن حلفاء الولايات المتحدة في منطقة الخليج واستقرارهم، لمخاطر جسيمة.
وقد يحاول ترامب أيضاً فرض تغيير النظام في كوبا. ولن يتطلب شنّ عمل عسكري ضدّ كلا البلدين (إيران وكوبا) سوى موافقة مباشرة من ترامب نفسه. وفي ظلّ عدم وجود انتخابات تلوح في الأفق، فإن العامل الوحيد الذي يقيّد تحركات الرئيس على الساحة الدولية هو تصوّره لإرث من سيخلّفه.
قدمٌ واحدة خارج البيت الأبيض
يُعرف الرئيس بأنه أصبح “بطة عرجاء” (في مرحلة الأفول السياسي) عندما يتحرر من الالتزامات الانتخابية، فلا يعود بحاجة للتعامل مع الانتخابات، سواء الرئاسية أو النصفية. وبالنسبة لرئيس لديه فترة واحدة وسبق أن خسر محاولة إعادة انتخابه، لا تمتد هذه المرحلة سوى بضعة أشهر، تبدأ بانتخاب خلفه وتنتهي بتوليه مهام منصبه. أما الرئيس الذي يقضي ولاية رئاسية ثانية، فقد تمتد مرحلة الأفول السياسي لديه إلى عامين كاملين، من انتخابات التجديد النصفي وحتى مغادرته البيت الأبيض. ومن المستبعد أن تؤثر الانتخابات الرئاسية لعام 2028 في حسابات ترامب، الذي لم يُبدِ يوماً اهتماماً يُذكر بالمستقبل السياسي لبقية الجمهوريين.
وبعد أن يتحرروا من أعباء الحملات الانتخابية، ويكونوا قد فقدوا، في كثير من الأحيان، جانباً كبيراً من رصيدهم السياسي الداخلي، يميل الرؤساء الذين تنطبق عليهم صفة “البطة العرجاء”؛ في مرحلة الأفول السياسي؛ إلى توجيه اهتماماتهم نحو الدبلوماسية، مخاطرين في ساحات خارجية لم يكونوا ليجرؤوا عليها من قبل. فقد حاول بيل كلينتون، في أواخر ولايته الثانية، التوسط في اتفاق سلام فلسطيني-إسرائيلي، وترتيب زيارة رئاسية إلى كوريا الشمالية. وبعد خسارة انتخابات التجديد النصفي عام 2014، أبرم الرئيس باراك أوباما الاتفاق النووي مع إيران، وأعاد العلاقات الدبلوماسية مع كوبا.
كما استخدم رؤساء البط الأعرج؛ في مرحلة الأفول السياسي؛ أيضاً القوة العسكرية في ظروف ربما لم يكونوا ليقدموا فيها على ذلك لو كانوا مقبلين على انتخابات. فعلى سبيل المثال، تدخل الرئيس جورج بوش الأب في الصومال في أواخر عام 1992، في إطار مهمة محدودة لتخفيف وطأة المجاعة. وبعد أكثر من عقد، وتحديداً عام 2007، أرسل الرئيس جورج دبليو بوش تعزيزات عسكرية إلى العراق في محاولة لإرساء الاستقرار فيه، وذلك عقب انتخابات نصفية قاسية بدا أن الناخبين وجّهوا من خلالها رسالة واضحة إليه بضرورة سحب القوات الأميركية من الحرب المتعثرة هناك.
كانت نتائج هذه المحاولات الطموحة في مجال السياسة الخارجية متفاوتة. فقد أخفقت مفاوضات كلينتون بشأن الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، ولم تدم المكاسب الدبلوماسية التي حققها أوباما طويلاً. أما مهمة جورج بوش الأب في الصومال، فقد نجحت إلى حدٍ كبير في احتواء المجاعة، لكنها لم تعالج جذور الصراع، الأمر الذي أغرى كلينتون بتوسيع نطاق المهمة، وكان لذلك عواقب كارثية. وفي المقابل، أسهمت التعزيزات العسكرية التي أرسلها جورج دبليو بوش إلى العراق في احتواء أعمال العنف على المدى القصير، لكنها لم تحقق تقدماً يُذكر على صعيد إرساء استقرار دائم في البلاد.وأدت حرب العراق إلى خسارة حزب جورج بوش الإبن 30 مقعداً في النواب و6 في الشيوخ، وفقدان السيطرة على المجلسين وسط حالة استياء من حرب العراق (…).
المجازفة بكل شيء
مع تراجع نفوذ ترامب عقب انتخابات التجديد النصفي، واستمراره في مساعيه للفوز بجائزة نوبل للسلام، قد يتوقع المرء أن يتجه إلى الدبلوماسية. غير أن المشكلة تكمن في أنه استنفد بالفعل كثيراً من الخيارات التقليدية المتاحة أمام رئيس في مرحلة الأفول السياسي.
فخلال ولايته الأولى، أقدم ترامب على سلسلة من التحركات الجريئة في مجال السياسة الخارجية؛ إذ انسحب من الاتفاق النووي الإيراني المبرم عام 2015، وعقد ثلاثة لقاءات مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، واستعاض عن اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية باتفاق تجاري إقليمي جديد، كما أسهم في تطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، فضلاً عن انسحابه من سلسلة من الاتفاقيات الدولية. ومنذ عودته إلى البيت الأبيض عام 2025، أشرف على التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة، وعلى عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
لا يتوقع من ترامب ان يعود إلى معظم هذه المبادرات، بعدما بلغ حدود ما يمكن أن تحققه دبلوماسيته القائمة على الاستعراض. فقد توعّد، على سبيل المثال، بالاستيلاء على غرينلاند، لكنه انتهى إلى الاكتفاء باتفاق يتيح توسيع الوجود العسكري الأميركي في الجزيرة. أما «مجلس السلام» الذي طرحه بديلاً لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، فمن المرجح أن يظل متعثراً، بعدما باتت الدول الأخرى أقل استعداداً لمجاراة أهوائه والاستجابة لنزواته.
ثمة خيارات أخرى بعيدة المنال قد يحاول ترامب خوض غمارها، من بينها السعي إلى وضع حد للصراعات المستعصية في كشمير أو السودان، أملاً في ترسيخ صورته بوصفه صانعاً للسلام. غير أن حل هذه النزاعات ينطوي على صعوبات استثنائية، حتى في أفضل الظروف. وحتى انتزاع اتفاق يميل بشدة إلى مصلحة أحد الأطراف في مثل هذه الحالات، يتطلب قدراً من الحنكة والخبرة بالشؤون الإقليمية والنفس الطويل، وهي مقومات يفتقر إليها ترامب. ونادراً ما يخصص ترامب وقتاً يُعتد به للعمل الدبلوماسي، وهو ما تعكسه ادعاءاته المثيرة للشك بأنه وضع حداً لسلسلة من الصراعات، لا يزال كثير منها مستعراً حتى اليوم.
وربما تكون أجرأ خطوة من الممكن أن يُقدم عليها ترامب هي إقامة حفل-مُنتدى للقوى العُظمى يجمعه والرئيس الروسي فلاديمير بوتين والزعيم الصيني شي جين بينغ، للعمل معاً على فرض نظام عالمي. غير أن القمم التي قد تُعقد في هذا الإطار لن تسفر على الأرجح عن نتائج ملموسة، شأنها في ذلك شأن معظم لقاءاته السابقة مع بوتين وشي. فلا موسكو ولا بكين أبدتا اهتماماً يُذكر بمقترح ترامب إبرام معاهدة ثُلاثية للحد من الأسلحة النووية. كما لا تبدو أي منهما متحمسة للضغط على إيران لحملها على القبول باتفاق مع الولايات المتحدة.
وقد يستغل ترامب هذه اللقاءات للتضحية بمصالح أوكرانيا أو تايوان، في مسعى يائس للتوصل إلى اتفاق سلام. لكن، كما أظهرت التطورات خلال العامين الماضيين، فإن بوتين لا يُبدي أي استعداد لتقديم تنازلات، ولديه ما يكفيه من الموارد التي تتيح له الاستمرار في القتال مع الأوكرانيين. أما شي، فيتعامل مع قضية تايوان باعتبارها شأناً داخلياً صينياً، ومن غير المرجح أن يقبل بأي قيود على سياسته تجاه الجزيرة.
وفي نهاية المطاف، قد يخلص ترامب إلى أن الأجدى له هو استثمار الزخم الإعلامي والمكاسب الدعائية المترتبة على عقد قمة تجمع قادة الدول الثلاث، بدلاً من تكريس الجهد اللازم للتوصل إلى اتفاق فعلي.
محاولة أخيرة قبل الرحيل
من المرجّح أن تكون إيران الساحة التي سيختارها ترامب لتكون ساحة لخطوته المقبلة. فهو يبدو مقتنعاً بأن تصعيد الحرب هناك يمكن أن يكسر حالة الجمود وينقذ إرثه السياسي. غير أن القادة الإيرانيين لن يرضخوا لمزيد من الضغوط العسكرية. بل يُرجّح أن يصعّدوا هجماتهم على حركة الملاحة التجارية، ويوسّعوا نطاق ضرباتهم لتشمل حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، ويتجاهلوا المبادرات الدبلوماسية إلى أن يغادر ترامب البيت الأبيض.
وإلى جانب ذلك، قد تكون الخيارات المتاحة أمام ترامب محدودة؛ فالإقدام على تصعيد عسكري أكثر تطرفاً ضدّ إيران، مثل إرسال قوات إلى جزيرة “خرج”، قد يثير رفضاً واسعاً داخل قاعدته السياسية، بما يدفعه إلى الإحجام عنه. وحتى أكثر مؤيديه حماسة بدأوا يضيقون ذرعاً بارتفاع الأسعار الناجم عن الحرب. ومن شأن تجدد المواجهات أن يزج بالعالم في أزمة اقتصادية.
ويُعد إسقاط الحكومة الكوبية أولوية شخصية لدى ماركو روبيو، وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي في إدارة ترامب. كما يتسق هذا الهدف مع ما يُعرف بـ«مبدأ دونرو»، الذي يقوم على تأكيد الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي.
ومن منظور ترامب، قد يبدو شنّ هجوم على كوبا خياراً مغرياً، إذ لن يتطلب حشداً كبيراً من القوات أو إمكانات عسكرية ضخمة. وسيتيح له ذلك، وفق حساباته، معالجة مشكلة استعصت على الرؤساء الأميركيين منذ نهاية عهد أيزنهاور. وربما كان قد مضى بالفعل في التحرك ضدّ كوبا، لولا انغماسه في المواجهة مع إيران.
لكن استخدام القوة العسكرية لإحداث تغيير في النظام نادراً ما يحقق أهدافه، وغالباً ما تترتب عليه عواقب يصعب التكهن بها، كما يثبت عالم السياسة ألكسندر داونز. وفي حالة كوبا، قد تتمثل إحدى هذه العواقب في تدفق موجة جديدة من اللاجئين إلى الولايات المتحدة.
لكن ترامب الضعيف، وكونه رئيساً في مرحلة الأفول السياسي، قد يرى في ذلك مغامرة تستحق المخاطرة، على أمل بأن يصبح الرئيس الذي نجح أخيراً في الإطاحة بالنظام الشيوعي في كوبا. فعلى صعيد السياسة الخارجية، ليس هناك ما يستهوي ترامب أكثر من محاولة تفكيك أعقد القضايا المستعصية بضربة واحدة. وقد يرى أيضاً في تغيير النظام في كوبا وسيلة لصرف الأنظار عن فشله في إيران.
وثمة احتمال آخر يتمثل في أن يكرّس ترامب جهوده في مجال السياسة الخارجية لتعزيز ثروة أفراد عائلته. فقد أتاح بالفعل فرصاً واسعة أمام جهات أجنبية، بما يفتح المجال أمامها لشراء النفوذ داخل إدارته. فقد قبل ترامب وأفراد من عائلته طائرة ركاب من أمير قطر، واستثماراً بقيمة ملياري دولار من صندوق يقوده ولي العهد السعودي، فضلاً عن عوائد من عدد من مشاريع العملات المشفرة، جاء جزء كبير منها من مشترين أجانب. ووفقاً لمجلة «نيويوركر»، فإن عائلة ترامب جنت مكاسب بلغت أربعة مليارات دولار من أنشطة من هذا القبيل.
وترامب، وهو الواثق من أن مجلس الشيوخ لن يحصل على الأصوات الـ67 اللازمة لعزله من منصبه، قد يظن أن لا شيء يمنعه من المضي في مزيد من المشاريع الهادفة إلى تحقيق الأرباح.
غير أن الخيار الأكثر إثارة للدهشة الذي قد يلجأ إليه ترامب خلال مرحلة أفوله السياسي هو ألا يفعل شيئاً على الإطلاق في مجال السياسة الخارجية. فقد انشغل الرئيس بإعادة تشكيل العاصمة واشنطن على صورته، من خلال إعادة تزيين المكتب البيضاوي، ووضع تصميم لقاعة احتفالات في البيت الأبيض، ومحاولة إعادة تأهيل مركز كينيدي. وثمة احتمال أن يمضي العامين الأخيرين من ولايته في إصدار قرارات العفو، والسعي، بين الحين والآخر، إلى ملاحقة خصومه السياسيين قضائياً، وإقامة النُصُب التذكارية التي تخلّد اسمه.
وبالنظر إلى البدائل المتاحة، قد يكون الإحجام عن اتخاذ أي خطوات في مجال السياسة الخارجية هو السيناريو الأفضل لعامي ترامب الأخيرين له في البيت الأبيض.
(*) عن “فورين أفيرز“.
(**) دانيال دبليو. دريزنر، العميد الأكاديمي والأستاذ المتميز في السياسة الدولية في كلية “فليتشر” للقانون والدبلوماسية- جامعة تافتس، ومؤلف النشرة الإخبارية «عالم دريزنر».
(**) إليزابيث ن. سوندرز، أستاذة العلوم السياسية في جامعة كولومبيا، وزميلة أولى غير مقيمة في مؤسسة “بروكينغز”، ومؤلفة كتاب «لعبة المطلعين: كيف تصنع النخب الحرب والسلام».
