بالنسبة إلى جميع الأطراف المعنية، شكّلت الحرب على إيران إخفاقاً استراتيجياً. فقد أثبتت الولايات المتحدة وإسرائيل قدرتهما على تحقيق بعض الأهداف العسكرية المحدودة، لكنهما أظهرتا، مع بداية الشهر التاسع من الهجمات والضغوط، عجزهما عن فرض تحقيق أهدافهما الرئيسية، وفي مقدمها تغيير النظام، وتدمير البرنامجين النووي والصاروخي، وحتى إعادة فتح مضيق هرمز، الذي لم يكن مغلقاً عند اندلاع الحرب (…).
نظرياً، كان من المفترض أن يفتح وصول الحرب إلى حالة من الجمود المؤلم الباب أمام تسوية دبلوماسية. غير أن أياً من أطراف الصراع لم يُبدِ استعداداً لتقديم التنازلات الضرورية للتوصل إلى اتفاق. وبدلاً من ذلك، يبدو أن واشنطن وتل أبيب وطهران يُفضلون الإبقاء على وضع راهن يستنزف الجميع، ويغذي وهم إمكانية تحقيق النصر، ويتيح لكل طرف تبرير استمرار المواجهة وإلحاق المزيد من الأضرار. وهكذا، وبدلاً من الاقتراب من التسوية، تلوّح الأطراف المعنية باستئناف الهجمات.
مع ذلك، ثمة مخرج يحفظ ماء الوجه لكل من إيران والولايات المتحدة، يتمثل في التوصل إلى وقف لإطلاق النار بوساطة دول الخليج وتحت إدارتها، يكون ترتيبها كما يلي: دعم اقتصادي خليجي لإيران مقابل رفع الأخيرة القيود المفروضة على الملاحة في مضيق هرمز، بما يتيح للولايات المتحدة، بدورها، رفع حصارها.
وفي إطار هذا الترتيب، يتعين على الدول الخليجية التعهد باتخاذ خطوات لردع واشنطن عن استئناف عدوانها ضدَّ إيران مستقبلاً. وبهذه الطريقة، لن تكون واشنطن مضطرة للتخلي عن حملة “الضغط الأقصى”، ولن تكون طهران مطالبة بالموافقة على تقييد برنامجها النووي. كما يمكن للدول الخليجية توظيف نفوذها لضمان استمرار وقف إطلاق النار إلى حين تهيئة الظروف لاتفاق أشمل.
ولا شك في أن تولي دول الخليج دور الضامن لوقف إطلاق النار ينطوي على تكاليف ومخاطر حقيقية، لكن ثمة أسباباً وجيهة تدفعها إلى قبول هذه المسؤولية. فهذه الدول جزء من ساحة المعركة التي تدور فيها الحرب على إيران، واستمرار الصراع إلى أجلٍ غير مسمى يُهدّد النماذج الاقتصادية والسياسية التي تقوم عليها. إذ تعتمد اقتصادات الخليج على صادرات النفط والغاز، ولا يمكنها تجاوز مضيق هرمز في نقل مواردها من الطاقة إلى الأسواق الخارجية (…).
ولن يكون التوصل إلى وقف لإطلاق النار مهمة سهلة؛ إذ يتطلب من الدول الخليجية تجاوز خلافاتها وتعزيز تماسكها، ومن إيران إعطاء الأولوية للتعافي الاقتصادي والتخلي عن المطالبة بضمانات صريحة بشأن السلوك الأميركي، فضلاً عن منح الولايات المتحدة دول الخليج المساحة اللازمة للتوصل إلى اتفاق. وحتى إذا نجحت هذه الجهود، فلن يعالج الاتفاق القضايا الجوهرية التي أشعلت الحرب. لكن في ظلّ محدودية البدائل المطروحة، قد يكون هذا المسار أفضل الخيارات المتاحة، وربما الوحيد القادر على تخفيف المعاناة عن جميع الأطراف.
حفظ ماء الوجه
من الناحية النظرية، يبدو التوصل إلى اتفاق أميركي إيراني أمراً يسيراً. ثمة نموذج تاريخي يحكم التفاهمات بين البلدين، يقوم على تقديم طهران تنازلاً يتعلق بسلوك أو ملف محدد، مقابل إفراج واشنطن عن أموال محجوزة أو اعترافاً سياسياً. وهو نموذج يمكن تطبيقه، إلى حدٍ بعيد (…).
فعلى سبيل المثال، في اتفاقيات الجزائر لعام 1981، وافقت طهران على إطلاق سراح الدبلوماسيين الأميركيين الذين كانت احتجزتهم رهائن، مقابل الإفراج عن أموالها المجمدة وتعهد واشنطن بعدم التدخل في شؤونها الداخلية. وفي الاتفاق النووي لعام 2015، قبلت طهران فرض قيود صارمة على برنامجها النووي مقابل تخفيف العقوبات والقبول الضمني بحقها في تخصيب اليورانيوم.
أما اليوم، فيمكن لإيران وقف عرقلة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وربما تقديم تنازلات لاحقاً بشأن برنامجها النووي، في مقابل حصولها من واشنطن على مزيج من تخفيف العقوبات والأموال المجمدة والاعتراف بدور رسمي إيراني في إدارة الممر المائي.
لكن الانتقال من النظرية إلى التطبيق يصطدم بعقبات بالغة الصعوبة. بعضها تقني؛ فإيران لن تقدم التنازلات التي يطالب بها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، فيما يخص برنامجها النووي. في حين لن تكون واشنطن مستعدة لتوفير الحوافز المالية المسبقة التي تطلبها طهران.
غير أن المعضلة الأكبر تتعلق بالحسابات السياسية والاعتبارات المرتبطة بالمكانة والسُمعة. فترامب يريد انتزاع تنازلات واسعة لتبرير حربه التي لم تحقق أهدافها وقراره الانسحاب من الاتفاق النووي لعام 2015. أما إيران، فلن ترضى بمكاسب تقلُّ عمّا حصلت عليه بموجب مذكرة التفاهم الموقعة في حزيران/يونيو الماضي، والتي تعهدت واشنطن بموجبها بتخفيف كبير للعقوبات (…).
صحيح أن الدول الخليجية لا تملك القدرة على تسوية الخلاف المتعلق بالبرنامج النووي، لكنها تستطيع الإسهام في تحقيق قدر من الاستقرار عبر معالجة ملفات أساسية أخرى، مثل تقديم حوافز اقتصادية فورية للنظام الإيراني، على شكل تمويل إنساني أو مساهمات في إعادة الإعمار. وفي المقابل، توقف إيران هجماتها على السفن التي تعبر مضيق هرمز وعلى الدول الخليجية نفسها. بعد ذلك، ترفع واشنطن حصارها، فيما تتفق دول الخليج وإيران على إنشاء آلية مؤقتة لتنسيق الملاحة ومنع الاحتكاك البحري. وتتيح هذه الآلية الاعتراف بدور إيران في المضيق، من دون تكريس سوابق من شأنها الإضرار بقواعد التجارة الدولية. وقد تلزم السفن باتباع مسارات الملاحة التي تفضلها إيران، من دون أن تمنح طهران اعترافاً رسمياً بالسيطرة على الممر المائي.
لكن هذا الترتيب لن يعالج أحد الأهداف الإيرانية الأساسية الأخرى، وهو منع الولايات المتحدة وإسرائيل من شنّ عدوان جديد. ويظلُّ هذا الملف أكثر تعقيداً. فحتى إذا كانت واشنطن تفتقر إلى تصورٍ واضحٍ لنهاية عسكرية حاسمة، وكانت الحرب تفتقر إلى الشعبية داخلياً، فإن ذلك لم يمنع ترامب من إعداد خطط لاستئناف العمل العسكري.
في المقابل، تستطيع الدول الخليجية تقديم تطمينات لطهران بأنها ستستخدم نفوذها لدى واشنطن للمساعدة في ردع أي هجمات مستقبلية. ومن الأمثلة على ذلك أن الكويت والسعودية رفضتا، في أيار/مايو الماضي، السماح للجيش الأميركي استخدام أراضيهما وقواعدهما وأجواءهما لتنفيذ خطة لمرافقة السفن التجارية عبر مضيق هرمز، ما اضطر واشنطن لوقف العملية.
تعزيز التماسك الخليجي
قد تتحفظ الولايات المتحدة على إسناد ملف التفاوض مع إيران إلى الدول الخليجية، لكنها تستطيع في نهاية المطاف تسويق الاتفاق داخلياً باعتباره إنجازاً. فترامب، مثلاً، يمكنه إنهاء الحرب وإبلاغ الأميركيين بأنه أنقذ العالم من ارتفاع أسعار الطاقة، من دون تقديم تنازلات اقتصادية ونووية لإيران مماثلة لتلك التي قدمتها إدارة سلفه باراك أوباما بموجب اتفاق 2015.
كما يمكنه التفاخر بالخطوات التي اتخذها لإضعاف إيران، والتأكيد أن عقوبات “الضغط الأقصى” التي يعتز بها لا تزال قائمة في غياب اتفاق نووي. ومن بعض الوجوه، يتوافق الاتفاق الذي تتوسط فيه دول الخليج تماماً مع نهج السياسة الخارجية القائم على شعار”أميركا أولاً” الذي وعد به ترامب؛ إذ يتيح لدول المنطقة تحمل عبء إدارة طرف يُنظر إليه باعتباره مصدر تهديد، بما في ذلك تولي مسؤولية تقديم معظم التنازلات المطلوبة.
وقد يجد ترامب نفسه أمام هذه النتيجة من دون أن يكون قد خطط لها، لكنه سيغادر منصبه، وفق هذا التصور، تاركاً وراءه حلفاء أكثر قدرة على إدارة أمنهم بأنفسهم.
أما إيران، فلن تجني مكاسب اقتصادية كبيرة فحسب، بل قد تحقق أيضاً هدفاً استراتيجياً يتمثل في تقليص النفوذ الأميركي في المنطقة. فإذا أقدمت إسرائيل أو الولايات المتحدة لاحقاً على تقويض هذا الترتيب، فلن يؤدي ذلك إلا إلى تسريع تراجع مصداقية واشنطن ونفوذها لدى شركائها الخليجيين. فقد وضعت الولايات المتحدة علاقاتها بهذه الدول بالفعل تحت ضغط شديد جراء عدوانها على إيران، وهي حرب لم تطلبها تلك الدول وتكبدت بسببها عواقب خطيرة (…). وقد أكدت إيران مراراً أن أولويتها الرئيسية هي إنهاء الحرب وفق شروط تقلص احتمالات اندلاع مواجهة جديدة مستقبلاً (…).
فإذا انتهت الحرب في نهاية المطاف، فإن أي رئيس أميركي سيجد نفسه أمام حسابات مختلفة في المرة المقبلة التي يطلب فيها رئيس وزراء إسرائيلي موافقته على شنّ هجوم ضد إيران. إذ سيتعين عليه الموازنة بين المصالح الأمنية الإسرائيلية ومخاطر زعزعة استقرار الاقتصاد العالمي. وفي غياب اختراق نووي إيراني أو هجوم إرهابي واسع النطاق، قد لا يكون التهديد الإيراني كافياً لتبرير المخاطر التي قد يتعرض لها الاقتصاد العالمي.
وقد تختار إسرائيل التحرك بصورة منفردة بعيداً عن الولايات المتحدة، لكن مثل هذه الخطوة ستنطوي على مخاطر إضافية، أبرزها إلحاق المزيد من الضرر بالعلاقة الأميركية-الإسرائيلية، فضلاً عن تعريض إسرائيل لرد إيراني من دون حماية أميركية.
غير أن فاعلية هذه المعادلة الردعية تظل مرهونة بإنهاء الحرب الراهنة. فوقف الحرب من شأنه أن يُبقي مضيق هرمز والموقع الجغرافي لإيران ورقة ضغط استراتيجية تجعل أي هجوم مستقبلي عليها مكلفاً للولايات المتحدة وإسرائيل، نظراً إلى ما قد يترتب عليه من تهديد لأمن الملاحة وإمدادات الطاقة العالمية. أما إذا استمر الصراع، فقد تتحول هذه الورقة من مصدر قوة وردع لإيران إلى عامل يستدعي مزيداً من الضغوط والتدخلات العسكرية الدولية لضمان أمن الملاحة، بما يؤدي إلى تآكل الضمانة الأمنية التي يوفرها موقع إيران الجغرافي. وكلما طال أمد الحرب، تعززت حجج إسرائيل وأميركا لإسقاط النظام في إيران أو مواصلة الحرب حتى تحقيق هذا الهدف.
وفي المقابل، إذا لم يتمكن ترامب من إيجاد حل لارتفاع أسعار الطاقة يتيح له إنهاء الانخراط في الحرب مع إيران، فسيظلُّ يبحث عن مخرج. وقد يدفعه تعثره في إيجاد هذا المخرج إلى تصعيد المواجهة واللجوء إلى خيارات عسكرية هجومية لم تُستخدم بعد، مع احتمال تقديم مبررات جديدة لتسويغ استخدامها.
الخيار الأقل سوءاً
تستكشف إيران والدول الخليجية بالفعل مسارات إقليمية للتوصل إلى حلول للصراع. ففي 26 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، توجه مسؤولون سعوديون إلى طهران للقاء نظرائهم الإيرانيين، بمشاركة قادة من باكستان وتركيا.
وكانت دول الخليج قد خططت أيضاً لعقد اجتماع مع إيران في صلالة (سلطنة عُمان)، في 14 أيلول/سبتمبر، لبحث ملف مضيق هرمز. غير أن الاجتماع لم يُعقد. وفي غياب تسوية إقليمية أوسع، قد تلجأ الدول الخليجية بدلاً من ذلك إلى إبرام اتفاقات ثُنائية غير معلنة مع إيران، بهدف تفادي هجمات مستقبلية على سفنها أو أراضيها.
قد تساعد هذه التفاهمات في تخفيف الأضرار التي تتكبدها كل دولة خليجية على حدة على المدى القصير، لكنها لا تعالج التداعيات العالمية الناجمة عن الخلافات المتعلقة بمضيق هرمز (…). وكما ذكرنا سابقاً، فإن التوصل إلى اتفاق قابل للتطبيق يتطلب من الدول الخليجية تعزيز تماسكها الداخلي (…)، ويكفي الاتفاق على تحييد الملف الإيراني عن أي خلافات ثنائية أو غير ثنائية والتعامل مع الاتفاق باعتباره أولوية مشتركة (…).
كما ستواجه الدول الخليجية وإيران اختباراً آخر يتعلق بجماعة أنصار الله (الحوثيون). فمن المفهوم أن تُحمّل السعودية إيران مسؤولية الهجمات على أراضيها، بالنظر إلى استمرارها في تقديم دعم تقني ومادي كبير للجماعة (…). لكن إيران لا تملك السيطرة على الحوثيين. ومن هنا، سيكون على إيران مدّ غصن زيتون إلى الرياض (…). ويمكنها، على سبيل المثال، تقديم تعهد موثوق للسعودية بأن الميليشيات العراقية المدعومة منها ستتوقف عن مهاجمة المملكة. فقد كانت هجمات الميليشيات العراقية وراء خروج خط أنابيب النفط الحيوي الذي يربط شرق السعودية بغربها عن الخدمة في 10 أيلول/سبتمبر. كما أن اضطرار السعودية للتصدي لهجمات من الشمال (الحدود مع العراق)، والجنوب (الحدود مع اليمن) يزيد تعقيد مهمة دفاعاتها الجوية التي تواجه ضغوطاً كبيرة بالفعل.
بالطبع، ثمة احتمال كبير أن لا تُفضي كل هذه المساعي إلى اتفاق. فحتى إذا تمكنت الدول الخليجية من تجاوز خلافاتها الداخلية واحتواء مخاوفها بشأن نشاط الحوثيين، فقد ترفض طهران وواشنطن الانضمام إلى التفاهم المقترح. فقد ترى إيران أن إحكام قبضتها على المضيق وقدرتها على التأثير في أسواق الطاقة وخنق إمداداتها يمثلان أفضل ضمانة لأمنها، بينما قد تجد الولايات المتحدة صعوبة حتى في الإقرار ضمناً بأن الحرب لن تحقق النتيجة التي وعد قادتها بها (…). والأهم أن هذا الاتفاق لن يعالج جذور الصراع الأميركي الإيراني، ولا أسباب التوتر بين إيران وجيرانها (…).
لكن، وفي حين أن التوصل إلى اتفاق شامل ليس خياراً واقعياً في الوقت الراهن، فقد تكون التسوية المتعلقة بمضيق هرمز، بوساطة خليجية، هي السبيل الوحيد لإنهاء حالة الجمود المؤلمة التي تستنزف الجميع، والتي قد تستمر سنوات وتتسبب في أضرار متفاقمة للأسواق العالمية.
ومن المرجح أن تبدأ الاستراتيجيات التي اعتمدتها الدول للتخفيف من تداعيات النقص العالمي في إمدادات النفط والغاز بفقدان فعاليتها خلال عام 2027، مع استنزاف الحكومات احتياطياتها الاستراتيجية، وارتفاع الطلب الصيني، وتعرض مسارات الإمداد البديلة من الخليج لهجمات إيرانية.
وقد تتجاوز التداعيات الاقتصادية للصراع أسواق الطاقة، لتقوض الاستقرار الداخلي في أكثر الدول الخليجية هشاشة، أو تؤدي إلى إشعال صراعات قديمة من جديد، على غرار ما حدث في اليمن هذا العام.
وعليه، فإن اتفاقاً تتوسط فيه دول الخليج يمثل الخيار الأقل سوءاً. وتكمن مفارقة هذا الصراع في أن الأطراف التي وقفت على هامشه وتكبدت بالفعل أكبر الخسائر، ستكون هي نفسها مطالبة بإنقاذ الأطراف المتحاربة من تداعيات خياراتها.
– ترجمة بتصرف عن “فورين أفيرز“.
(*) أليسون ماينور، مديرة “مشروع التكامل في الشرق الأوسط” في المجلس الأطلسي (Atlantic Council)، ونائبة المبعوث الأميركي الخاص إلى اليمن (2021-2023).
(**) نيت سوانسون، باحث أول مقيم ومدير “مشروع استراتيجية إيران” في المجلس الأطلسي، ومدير ملف إيران في مجلس الأمن القومي (2022-2025). وفي ربيع وصيف عام 2025، كان عضواً في فريق التفاوض الخاص بإيران التابع لإدارة ترامب.
