“فورين أفيرز”: من يُحدّد مستقبل السياسة الخارجية الأميركية بعد فوز الديموقراطيين؟

أعادت نتائج الانتخابات النصفية الأميركية، التي منحت الديموقراطيين السيطرة على مجلسَي الكونغرس، طرح سؤال يتجاوز انتصارهم على دونالد ترامب: هل يمتلك الحزب رؤية موحدة لمستقبل السياسة الخارجية الأميركية، أم أن خلافاته بين الوسطيين والتقدميين ستعرقل بناء بديل للترامبية؟ يستند هذا المقال إلى دراسة للباحث الأميركي توماس رايت، نشرتها مجلة «فورين أفيرز» في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، وأُعيدت صياغتها وتحديث بعض استنتاجاتها في ضوء النتائج الانتخابية والتداعيات السياسية، بالاستناد إلى تغطيات وكالتَي «رويترز» و«أسوشيتد برس»، مع الحفاظ على الأطروحة الأساسية للكاتب رايت.

لم تكن انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر 2026، مجرد استحقاق اعتيادي يُقاس بنتائجه ميزان القوى بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي. فقد أسفرت عن انتزاع الديموقراطيين الأغلبية في مجلسَي النواب والشيوخ، في تحوّل سياسي يتجاوز حدود واشنطن إلى مستقبل الدور الأميركي في العالم. وإذا كانت النتائج قد كشفت حجم الاعتراض الشعبي على إدارة دونالد ترامب، ولا سيما على خلفية الحرب مع إيران وارتفاع تكاليف المعيشة والجدل بشأن سياسات الإدارة، فإنها وضعت الحزب المنتصر أمام اختبار ربما يكون أشد تعقيداً من انتزاع الأغلبية: هل يمتلك الديموقراطيون تصوراً متماسكاً لما ينبغي أن تكون عليه السياسة الخارجية الأميركية بعد ترامب؟

لم تقتصر مكاسب الديموقراطيين على الولايات المتأرجحة، بل امتدت إلى معاقل جمهورية تقليدية؛ غير أن هذا التحول الانتخابي، على اتساعه، لا يعني بالضرورة أن الناخبين منحوا الديموقراطيين تفويضاً واضحاً لتبنّي رؤية بعينها في السياسة الخارجية؛ فالتصويت العقابي ضد رئيس لا يساوي تلقائياً توافقاً على البديل الذي سيخلفه.

ومع بدء الولاية الجديدة للكونغرس في كانون الثاني/يناير 2027، سيحصل الديموقراطيون على أدوات تشريعية ورقابية لم تكن متاحة لهم في ظل سيطرة الجمهوريين على المجلسين. وسيكون بإمكانهم مساءلة الإدارة بشأن الحرب مع إيران، والتدقيق في الإنفاق العسكري والقرارات الاقتصادية، وممارسة ضغوط أكبر على البيت الأبيض، فضلاً عن استخدام صلاحيات مجلس الشيوخ في التعامل مع التعيينات الرئاسية. لكن ترامب سيبقى رئيساً حتى كانون الثاني/يناير 2029، محتفظاً بصلاحيات تنفيذية واسعة وبسلطة الاعتراض على التشريعات. ولذلك، فإن استعادة الكونغرس لن تعني استعادة الديمقراطيين القرار التنفيذي في السياسة الخارجية، بل ستفتح مرحلة من الصراع على حدود السلطة الرئاسية وعلى طبيعة الدور الذي يستطيع الكونغرس الاضطلاع به.

وهنا تبرز مفارقة جديدة: الديموقراطيون الذين نجحوا في توحيد صفوفهم انتخابياً ضد ترامب سيضطرون الآن إلى الإجابة عن أسئلة استراتيجية لطالما أجّلوا حسمها. فالحزب ينقسم، على نحو عام، إلى معسكر وسطي يركز على المنافسة الاستراتيجية واستعادة القوة الأميركية وتعزيز التحالفات، ومعسكر تقدمي يدعو إلى إعادة النظر في كلفة الهيمنة الأميركية وإعطاء الأولوية للتعاون الدولي ومعالجة التحديات المشتركة. وبرغم أن هذا الانقسام بات مألوفاً، فإن استمرار إدارة ترامب الثانية في تقويض جوانب من النظام الدولي الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية يجعل النقاشات داخل كل معسكر لا تقل أهمية عن الخلافات بين المعسكرين.

ولعل الدلالة الأعمق لنتائج الانتخابات هي أنها نقلت هذا السجال من حيز التفكير النظري في انتخابات الرئاسة عام 2028 إلى ساحة سياسية وتشريعية أكثر إلحاحاً. فالديموقراطيون مطالبون، منذ الآن، بتحديد مواقفهم من مستقبل النظام الدولي، والعلاقة مع إسرائيل، والحرب مع إيران، والذكاء الاصطناعي، والصين، والاقتصاد العالمي. وإذا لم يخض المرشحون المحتملون والمسؤولون السابقون والمفكرون البارزون هذه النقاشات بصورة واضحة، وإذا لم تُتح للناخبين فرصة الاختيار الواعي بين بدائل سياسية واستراتيجية متماسكة، فقد يضيع العام الأول من أي إدارة ديموقراطية تصل إلى البيت الأبيض عام 2029 في التخبط والصراعات الداخلية.

ما بعد بايدن: هل يمكن استعادة النظام القديم؟

جعل الرؤساء الديموقراطيون الثلاثة الذين تولوا السلطة منذ نهاية الحرب الباردة من «النظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة» حجر زاوية في سياستهم الخارجية. وبرغم أن خطاب الرئيس السابق جو بايدن، الذي اختزله بشعاره الشهير «أميركا عادت»، أوحى بالرغبة في استعادة ذلك النظام بعد حقبة ترامب الأولى، إلا إنه لم يتبنَّ في ممارسته نهجاً استعادياً خالصاً.

فقد رأت إدارة بايدن أن تصاعد المنافسة الاستراتيجية مع الصين وروسيا، وظهور تحديات مشتركة مثل جائحة كورونا، يشيران إلى تفكك تدريجي للنظام القديم، بما يستدعي إجراء تغييرات جوهرية في الاستراتيجية الأميركية. وعلى هذا الأساس، حوّل بايدن مسار السياسة الاقتصادية الخارجية من التجارة الحرة والعولمة إلى السياسة الصناعية وتعزيز القدرة على الصمود والريادة التكنولوجية، كما اتخذ موقفاً أكثر حزماً في مواجهة بكين وموسكو مقارنة بأسلافه الديموقراطيين.

اليوم، وبعد الانتصار الانتخابي الذي أعاد الحزب إلى موقع القوة في الكونغرس، ينخرط الوسطيون في نقاش حول ما إذا كان بإمكان إدارة ديموقراطية مقبلة استعادة النظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة وإصلاحه، أم أن على واشنطن التكيف مع مرحلة طويلة من الاضطرابات الجيوسياسية. وحتى الآن، تبدو خلافاتهم أوضح في تشخيص طبيعة المرحلة منها في وصفات التعامل معها؛ إذ يتفقون عموماً على تعزيز التحالفات والشراكات، وتحديث المؤسسة العسكرية، وإصلاح القاعدة الصناعية الدفاعية، وتقوية الردع، ومعالجة التحديات العابرة للحدود، وانتهاج دبلوماسية واقعية وحازمة مع الخصوم.

ويتفق الوسطيون أيضاً على أن ترامب أضعف القوة الأميركية ومؤسساتها، وإن ظلوا متفائلين نسبياً بقدرة البلاد على التعافي. لكن معظمهم يدرك أن العالم الذي قد يرثه رئيس ديموقراطي عام 2029 يختلف جذرياً عن العالم الذي ورثه بايدن عام 2021. فالفوز بالانتخابات، حتى عندما يؤدي إلى السيطرة على الكونغرس بمجلسيه، لا يعني نهاية «الترامبية». ومن المرجح أن تبقى حركة «أميركا أولاً» قوة مهيمنة داخل الحزب الجمهوري، فيما سيواصل الحلفاء والشركاء التحوط ضد التحولات الجذرية في السياسة الخارجية الأميركية من دورة انتخابية إلى أخرى.

بل إن نتائج الانتخابات النصفية نفسها قد تعمّق هذا المأزق؛ إذ سيشهد العالم خلال العامين المقبلين إدارة جمهورية وكونغرساً ديموقراطياً، بما يتيح إمكان ممارسة الرقابة والتشريع، لكنه يفتح أيضاً احتمالات التعطيل والتضارب بين السلطتين. وحتى لو تمكن رئيس ديموقراطي لاحقاً من إعادة بناء القوة الأميركية وإصلاح المؤسسات المتضررة، فإن استعادة الثقة الدولية في ديمومة الالتزامات الأميركية ستكون مهمة أشد صعوبة. فالحلفاء الذين اختبروا انتقال واشنطن من أوباما إلى ترامب، ثم من ترامب إلى بايدن، ثم عودة ترامب، لن يتعاملوا بسهولة مع أي تعهد أميركي بوصفه التزاماً ثابتاً يتجاوز دورة انتخابية واحدة.

في المقابل، يرى التقدميون أن النخبة المعنية بصنع السياسة الخارجية الأميركية أخفقت خلال ربع القرن الماضي، نتيجة سعيها إلى تحقيق الهيمنة بأي ثمن. ويعتبرون أن النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة يعاني عيوباً بنيوية في تصميمه وسجله العملي، وأن التطبيق الانتقائي لما يُعرف بـ«النظام القائم على القواعد» أسهم في تقويض صدقيته. فالقواعد التي يُفترض أن تكون عالمية لا يمكن أن تظل مقنعة إذا طُبّقت بصرامة على الخصوم، وتراخت عند التعامل مع الحلفاء.

ويرى هؤلاء أيضاً أن «الأوليغارشية» العالمية تشكل تهديداً للديموقراطية، وأن الشركات الكبرى في قطاعات الدفاع والتكنولوجيا والتمويل أصبحت جزءاً من منظومة تدفع نحو تضخيم الإنفاق العسكري، والتدخلات الخارجية المكلفة، وإدامة اقتصاد عالمي يخدم الشركات متعددة الجنسيات على حساب العمال. وفي هذا المعنى، لا يفصل التقدميون بين السياسة الخارجية والبنية الاقتصادية الداخلية، بل يعتبرون أن اختلال توزيع الثروة والنفوذ ينعكس مباشرة على أولويات القوة الأميركية في الخارج.

كما يعتقدون أن اضطرابات السنوات الأخيرة سرعت بروز نظام متعدد الأقطاب، تحتفظ فيه الولايات المتحدة بدور مهم وإن كان أقل هيمنة. ومن هذا المنطلق، يدعون واشنطن إلى إعادة الانخراط مع العالم من موقع مختلف عن موقع القوة المهيمنة التي تسعى إلى تحديد خيارات الآخرين. ويستشهدون بالدعم الأميركي للحرب الإسرائيلية على غزة، وبممارسات إدارة ترامب تجاه إيران وفنزويلا، بوصفها أمثلة على الأضرار التي يمكن أن تسببها النزعة التدخلية، وعلى الفجوة بين الخطاب الأميركي بشأن النظام الدولي والممارسات الفعلية للقوة الأميركية.

ولذلك، يرى كثيرون منهم أن على الولايات المتحدة ألا تخوض الحروب إلا دفاعاً عن النفس، وفي إطار الصلاحيات الدستورية للكونغرس، كما يدعون إلى خفض ميزانية الدفاع التي يعتبرونها متضخمة وتشجع الرؤساء على تفضيل الخيار العسكري على الدبلوماسية. ومن المرجح أن تعزز نتائج الانتخابات النصفية موقع هذا النقاش، بعدما أصبحت الحرب مع إيران أحد العوامل التي أسهمت في التصويت العقابي ضد الجمهوريين. لكن من المبكر الجزم بأن الناخبين الذين رفضوا سياسات ترامب العسكرية يؤيدون بالضرورة برنامجاً تقدمياً لتقليص الانتشار العسكري الأميركي أو إعادة تعريف دور الولايات المتحدة في العالم.

ويرى معظم التقدميين أن التهديدات الأكبر للأمن والازدهار الأميركي أصبحت ذات طابع عابر للحدود الوطنية أكثر من كونها جيوسياسية تقليدية، وتشمل الذكاء الاصطناعي والتغير المناخي واتساع فجوة التفاوت الاجتماعي. كما يجادلون بأن التهديد الآتي من الصين غالباً ما يتعرض للتضخيم، وأن تحقيق الردع وحماية المصالح الأميركية لا يستلزمان بالضرورة التصعيد المستمر.

وتتبنى مجموعة من المفكرين، معظمهم قريبون من التيار التقدمي، نهج «ضبط النفس» في السياسة الخارجية. وهم يتفقون مع الوسطيين على محورية الجغرافيا السياسية، لكنهم يدعون إلى تقليص الانخراط الأميركي فيها. ويرون أن سعي واشنطن إلى الهيمنة العسكرية أرهق البلاد وأقحمها في صراعات وأزمات كان يمكن تجنبها؛ ولذلك يفضلون سياسة أكثر انتقائية، تركز على المصالح الحيوية، وتحد من الالتزامات الخارجية، وتعطي الدبلوماسية الأولوية، حتى لو أفضى ذلك أحياناً إلى نتائج لا تنسجم تماماً مع التفضيلات القيمية الأميركية.

ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في حجم التباعد بين المعسكرين. فثمة توافق واسع بين الوسطيين والتقدميين على دعم حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، وتعزيز تحالفات واشنطن في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ومواجهة سياسات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومساعدة أوكرانيا، ومعارضة الحرب مع إيران، ومكافحة الفساد. لكن هذا التوافق العام يخفي خلافات جوهرية حول حجم الالتزامات العسكرية، وحدود استخدام القوة، وطبيعة العلاقة مع الحلفاء، والكلفة الاقتصادية والأخلاقية لاستمرار القيادة الأميركية للنظام الدولي.

إسرائيل وإيران والذكاء الاصطناعي

تُعد العلاقة مع إسرائيل ودور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط من أبرز القضايا التي تشهد نقاشاً محتدماً داخل الحزب الديموقراطي، وربما تمثل نقطة الافتراق الأكبر عن نهج إدارة بايدن. وقد ازدادت هذه القضية حساسية بفعل الحرب على غزة، ثم الحرب مع إيران، وما ترتب عليهما من تداعيات إنسانية وعسكرية واقتصادية وسياسية.

ويلوم العديد من الديموقراطيين بايدن لعدم بذله جهداً كافياً لكبح إسرائيل خلال حربها على غزة. كما يرى عدد متزايد من الوسطيين أن سياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أضرّت بالمصالح الأميركية، ولا سيما ما يتعلق بالحرب مع إيران، والاستخدام المفرط للقوة في غزة، وتقويض السلطة الفلسطينية. وهم يدعون إلى تعديل السياسة الأميركية تبعاً لذلك، ويعتقد بعضهم أن رحيل نتنياهو عن السلطة قد يفتح المجال أمام تسوية إقليمية أوسع، وإن كان تحقيق تقدم فعلي نحو إقامة دولة فلسطينية سيظل يتطلب ممارسة ضغوط أكبر على إسرائيل.

ويذهب وسطيون آخرون إلى أبعد من ذلك، مطالبين بضغط أميركي أكثر استدامة على إسرائيل، بغض النظر عن هوية رئيس حكومتها. وبحسب هذا التوجه، ينبغي أن تُدفع إسرائيل إلى الاختيار بين المزايا الاستراتيجية والعسكرية والدبلوماسية التي توفرها علاقتها الخاصة بالولايات المتحدة، وبين الاستمرار في سياسات تزرع بذور الشقاق بين البلدين وتضعف صدقية واشنطن في المنطقة والعالم.

ولم يعد الدفاع عن الدعم غير المشروط لإسرائيل يحظى بالموقع الذي كان يشغله تاريخياً داخل الحزب الديموقراطي، وإن كان تيار مؤثر لا يزال يتمسك بأهمية التحالف الأميركي الإسرائيلي، ويفضل تجنب الضغوط التي قد تهدد أسسه الاستراتيجية. وسيكون لمستقبل القيادة الإسرائيلية وللاتجاه الذي ستسلكه الحكومة المقبلة دور في تحديد مساحة المناورة المتاحة لهذا التيار.

غير أن انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر أضافت بعداً عملياً إلى هذه الخلافات. فسيطرة الديموقراطيين على مجلسَي الكونغرس تمنحهم قدرة أكبر على مساءلة الإدارة بشأن الحرب مع إيران، والتدقيق في مبيعات الأسلحة والمساعدات والإنفاق العسكري، واستخدام الصلاحيات التشريعية والرقابية للضغط على البيت الأبيض. لكن مقدار ما يستطيعون تحقيقه سيظل مرهوناً بتوازنات داخل الحزب نفسه، وبالقيود الدستورية والمؤسسية، وباستمرار امتلاك ترامب صلاحيات رئاسية واسعة في إدارة السياسة الخارجية.

ويسعى العديد من الوسطيين إلى تقليص الالتزام العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، لكنهم يرفضون التخلي عن المنطقة أو ترك فراغ استراتيجي تستفيد منه القوى المنافسة. وينقسم هؤلاء حول الكيفية الدقيقة لتحقيق ذلك؛ فبعضهم قد يُبدي انفتاحاً على إبرام معاهدة دفاعية مع السعودية، شريطة أن تكون جزءاً من توجه أوسع نحو إقامة دولة فلسطينية، بينما يفضل آخرون تجنب أي التزامات دفاعية جديدة. وفي المقابل، ترى مجموعة أصغر، ولا سيما أولئك الذين يركزون اهتمامهم على الصين، أن الشرق الأوسط بات يستنزف موارد عسكرية وسياسية تحتاج إليها واشنطن في آسيا، ولذلك يؤيدون خفضاً أكبر للقوات الأميركية المنتشرة في المنطقة.

إقرأ على موقع 180  "الفورين أفيرز": إيران النووية باتت.. قريبة

وقد رحّب التقدميون عموماً بتحول مواقف الوسطيين تجاه إسرائيل، وإن شكك كثيرون منهم في مدى استعداد هؤلاء لترجمة وعودهم إلى سياسات فعلية عند الوصول إلى السلطة. وهم يعتبرون أن ممارسة ضغوط مستدامة على إسرائيل، وتعزيز الانخراط السياسي والدبلوماسي مع الفلسطينيين، يمثلان نقطة انطلاق ضرورية، لكنهما لا يشكلان بالضرورة تغييراً كافياً في طبيعة المقاربة الأميركية.

وتتركز الخلافات داخل التيار التقدمي نفسه على قضايا من بينها استمرار تزويد إسرائيل بالأسلحة الدفاعية، وتوقيت الاعتراف بالدولة الفلسطينية: هل ينبغي أن يكون الاعتراف قراراً فورياً تتخذه إدارة ديموقراطية جديدة، أم نتيجة نهائية لمسار دبلوماسي؟ ويذهب آخرون إلى طرح أكثر جذرية يقوم على تصور دولة واحدة تضمن المساواة في الحقوق للفلسطينيين واليهود الإسرائيليين. بل إن بعض التقدميين يشككون أصلاً في اعتبار إسرائيل حليفاً يقدم للولايات المتحدة قيمة استراتيجية تتناسب مع حجم الدعم المقدم إليه.

وبصورة عامة، يتزايد الميل لدى قطاعات تقدمية إلى تأييد انسحاب أميركي أوسع من الشرق الأوسط، وإعادة النظر في العلاقات الأمنية مع حلفاء واشنطن في الخليج. لكن هذه التوجهات ليست متطابقة؛ فبعضها يركز على تقليص التورط العسكري، فيما يذهب بعضها الآخر إلى إعادة تعريف العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية التي ربطت الولايات المتحدة بالمنطقة لعقود.

وإذا كانت إسرائيل وإيران مصدرين لانقسامات شديدة داخل الحزب، فإن الذكاء الاصطناعي مرشح بدوره لأن يصبح إحدى أبرز ساحات الخلاف في السنوات المقبلة.

ترى مجموعة من الوسطيين المؤثرين أن الذكاء الاصطناعي تقنية يمكن أن تغيّر وجه العالم، بما تنطوي عليه من فوائد ومخاطر في آن واحد. وهم يؤمنون بضرورة حفاظ الولايات المتحدة على تفوقها في المنافسة مع الصين، مستشهدين بالتطور المتسارع للقدرات السيبرانية للنماذج المتقدمة، ومنها «ميثوس» (Mythos). لكنهم يدعون، في الوقت نفسه، إلى إبطاء وتيرة التطوير حيث تقتضي ضرورات السلامة، وإلى بناء قدرة مؤسسية على إدارة التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للتقنية، ولا سيما أثرها المحتمل على فرص العمل.

ولتحقيق ذلك، يطالب هؤلاء بتعزيز قيود التصدير الأميركية المفروضة على الصين في المجالات التكنولوجية الحساسة، بما يوفر للولايات المتحدة هامشاً لضبط إيقاع التقدم وتنظيم المختبرات الرائدة. كما يسعون إلى التوصل إلى موقف مشترك بشأن الذكاء الاصطناعي مع الحلفاء والشركاء، بما في ذلك مشاركة البنية التحتية المرتبطة به مع أقرب حلفاء الولايات المتحدة، مثل أستراليا وكندا، وفتح قنوات حوار مع بكين لإدارة المخاطر المرتبطة بسلامة هذه الأنظمة.

في المقابل، لا يقتنع التقدميون عموماً بأن السباق إلى الهيمنة على الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يصبح الهدف المنظم للسياسة الأميركية تجاه الصين. ويشكك بعضهم في التقديرات التي تطرحها المختبرات التكنولوجية المتقدمة بشأن قدرات أنظمتها، ويعتبرون أن جانباً من هذه التقديرات ينطوي على مبالغات دعائية. كما تختلف مواقفهم من التنظيم القانوني، بين من يراهن على الأدوات التشريعية القائمة ومن يطالب بفرض قيود أشد على الشركات الكبرى وممارساتها.

وقد تصبح سلامة الذكاء الاصطناعي واحدة من أكثر القضايا تأثيراً في الانتخابات التمهيدية الديموقراطية، بما قد يؤدي إلى نشوء تحالفات تتجاوز الانقسام التقليدي بين الوسطيين والتقدميين. وبالنظر إلى سرعة التطور التكنولوجي، واحتمالات وقوع هجمات سيبرانية أكثر تعقيداً أو حوادث تتعلق بفقدان السيطرة على الأنظمة المتقدمة، ستظل هذه القضية متحركة وغير مستقرة في الفترة الفاصلة عن انتخابات 2028.

خلافات قديمة: الصين والاقتصاد العالمي والمناخ

إلى جانب القضايا الجديدة، لا تزال هناك نقاشات طويلة الأمد داخل الحزب الديموقراطي، ولا سيما بشأن الصين والسياسة الاقتصادية الخارجية والتجارة والمناخ. وهذه القضايا ليست منفصلة بعضها عن بعض؛ إذ ترتبط الخيارات العسكرية الأميركية في آسيا بالسياسة الصناعية والتكنولوجية، كما يرتبط التنافس الاقتصادي مع بكين بمستقبل التجارة الدولية والتحالفات التقليدية.

يرى معظم الوسطيين أن الصين تمثل أكبر تحدٍّ استراتيجي واقتصادي للولايات المتحدة، بالنظر إلى تقدمها الصناعي والتكنولوجي في مجالات حيوية عديدة. ويخشون اندلاع حرب حول تايوان، لكنهم يعتقدون أن تجنبها ممكن عبر استعادة القوة الأميركية، وتعميق التحالفات، وتعزيز القدرات الدفاعية التايوانية، ومواجهة الصين بصورة انتقائية عند الضرورة، مع الحفاظ على قنوات دبلوماسية رفيعة المستوى لإدارة التنافس ومنع تحوله إلى صدام عسكري مفتوح. وقد أطلقت إدارة بايدن على هذا النهج اسم «المنافسة المُدارة».

في المقابل، يرى التقدميون أن نهج المنافسة الاستراتيجية الذي يتبناه الوسطيون متشدد ويميل إلى المواجهة، وقد يتحول إلى نبوءة تحقق ذاتها إذا أفضى إلى تأجيج الشكوك المتبادلة وتعزيز سباق التسلح. وهم يعتقدون أن لواشنطن وبكين مصالح مشتركة في مواجهة التحديات العالمية، ولا سيما سلامة الذكاء الاصطناعي والتغير المناخي، وأن تحقيق انفراج في العلاقات بينهما لا يزال ممكناً. كما يعتبرون أن الردع أقل صعوبة مما يفترض الوسطيون، لأن القدرات العسكرية الأميركية الراهنة تظل كبيرة، ولأن سلوك الصين وطبيعة طموحاتها الاستراتيجية لا يتطابقان بالضرورة مع سلوك روسيا.

ويرتبط الجدل حول الصين بنقاش موازٍ بشأن السياسة الاقتصادية الخارجية والتجارة. ويدعو كثير من الوسطيين إلى توسيع السياسة الصناعية لتشمل مزيداً من السلع والتقنيات الحيوية، مثل الروبوتات، والتنسيق مع أوروبا لمواجهة فائض القدرة الإنتاجية الصينية، من خلال تنسيق الرسوم الجمركية وقيود استيراد التقنيات الناشئة وتكامل الجهود التصنيعية. وفي مواجهة استخدام ترامب الأدوات الاقتصادية للضغط على الحلفاء، يعمل هؤلاء على تطوير نهج يتيح توظيف القوة الاقتصادية الأميركية لتحقيق الأهداف الاستراتيجية، ولكن ضمن ضوابط تقلل من الأضرار التي قد تلحق بالشركاء التقليديين.

وتوجد انقسامات جوهرية في الأوساط التقدمية بشأن حجم التهديد الاقتصادي الذي تشكله الصين. فالمسؤولون المنتخبون من هذا التيار يتبنون، إلى حد كبير، مواقف قريبة من مواقف الوسطيين في السياسة التجارية تجاه بكين، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بحماية الصناعة الأميركية وفرص العمل. في المقابل، يبدي مفكرون تقدميون معنيون بالسياسة الخارجية قدراً أكبر من التشكك تجاه جدوى المواجهة الاقتصادية الشاملة، ويفضلون تعزيز العلاقات مع الصين وتقليص احتمالات الانقسام الاقتصادي العالمي.

ومن المرجح أن يختلف الديموقراطيون أيضاً حول كيفية التعامل مع الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على الحلفاء والشركاء. فالتراجع عنها بالكامل قد يصطدم باعتبارات تتصل بحماية الصناعة الأميركية والمنافسة مع الصين، بينما يؤدي الإبقاء عليها إلى استمرار التوتر مع شركاء تحتاج إليهم واشنطن في مواجهة منافسيها الاستراتيجيين. ومن هنا، فإن استعادة الأغلبية التشريعية ستفرض على الحزب تحديد موقف أكثر وضوحاً من العلاقة بين الأمن القومي والسياسة التجارية، بدلاً من الاكتفاء بانتقاد الاستخدام الترامبي للرسوم الجمركية.

أما أزمة التغير المناخي، فتمثل مجالاً إضافياً للخلاف. فالوسطيون يرون ضرورة ربط هذه القضية بتكاليف المعيشة وفرص العمل وأمن الطاقة، بدلاً من جعلها محور البرنامج الحكومي بمعزل عن بقية الأولويات. وهم يؤيدون الاستثمار في التكنولوجيا النظيفة، وإن كان بعضهم أكثر انفتاحاً على الغاز الطبيعي وتسهيل إجراءات التراخيص لتسريع مشروعات البنية التحتية والطاقة. في المقابل، يرى التقدميون أن الاستثمار في التكنولوجيا النظيفة ضروري لكنه غير كافٍ، ويدعون إلى سياسات أشد للحد من إمدادات النفط والغاز وتسريع التحول في بنية الاقتصاد الطاقوي.

والواقع أن هذه الانقسامات الاقتصادية والمناخية تكتسب أهمية مضاعفة بعد انتخابات 2026؛ فقد كان الغضب من ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة أحد أبرز دوافع التصويت ضد الجمهوريين. ولذلك، فإن نجاح الديموقراطيين في انتزاع الكونغرس قد يتحول إلى مصدر ضغط عليهم لإثبات قدرتهم على تقديم بديل اقتصادي قابل للتنفيذ، لا مجرد برنامج للاعتراض على الرئيس. وسيكون عليهم التوفيق بين مطالب الناخبين بتخفيف الأعباء المعيشية، وبين التزاماتهم تجاه التحول التكنولوجي والطاقوي، وبين متطلبات المنافسة الاستراتيجية مع الصين.

انتصار انتخابي لا يحسم الصراع على هوية الحزب

يتجاوز النقاش بين الوسطيين والتقدميين مجرد الاختلاف حول سياسات منفردة؛ فهو يطرح سؤالاً جوهرياً بشأن الطريقة التي تستطيع الولايات المتحدة من خلالها تحقيق الأمن والازدهار في عالم تتراجع فيه القدرة على الانفراد بتحديد قواعد النظام الدولي. هل يتحقق ذلك عبر إدارة المنافسات الجيوسياسية، وترميم التحالفات، وتعزيز التفوق العسكري والتكنولوجي؟ أم عبر تقليص النزعة التدخلية، والتخلي عن السعي إلى الهيمنة، وتوسيع مجالات التعاون الدولي لمعالجة التحديات المشتركة؟

أعطت انتخابات الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر الديموقراطيين انتصاراً سياسياً مهماً، لكنها لم تُجب عن هذا السؤال. بل لعلها جعلته أكثر إلحاحاً، بعدما انتقل الحزب من موقع المعارضة المحدودة القدرة إلى موقع يستطيع من خلاله التأثير في التشريع والإنفاق والرقابة. وفي المرحلة المقبلة، قد تكشف المواقف من الحرب مع إيران، والسياسة تجاه إسرائيل، والمساعدات العسكرية لأوكرانيا، والعلاقة مع الصين، عن توازنات جديدة داخل الحزب، وربما عن حدود التوافق الذي جمع تياراته في مواجهة ترامب.

كما أن انتصار الديموقراطيين في مجلسَي الكونغرس لا يعني بالضرورة أن الإدارة الجمهورية ستفقد قدرتها على المبادرة في الخارج. فالرئيس يحتفظ بصلاحيات واسعة في إدارة الدبلوماسية والعمليات العسكرية، بينما تتوزع أدوات الكونغرس بين التشريع والتمويل والرقابة والمصادقة على التعيينات والمعاهدات وفق الشروط الدستورية. لذلك قد تتحول المرحلة الممتدة حتى عام 2029 إلى اختبار معقد لعلاقة السلطتين، خصوصاً إذا سعى ترامب إلى الاستمرار في سياساته الخارجية رغم الاعتراض التشريعي عليها.

وإذا لم يخض الديموقراطيون نقاشاتهم الاستراتيجية بصورة علنية ومنظمة خلال العامين المقبلين، فقد يجد رئيس ديمقراطي محتمل نفسه أمام مأزق شبيه بما واجهه جيمي كارتر عام 1977. فقد تسلّم كارتر السلطة في ظل تصاعد الاعتراض على نهج نيكسون–كيسنجر القائم على الانفراج مع الاتحاد السوفياتي، فيما انقسمت إدارته بين رؤيتين متعارضتين: الأولى لمستشار الأمن القومي زبيغنيو بريجنسكي، الذي تبنى نهجاً أكثر تشدداً تجاه موسكو، والثانية لوزير الخارجية سايروس فانس، الذي أعطى الأولوية للدبلوماسية والحد من التسلح. وأدت الخلافات الحادة بين المعسكرين مراراً إلى إعاقة جهود كارتر لصياغة استراتيجية متماسكة تجاه الاتحاد السوفياتي وتنفيذها.

وقد يكون تكرار هذا السيناريو عام 2029 أشد ضرراً؛ إذ سيرث الرئيس المقبل، أياً كان انتماؤه الحزبي، تحالفات تعرضت للاهتزاز، وضغوطاً صينية متزايدة على تايوان، وتنامياً في أشكال التعاون بين خصوم واشنطن، واحتمالات استمرار الحروب والأزمات في إيران وأوكرانيا، فضلاً عن تحديات جديدة قد تفرضها التطورات التكنولوجية والاقتصادية خلال العامين المقبلين.

إن الإخفاق في التوافق على أجندة واضحة قد يؤدي إلى شلل في صناعة القرار، في لحظة ستكون فيها الإدارة الجديدة في أمسّ الحاجة إلى تحديد أولوياتها وتوزيع مواردها وصياغة التزامات يمكن الدفاع عنها داخلياً وخارجياً. ولا يتعلق الأمر بضرورة التوصل إلى إجماع كامل داخل الحزب، فمثل هذا الإجماع قد يكون مستحيلاً، بل بتحديد نقاط الاتفاق والخلاف وإتاحة الفرصة للناخبين للاختيار بين تصورات قابلة للتنفيذ، بدلاً من اكتشاف التناقضات بعد الوصول إلى السلطة.

ولعل التحدي الأهم الذي تفرضه نتائج الانتخابات النصفية على الديموقراطيين هو الانتقال من وحدة المعارضة إلى مسؤولية امتلاك مشروع سياسي. ففي مواجهة ترامب، كان ممكناً للوسطيين والتقدميين أن يختلفوا بشأن مستقبل النظام الدولي، وأن يتوافقوا في الوقت نفسه على ضرورة الحد من اندفاع الإدارة الجمهورية. أما بعد استعادة الكونغرس، فسيصبح على الحزب أن يحدد ليس فقط ما الذي يريد منعه، بل ما الذي يريد بناءه أيضاً.

لقد منح الناخبون الديموقراطيين فرصة لاستعادة التوازن داخل المؤسسات الأميركية، لكنهم لم يمنحوهم بالضرورة خريطة طريق متفقاً عليها لإدارة العالم. وبين استعادة القيادة الأميركية كما عرفتها العقود الماضية، وإعادة تعريف هذه القيادة في عالم متعدد الأقطاب، ستدور المعركة الفكرية والسياسية الأهم داخل الحزب خلال العامين المقبلين.

وبذلك، قد لا تكون النتيجة الأكثر أهمية لانتخابات 2026 أن ترامب خسر السيطرة الجمهورية على الكونغرس، بل أن الديموقراطيين باتوا مضطرين إلى حسم سؤال كانوا يستطيعون تأجيله وهم خارج السلطة: أي أميركا يريدون أن تحكم العالم، أم أي دور يريدون لأميركا أن تؤديه في عالم لم تعد قادرة على حكمه منفردة؟

– ترجمة بتصرف 180 بوست عن “فورين أفيرز“.

(*) توماس رايت، زميل أول في معهد “بروكينغز”. شغل منصب المدير الأول للتخطيط الاستراتيجي في مجلس الأمن القومي في عهد إدارة جو بايدن.

Print Friendly, PDF & Email
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  الطالبان وباكستان شركاء في النصر على أمريكا