غارة المصنع.. ماذا لو خرق الإسرائيلي قواعد الإشتباك؟

في سياق "المعركة بين الحروب"، وفق المصطلح العسكري الإسرائيلي، أرادت تل أبيب توجيه رسالة إلى حزب الله، بإستهدافها قبل ظهر اليوم (الأربعاء) سيارة مدنية لأحد الحزبيين لحظة وصولها إلى نقطة المصنع الحدودية بين لبنان وسوريا، ما أدى إلى تضررها وعدم وقوع ضحايا. ما هي أبرز دلالات تلك الرسالة؟

أولاً، ثمة قواعد إشتباك بين حزب الله والإسرائيليين تخص نقاط الإشتباك المحتملة بينهما، وتحديداً على أرض سوريا ولبنان. وهذه القواعد، ولو كانت غير دقيقة أو مكتوبة، لكنها تجعل ذراع كل منهما محكومة بالإدراك المسبق لردة فعل الآخر. على هذا الأساس، يتصرف الطرفان في الفعل ورد الفعل.

ثانياً، هذه القواعد مهما حاول الطرفان التقيد بها أو الإجتهاد خارجها أو محاولة تعديلها بالممارسة، تبقى عرضة للخرق وبالتالي أن يتحمل كل طرف عواقب خرقها، بدليل الخرق الإسرائيلي الذي إستوجب من حزب الله الرد من لبنان على دورية إسرائيلية في أفيفيم في شمال الأراضي الفلسطينية المحتلة في نهاية الصيف الماضي، ردا على إستهداف حي معوض في الضاحية الجنوبية لبيروت بمُسيرتين إسرائيليتين ومقر لحزب الله في عقربا قرب دمشق ما أدى إلى مقتل عنصرين من الحزب.

ثالثاً، طالما أن قواعد الإشتباك عمومية وضبابية، لا شيء يمنع من أن تؤدي في لحظة ما إلى تدحرج يتخذ أبعاداً ميدانية، بما يتجاوز الحدود المرسومة، أي “المعركة بين الحروب”.

رابعاً، لا تنفصل قواعد الإشتباك بين حزب الله والإسرائيليين في سوريا، عن قواعد إشتباك أخرى، في الميدان السوري نفسه. هناك قواعد إشتباك روسية ـ إسرائيلية معمول بها منذ نهاية العام 2015، وبموجبها، لا يحق للإسرائيلي التحليق في الأجواء السورية، أو حتى في الأجواء اللبنانية القريبة، إلا بموافقة أو إذن أو إعطاء علم وخبر مسبق للجانب الروسي، ما يعني كل الغارات الجوية التي نفذها وينفذها الإسرائيليون على الأرض السورية، كانت بعلم وخبر غرفة العمليات العسكرية الروسية في حميميم. زدْ على ذلك، قواعد الإشتباك الروسية ـ التركية أو قواعد الإشتباك الأميركية الروسية إلخ… خلاصة هذه النقطة أن الغارة الإسرائيلية بواسطة طائرة مسيرة والتي إستهدفت سيارة القيادي في حزب الله، إنما تتم عادة بموافقة الجيش الروسي.

خامساً، يقود ذلك لإعادة التأكيد أن روسيا ليست جزءا من “محور الممانعة”، كما يحلو لكثيرين أن يسموها هي أو الصين. روسيا لها مصالحها وأولها الحفاظ على النظام السوري، ربطا بإعتبارات إستراتيجية روسية في المنطقة وتحديداً في المتوسط.

سادساً، برغم حرية الحركة والهوامش التي تتيحها قواعد الإشتباك، فإن حزب الله يتصرف في الجغرافيا اللبنانية والسورية، بوصفه مستهدفاً في كل لحظة، وعلى قاعدة أن الصراع مفتوح، وبالتالي يتخذ إجراءات أمنية وعسكرية، لذلك، لا مواكب ولا بهرجات ولا ثبات في التوقيت والسيارات والمسالك والأهم الإبتعاد عن التقنيات القابلة للرصد مثل الأجهزة الخلوية وغيرها.

سابعاً، يقود ذلك للإستنتاج والتحليل بأن الإسرائيلي كان مدركاً، على الأرجح، طبيعة الهدف، وأطلقت مُسيرته صاروخين على دفعتين، أولهما لم يستهدف السيارة بل قطع الطريق أمامها وعندما لجأ من كان/أو كانوا بداخلها إلى نقطة قريبة من محل الحلويات (الحيدري) في البقعة نفسها، تم إستهداف السيارة وتدميرها بصاروخ ثانٍ، ما يرجح فرضية الرسالة التحذيرية أكثر من إغتيال القيادي نفسه.

هل ثمة علاقة بين الطلعات المكثفة للطيران الإسرائيلي الإستطلاعي في الأجواء اللبنانية في الأيام الماضية، وتحديدا في سماء العاصمة، وبين ما جرى اليوم (الأربعاء) في منطقة المصنع؟

ثامناً، لا يمنع ذلك من طرح الفرضية الثانية وهي أن الإسرائيلي أخطأ الهدف، وأنه كان يريد إستهداف أحد القياديين، بمعزل عن رتبته ومهمته. في هذه الحالة، هل تجاوز الإسرائيلي قواعد الإشتباك أم لا؟

تاسعاً، يعيدنا السؤال الأخير إلى خطاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، غداة سقوط طائرتين مسيرتين إسرائيليتين في حي معوض في الضاحية الجنوبية لبيروت ليل 24ـ25 آب/أغسطس 2019، ألمح إلى أنه “إذا قتلت إسرائيل أياً من إخواننا في سوريا فسنرد في لبنان وليس في مزارع شبعا”. هذا التعديل في قواعد الإشتباك يعني أن الحزب كان سيرد حتماً، ومن الجانب اللبناني، على إستهداف أحد قيادييه في أرض سوريا.. وبالتالي، كان المشهد مختلفاً لو أن الأمر لم يقتصر على الأضرار المادية.

عاشراً، برغم أزمة كورونا، لا يعدل الإسرائيليون وحزب الله جدول أعمال كل منهما، بالرصد والجهوزية والإستعداد لجولة حتمية ولكنها مؤجلة، طالما أن الإسرائيلي يواجه العديد من نقاط الضعف، ولا سيما في جبهته الداخلية. ولقد جاء كورونا ليزيد المأزق الإسرائيلي، وفي المقابل، بدا حزب الله أكثر إستعدادا في الجبهة الداخلية بدليل المناورة التي قام بها الحزب وأعلن أن حوالي 25 ألف من عناصره (معظمهم من الأطباء والمسعفين) يشاركون في حملة كورونا. وهذه الجبهة الداخلية الإسرائيلية، لم تجد أجوبة على قضية الصواريخ عموماً، فكيف مع الصواريخ الدقيقة التي يقول حزب الله إنه بات يملك ترسانة كبيرة منها، وبمديات مختلفة؟

حادي عشر، في الخطاب نفسه (25 آب/أغسطس 2019)، وجّه نصرالله أول رسالة علنية للإسرائيليين بأن حزب الله بات يمتلك أسلحة قادرة على إسقاط مسيراتهم، وتعهد بإستخدامها، وترجم تعهده، لكن ردة فعله بقيت عند حدود “الرسالة”، أي أنه ليس معنياً بإسقاط كل طائرة إسرائيلية مسيرة تحلق في الأجواء اللبنانية، بمعزل عما إذا كان يمتلك تلك القدرة أو لا يمتلكها، وهذا رهن المفاجآت التي يمكن أن تكشفها الحرب أو بالأحرى تحدد ما يمتلك حزب الله من قدرات.

ثاني عشر، هل ثمة علاقة بين الطلعات المكثفة للطيران الإسرائيلي الإستطلاعي في الأجواء اللبنانية في الأيام الماضية، وتحديدا في سماء العاصمة، وبين ما جرى اليوم (الأربعاء) في منطقة المصنع من إستهداف لسيارة تابعة لحزب الله كانت في طريقها من بيروت بإتجاه الأراضي السورية؟

لا أحد يمتلك جواباً لا بالنفي ولا بالتأكيد، لكن ثمة تقدير أنه بعد تجاوز الأميركيين الخطوط الحمراء بإستهدافهم قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني في كانون الثاني/يناير الماضي، لم يعد هناك من مجال للتردد بأن لا شيء يمنع إسرائيل من إستهداف أي قيادي كبير في حزب الله، سواء بصاروخ أميركي أو إسرائيلي، إذا كان هناك قرار كبير بجر المنطقة إلى ما يتجاوز “المعركة بين الحروب”.

لا يكشف حزب الله كل أوراقه. يترك معظمها للحظة المناسبة، وهي لحظة لا أحد يستطيع التكهن بها. موسم كورونا يضع المنطقة على عتبة إنتقالية تزداد فيها فرص الهدنة.. لا الحروب، بدليل الغارة وقبلها ما يجري في العراق واليمن.. وللبحث صلة.

حسين أيوب

صحافي لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
download udemy paid course for free