قال السيد: «كنت أقول إن شاء الله.. والآن أقول الحمد لله».
دوّت في المكان زغاريد مبتهجة، على الطريقة المصرية، وترددت أهازيج عربية احتفالاً بـ«ابننا»، الذي تحدّى البيت الأبيض و«أيباك» وتمويلاتها الضخمة للحيلولة دون دخوله مجلس الشيوخ، فضلاً عن الطعنات في الظهر التي تلقاها من داخل حزبه الديموقراطي.
والمثير للانتباه، والأسى معه، أنه تعرّض في الوقت نفسه لاتهامات مرسلة من داخل وطنه الأم مصر، كأن أصحابها يطلبون إسقاطه بالشبهات، في واحدة من أشرس انتخابات الكونغرس في العصر الحديث، حيث تصادمت المصالح والسياسات والتوجهات المتناقضة بصورة غير مسبوقة.
بأي حساب، لم يكن معقولاً أن يقف أحد هنا، في مصر، في الخندق نفسه الذي تقف فيه «أيباك»، مردداً اتهامات استخدمها ضده الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونائبه، الطامح إلى خلافته في المقعد الرئاسي، جي. دي. فانس.
لم تكن ديانته، في جوهر حملته الانتخابية، موضوع الصراع المحتدم، ولا هويته الأصلية، وإن حاول خصومه تحويلهما إلى سلاح ضده.
فهو مواطن أميركي يخاطب مصالح مجتمعه، بكل ما فيه من تنوع سياسي وديني وعرقي.
بنى حملته على فكرة رئيسية، هي أن أموال دافعي الضرائب ينبغي أن تُوجَّه إلى تحسين الرعاية الصحية والتعليم والبنية التحتية ومستوى المعيشة، لا إلى تسليح دولة الاحتلال وتمويل سياسات التمييز العنصري والحروب والإبادة الجماعية.
بدت حملته ذات طبيعة مزدوجة، تربط بين مناهضة الحرب على إيران، التي شجّعت عليها إسرائيل، والأوضاع الاقتصادية المتأزمة التي نالت بفداحة من جيوب المواطنين، إثر اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وأزمة الطاقة التي امتدت تداعياتها إلى العالم بأسره.
الحرب والاقتصاد معاً أسهما في تراجع شعبية ترامب بمعدلات لافتة للانتباه.
لم يكن عبد الرحمن السيد أول من ارتفع صوته ضد النفوذ الإسرائيلي في دوائر صنع القرار الأميركي، ولا أول من دعا إلى وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل، لكنه بدا من أكثر الأصوات وضوحاً وإقناعاً، في بيئة سياسية واجتماعية باتت مهيأة لتلقّي خطاب راديكالي لم يكن ممكناً تخيّل اتساع تأثيره قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما تلاه من إبادة جماعية وتجويع ممنهج لأهالي قطاع غزة.
انسجم صوته مع موجات الغضب التي اجتاحت جامعات النخبة الأميركية وشوارع المدن الكبرى على مدى ثلاث سنوات.
ومن المفارقات أن نشطاء يهوداً كانوا في طليعة الاحتجاجات الطلابية والشعبية ضد آلة الحرب الإسرائيلية.
كما برز السيناتور بيرني ساندرز، الأب الروحي للتيار التقدمي داخل الحزب الديموقراطي، بين أبرز الأصوات السياسية المناهضة للحرب والمؤيدة لتغيير السياسات الأميركية تجاه إسرائيل.
وإلى هذا التيار ينتسب عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني، وجيل جديد من السياسيين، بينهم طبيبان من أصل مصري، هما عبد الرحمن السيد وآدم حماوي، العضو المنتخب عن الدائرة الثانية عشرة بولاية نيوجيرسي في مجلس النواب.
وفي سجل حماوي أنه دخل غزة المحاصرة عام 2024، ضمن مهمة طبية تطوعية، لإجراء عمليات جراحية وترميمية للمصابين الذين نالت من وجوههم وأجسادهم وحشية القنابل الإسرائيلية.
هناك فارق جوهري بين المتن والهامش في قضية السيد وحماوي.
فانتصارهما يمثل هزيمة موجعة للتيار المؤيد لإسرائيل داخل المؤسسات السياسية الأميركية، لكنه جولة في معركة طويلة وشرسة، وليس نهايتها.
كما أنه مقدمة شبه معلنة لصدامات مقبلة بين تياري الجمود والتجديد داخل الحزب الديموقراطي.
بدا الحزب، قرب نهاية ولاية جو بايدن، مترهلاً ومنقسماً على نفسه.
ولم تجرؤ كامالا هاريس، نائبة الرئيس آنذاك، على إدانة الإبادة الجماعية في غزة، أو الخروج بما يكفي عن عباءة بايدن السياسية المتهالكة.
وكان ذلك من بين العوامل التي أسهمت في هزيمتها أمام المرشح الجمهوري دونالد ترامب.
عبرت أجيال الغضب عن نفسها في انتخابات التجديد النصفي لمجلسي الكونغرس، التي كانت، في حقيقتها، استفتاءً على ترامب وسياساته العسكرية والاقتصادية.
وكان صعود ممداني إلى رئاسة بلدية نيويورك أحد أبرز التعبيرات المبكرة عن شعبية تيار الغضب والتجديد في صفوف الأجيال الجديدة.

ثم جاء عبد الرحمن السيد، بقدراته الخطابية وما يتمتع به من كاريزما، ليكون رأس حربة في المواجهة الكبرى ضد السياسات الترامبية خلال الانتخابات الأخيرة.
بدت انتخابات ميشيغان ميداناً مفتوحاً لصدام الخيارات والتوجهات والاستراتيجيات، خاصة ما يتعلق منها بإسرائيل وطبيعة العلاقات الأميركية معها.
وأسهمت شتائم ترامب وتجاوزاته في تعزيز التعاطف مع المرشح الديموقراطي الشاب من أصل مصري، الذي تجاوز العقبات والحواجز والألغام التي وُضعت في طريقه.
تحولت مساجلاته إلى مادة إعلامية ساخنة، حتى كادت انتخابات ميشيغان تصبح مقياساً لما قد يحدث في ولايات أخرى.
استثمر عبد الرحمن حماقات ترامب بكفاءة لافتة للانتباه، تبدّت فيها روح السخرية التي تشبه خفة الظل المصرية، ولا سيما الإسكندرانية.
لم يتنكر لجذوره المصرية، ولا لولعه بـ«الطعمية» و«المانجو» وأعمال عادل إمام المسرحية والسينمائية.
أكسبته روح الدعابة قدرة استثنائية على اجتذاب العقول والمشاعر معاً.
«جي دي.. حبيبي!».
هكذا شاغب السيد نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس، في خطاب النصر، بعد أن كان الأخير قد وجّه إليه اتهامات قاسية بالتطرف.
لكن فانس، بحكم موقعه رئيساً لمجلس الشيوخ، سيكون عليه أن يشارك في مراسم تسلّم السيناتور الجديد مهامه مطلع يناير/كانون الثاني المقبل.
تحول التعبير الساخر إلى «ترند» اجتاح وسائل التواصل الاجتماعي، وتناولته وسائل إعلام دولية أخذت تشرح لمشاهديها معنى «حبيبي» في اللغة العربية. كما ظهر على ملصقات وقمصان، كأنه صرعة شبابية واسعة النطاق.
وبدا ذلك التعبير، من دون قصد ربما، افتتاحاً مبكراً لاحتمال أن يتواجه الرجلان في انتخابات رئاسية مقبلة.
بصورة أو أخرى، طرح «ابننا» نفسه على جدول أعمال المستقبل.
ويرى بعض المتابعين أن مساره قد يحمل شيئاً من تجربة باراك حسين أوباما، الرئيس الأميركي الرابع والأربعين، الذي تولى منصبه في 20 يناير/كانون الثاني 2009.
فأوباما، المولود في الولايات المتحدة لأب كيني، صعد من عضوية مجلس الشيوخ عن ولاية إلينوي إلى رئاسة الولايات المتحدة خلال فترة قصيرة نسبياً.
وهو سيناريو لا يمكن استبعاده نظرياً مع عبد الرحمن السيد، لكنه بالتأكيد ليس محسوماً، ولا حتى مرجحاً بالضرورة.
فالصراعات محتدمة داخل الحزب الديموقراطي بين تياره التقليدي المحافظ، الذي مثّله بايدن في كثير من سياساته، ولا سيما تجاه إسرائيل، حتى إنه كان يصف نفسه بأنه «صهيوني»، وبين تيار الغضب والتجديد الذي يُعزى إليه جانب مهم من الانتصارات الديموقراطية الأخيرة.
وإذا تحقق مثل هذا السيناريو مستقبلاً، فماذا نحن فاعلون؟
إن أي إجابة عاقلة تستدعي الاحتفاء بعبد الرحمن السيد، والاتصال به والتواصل معه، واعتبار فوزه إنجازاً حقيقياً لمصري من أصولنا، ودليلاً إضافياً على قدرة مصر على إنتاج قيادات سياسية وفكرية وأدبية وعلمية، داخل حدودها وخارجها على قدم المساواة.
بالتأكيد، هناك ما يستحق المراجعة والنقاش في الحوار مع السيناتور المنتخب من أصل مصري، لكن للحوار أصوله وأدبياته، حتى يكون التفاهم ممكناً.
أما ترديد الاتهامات وإطلاق الشبهات بلا دليل، فلا يخدم مصلحة مصر، ولا يحفظ مكانتها، ولا يليق بما حققه أحد أبنائها في معركة سياسية أميركية كبرى.
وأي كلام آخر يستدعي ذلك التعبير الساخر المتداول: «شيء ما أعلى الرأس تعطّل»!
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
