يوم الأسير.. سيرة إرادة وشراكة قرار

ذات يوم من العام 1970، وقف وزير حرب العدو آنذاك موشيه ديان، في باحة سجن عسقلان، معلنا قرار جيش الاحتلال الاسرائيلي تحويل المقر السابق  لقيادة القوات البريطانية ابان الاستعمار البريطاني لفلسطين، الى معتقل اطلق عليه اسم "سجن عسقلان المركزي".

في ذلك النهار، وضع موشيه ديان الحجر الأساس لصراع من نوع مختلف من خلال مقولته الشهيرة “افراغ الاسرى من محتواهم الوطني والأخلاقي، واخراجهم من السجون عاهة مرضية وعالة اجتماعية، بحيث يصبحوا مجرد ارقام في مجتمعاتهم”. أسست تلك المقولة إلى مواجهة ما تزال مستمرة بين إرادة يمثلها الأسير، وبين اداة يمثلها الجلاّد.

لم يكن اعلان ديان هذا مجرد تعبير عن سياسة ما وحسب، انما مثّل ذلك، افصاحاً عن العقيدة التي ستبنى لاحقا على اساسها إستراتيجية التعامل مع الاسرى في المعتقلات الإسرائيلية. لهذه الغاية، تبدّت ثلاث حلقات ـ مراحل، هي التحقيق او عملية الاستجواب، المحاكمة، والسجن.

المرحلة الأولى

منذ اللحظة الأولى للاعتقال، تبدأ مرحلة انتزاع كافة المعلومات التي بحوزة المعتقل، تمهيداً للاستفادة منها في تكوين ملف قضائي، عبر دمج الأدلة التي تقدم من خلال الاعترافات بمضمون لائحة الاتهام التي ستقدم في المحكمة العسكرية، في محاولة لاضفاء الشرعية القانونية للمحاكمة على الرغم من إستنادها إلى قوانين قديمة، هي قوانين الانتداب البريطاني لفلسطين للعام 1947. في الوقت نفسه، تبدأ عملية تحطيم إرادة الاسير نفسه من خلال استخدام كافة وسائل التعذيب للنيل منه. وهذه الوسائل تتوزع بين تعذيب يستهدف، من جهة، الجسد عبر اضعافه بحيث لا يقوى على المقاومة والصمود وسط حالة من التنكيل المباشر على مدار الساعة. ومن جهة أخرى، زعزعة الحالة النفسية للاسير عبر اخضاعه لمنظومة من عمليات الضغط الهائلة في ظل التهديد الدائم والترويع المستمرين.

في النتيجة، يكون المعتقل أسير عامل الوقت الذي يتحكم به الجلاد، ومنعزلا بشكل كامل في زنزانة انفرادية يتعرض خلالها لابشع عمليات التعذيب بالترافق مع التشكيك بجدوى الفعل المقاوم الذي هو جزء منه وإعتقل على اساسه.

يصبح مطالباً بالخروج من شرنقة الذات إلى الموضوع. القضية. هو إمتداد  لمعركة سابقة ولاحقة. انه يجسد رأس الحربة في المنازلة القائمة بين محتل يمثله الجلاد، وإنسان حر يمثله الاسير

في هذه المرحلة وهي الأولى، يجري تصوير المواجهة على انها مواجهة فردية شخصية منفصلة عن القضية بشكل عام. الهدف هو وضع الأسير في خانة البحث عن سبل للنجاة بالذات، وايهامه بأن الحل الوحيد امامه هو في الخضوع والاستسلام باعتباره ذلك هو المسار الإلزامي الوحيد للافلات من القصاص ومنحه أسبابا وظروفا تخفيفية.

في المقابل، يجد الأسير نفسه امام معركة وجودية، تتعدى مسالة إخفاء المعلومة التي يريدها المحقق، لتصل إلى إعتبار نفسه جزءا من معركة لم تبدأ مع لحظة توقيفه هو. يصبح مطالباً بالخروج من شرنقة الذات إلى الموضوع. القضية. هو إمتداد  لمعركة سابقة ولاحقة. انه يجسد رأس الحربة في المنازلة القائمة بين محتل يمثله الجلاد، وإنسان حر يمثله الاسير. يجد نفسه أمام تراكم تاريخي بين الإثنين. خسارة نفسه هي خسارة لكل ما يقف خلفه من بعد وطني وإنساني وأخلاقي. لا يضع الأسير نفسه أسير معادلة التحايل على المحقق بقول إسم مغاير أو معلومة مغايرة. صحيح أن الكشف عن إسم أو معلومة هو فعل خيانة، لكن المنطلق هو أن المحقق/ الجلاد لا يملك، بالأصل، شرعية السؤال.. لذا، ليس من حقه الحصول على إجابة، بمعزل عما إذا كانت صحيحة أم لا.

المرحلة الثانية

يكمن جوهر المرحلة الثانية في محاولة افراغ الأسير من محتواه. ترسيخ الإدانة من خلال المحكمة العسكرية واخضاع الموقوف لقوانين الاحتلال. الحافلة العسكرية التي تنقلك من المعتقل مجهزة بدقة. العلم الإسرائيلي المرفوع في اكثر من زاوية من زوايا قاعة المحكمة وخلف منصة قضاة المحكمة. الهالة المحاطة بالقاضي مرورا بكل الإجراءات بما فيها تحضير لائحة الاتهام، والمرافعات وغيرها. ليست هذه كلها تفاصيل بسيطة. انها مشهدية كاملة من الناحية الشكلية وفيها كل عناصر القانون، ولو أنها في الجوهر مستقاة من استعمار سابق. وظيفة المشهدية ردعية ليس بمفعول رجعي بل بمفعول مستقبلي. ردع الحالة المشابهة لحالتك مستقبلا. الاسير المحكوم هنا لا يُحاكم ويُحكَم كشخص اقدم على فعل ما انما يُحكم كفعل قادم يتعلق بالاخرين. في المقابل، يجد الأسير نفسه أمام محاولة صياغة معادلة مغايرة. موقف نفسي كبير. موقف ذهني أكبر. نزع المشروعية عن كل من يضع الأغلال في يديه. تسجيل الموقف اكثر من مطلوب في هذه اللحظة ولو كان بسيطاً جداً مثل رفض الوقوف أمام القاضي وعدم الامتثال لمجريات المحاكمة.

ثمة مسرحة مفضوحة للأشياء. تلاوة الاحكام سريعا إلى درجة تجعل الأسير يعرف حكمه من خلال مضمون جلسات استجوابه. المحكمة ليست اكثر من مسرحية تمارس باتقان ويلعب الأدوار على المسرح محترفون يجسدون بزيهم (العسكري) الاحتلال. ثمة ضابط وعسكري في الميدان. في المقابل، هناك عسكري بلباس قضائي. محقق او جلاد غالبا ما يرتدي الزي المدني. هم كلهم جزء من مسرحية تهدف إلى اختراق الحاجز النفسي بين الأسير ومعذّبه للوصول الى مرحلة “متلازمة استوكهولم”، أي ترميم العلاقة والتعاون والشعور بالشفقة إلخ..

المرحلة الثالثة

اما المرحلة الثالثة، فهي عنوان المواجهة الحقيقية والمفتوحة. صراع الارادات. بعد الانتهاء من المرحلتين الأولى والثانية، تبدأ منازلة من نوع آخر في الزنازين المكتظة بالاسرى من كل الاتجاهات والمناطق والشرائح والفئات. منازلة تخضع بدورها لتدرج في مستوى المواجهة. من الغرف التي كان يتحكم بها العملاء في المراحل الأولى لافتتاح المعتقلات الى مرحلة قدرة الأسير على السيطرة ليس فقط على قرار السجن وتسلم مفتاح بدء المعركة به او انهائها، انما أيضا في وصول الأسير الى كونه في صلب المعادلة الوطنية الفلسطينية. شريك في صنع القرار، وان من خلف القضبان.

في كل بيت فلسطيني أثر للقضية المشرعة منذ سبعين عاماً. شهيد. أسير. معتقل. لاجىء. قرابة المليون فلسطيني دخلوا المعتقلات والسجون الإسرائيلية منذ العام 1948 الى يومنا هذا

طوال سنوات طويلة، راكمت الحركة الوطنية الاسيرة منجزات كبيرة. استخدمت حرب الأمعاء الخاوية (الاضرابات المفتوحة عن الطعام) لانتزاع المطالب، وفرضت على إدارة السجون الرضوخ لتلك المطالب. نتج عن ذلك تغيير جذري في الواقع اليومي للاسير وتمكنه من التحكم بالغرف وفرزها على أسس سياسية وحزبية ووطنية حيث تمارس الحياة الاعتقالية وفق أسس ومبادئ حزبية وتثقيفية، سواء في الغرف أم في الساحة العامة للمعتقل من خلال إقامة الأنشطة على اختلافها وصولاً إلى تشكيل هيئة لادارة المعتقل يكون على راسها ممثل للمعتقلين تتعامل معه إدارة السجن على انه الناطق الرسمي بإسمهم.

يوم الأسير الفلسطيني

يقبع حالياً في سجون الإحتلال الإسرائيلي قرابة 5700 اسير، بينهم 700 اسير يعانون من امراض مزمنة (30 حالة سرطان)، وقرابة 41 اسيرة، وفتيان هم دون سن الثامنة عشرة يبلغ تعدادهم 180 اسيرا، اما عدد الاسرى الإداريين (وهو اجراء اداري يتخذ بحق الأسير بسبب عدم امتلاك مواد لادانته)، فقد بلغ 480 معتقلاً ادارياً، صدرت بحق 92 منهم أوامر إدارية باعتقالهم. اما البقية، فهم رهن التوقيف. هناك أيضا 6 نواب من المجلس التشريعي الفلسطيني، و26 اسيراً مضى على اعتقالهم اكثر من 25 عاماً، بينهم اسرى منذ 38 عاما خلف القضبان، مثل كريم يونس وماهر يونس، وأسرى منذ 34 عاما مثل وليد دقة ورشدي أبو مخ وإبراهيم أبو مخ (مصاب بالسرطان) وجميعهم من المناطق المحتلة عام 48. اما بالنسبة للاحكام، فإن حوالي 570 اسيراً تتراوح احكامهم بين المؤبد وعدة مؤبدات بمن فيهم الأسير الذي يحمل صاحب اعلى حكم في العالم وهو الأسير عبدالله البرغوثي المحكوم لمدة 67 مؤبدا.

في كل بيت فلسطيني أثر للقضية المشرعة منذ سبعين عاماً. شهيد. أسير. معتقل. لاجىء. قرابة المليون فلسطيني دخلوا المعتقلات والسجون الإسرائيلية منذ العام 1948 الى يومنا هذا. منذ العام 1974، ولد “يوم الأسير الفلسطيني”، وهو يوم حدده المجلس الوطني الفلسطيني يوماً لنصرة الأسرى والمعتقلين ووفاءً لتضحياتهم وتكريماً لدماء من سقطوا شهداء خلف القضبان. وفي آذار/مارس 2008، أقرت القمة العربية التي عُقدت في دمشق اعتماد 17 نيسان/ أبريل سنوياً، يوماً في كافة الدول العربية تضامناً مع المعتقلين الفلسطينيين والعرب في سجون الاحتلال الإسرائيلي.

ميزة يوم الأسير هذه السنة، أنه لا يأتي فقط في ظل تفشي وباء كورونا عالمياً وتهديده حياة آلاف الأسرى في سجون الإحتلال، بل في خضم الإستعداد الفلسطيني لامكانية حصول عملية مرتقبة لتبادل اسرى بين المقاومة والاحتلال، في غضون الأسابيع المقبلة، إذا إستمر المنحى الإيجابي الذي عبّرت عنه في الساعات الماضية القناة 13 التلفزيونية عندما نقلت عن مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى قوله، إنه “نشأت فرصة استثنائية ونادرة من أجل التوصل إلى صفقة أسرى مع حماس”، تستعيد فيها إسرائيل جثتي أورون شاؤول وهدار غولدين، اللذين قتلا خلال العدوان على غزة عام 2014، والمجندين المحتجزين لدى حماس، أبراهام منغيستو وهشام السيد، اللذين دخلا إلى قطاع غزة طواعية بصفة مدنية، وذلك مقابل الإفراج عن عدد غير محدد من الأسرى الفلسطينيين حتى الآن.

في الخلاصة، ما سجله ويسجله الإنسان الفلسطيني والعربي في تجربته الاعتقالية داخل السجون والمعتقلات الإسرائيلية، هو الرد على مقولة موشيه ديان. لسنا أرقاماً بل إرادات وطنية.

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
free download udemy course