ترامب والاستقطاب في زمن كورونا..عندما يتحول الوباء إلى دعاية انتخابية!

يصدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، سيل يومي من التصريحات والقرارات المستفزة والمثيرة للجدل على رأسها تجميد التمويل الأميركي لمنظمة الصحة العالمية، ويتم تسويق كل ذلك كاستراتيجية لمواجهة وباء كورونا. في الواقع لا تهدف هذه القرارات للسيطرة على الوباء وتحجيم انتشاره وتوفير اللازم لإنجاز ذلك على كافة المستويات، ولكنها تنطلق من النظر إليه كفرصة انتخابية ودعائية في عام الانتخابات الرئاسية الأميركية.

أمام أسئلة بديهية من قبيل “كيف لا تستطيع أغنى دولة في العالم توفير الحد الأدنى من الموارد والإمدادات الطبية مثل الكمامات”، صار البيت الأبيض في عهد ترامب منبراً لبث وإشاعة الجهل والتفكير التآمري، الذي يتراوح ما بين اطروحة أن الوباء مجرد كذبة إعلامية في أيام انتشاره الأولى، وبين مهاجمة كل من حذر منه في وقت سابق واعتبار ذلك مؤامرة لفرض التلقيح، ناهيك عن التمهيد لنمط من التكيّف معه واعتياد استمراره كأزمة مزمنة في السنوات المقبل، للحفاظ على نمط الاقتصاد الراهن الذي لا يحبذ توفير جزء ضئيل من موارد الولايات المتحدة لمواجهة خطر الأوبئة، حتى وإن كانت لدواعي الأمن القومي – بحسب ما ورد تقارير رسمية صادرة عن مؤسسات عسكرية واستخباراتية أميركية ناهيك عن المؤسساتناهيك عن الاطر العلمية والبحثية التي حذرت منذ عام 2017 على أقل تقدير من قصور استعدادات واشنطن لمواجهة كارثة من هذا النوع – لتكون المحصلة تساوي “وجهتي نظر” كل من أصحاب بروباغندا المؤامرة وبين العلماء والمتخصصين!

حتى كتابة هذه السطور، لا يبدو أن الوضع الاستثنائي الذي فرضه الفيروس قد أثر بشكل ايجابي على حالة الاستقطاب والصراع الداخلي في الولايات المتحدة، إذ زاد من حدة الانقسام وأوصله إلى مستويات غير مسبوقة، بعدما وصل في الأسابيع القليلة التي سبقت تفشي الوباء إلى مستويات من الشقاق لم تحدث منذ الحرب الأهلية الأميركية، سواء في عدم اقتصار الاستقطاب على أروقة السياسة والإعلام وصنع القرار التي أصبح أشخاصها وعلى رأسهم ترامب يكيلون الاتهامات والقدح لبعضهم البعض، بل امتدت بداعي تضافر أزمة كورونا مع التباطؤ الاقتصادي إلى حد التهديد بالركود في شوارع مختلف المدن الأميركية التي باتت على شفا انفجار في ظل أزمات مركبة أخرها أزمة كورونا، والتي جعلت تجليات الاستقطاب تصل إلى حد التظاهر بالسلاح للمطالبة بإنهاء إجراءات العزل والإغلاق والتباعد الاجتماعي واعتباره “مؤامرة شيوعية”، وتوفير ترامب غطاء شرعي لذلك عبر دعوته لمؤيديه في مختلف المدن والولايات إلى فرض انهاء الغلق والحظر الصحي بالقوة، وخاصة في الولايات التي ينتمي حكامها إلى الحزب الديموقراطي.

لا يبدو أن الوضع الاستثنائي الذي فرضه الفيروس قد أثر بشكل ايجابي على حالة الاستقطاب الداخلي في الولايات المتحدة

ومع احتلال الولايات المتحدة المرتبة الأولى في عدد الإصابات والوفيات، وذلك بموازاة عدم توفر الحدود الدنيا من المستلزمات الطبية وجهوزية الطواقم الطبية، إلى آخر تلك المعوقات التي تحول دون السيطرة على انتشار الوباء، فإن مشهد إدارة الأزمة التي تحولت إلى سياق تنافسي في توظيفها واستثمارها لدواعٍ انتخابية وسياسية، لم تقف عند حدود المنافسة بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي، بل امتدت بدافع من سياسات ترامب وقراراته إلى كافة الأطر وعلى الأخص العلمية الطبية منها، حيث باتت توصيات مختلف الجهات والهيئات الطبية والعلمية، والتي من المفترض أن يكون لها القول الفصل في كيفية إدارة الأزمة، رهن تفاعلات هذا الاستقطاب الانتخابي الذي يبقى في نظر ترامب مجرد مناظرة إعلامية يفوز بها صاحب الصوت الأعلى وليس الأكثر كفاءة ومصداقية وخبرة.

وعلى سبيل المثال، يمكن الحديث عن بديهيات الصحة العامة والطب الوقائي، بل وحتى بروتوكولات العلاج، التي يتدخل ترامب فيها مباشرةً، فيوصي باستخدام أدوية والشروع في إجراءات تخفيف العزل والحظر والتباعد على الرغم من تحذير الأطباء وعلى رأسهم اللجنة التي شكلها البيت الأبيض، والتي بات رئيسها، أنتوني فوشي، تحت تهديد القتل فقط لأنه أظهر امتعاضه الساخر من تصريحات ترامب وعارض معظمها بشكل علني!

وعلى تعقُد المشهد الراهن في واشنطن، فإن السمّة الرئيسية في تعامل الإدارة الأميركية مع أزمة كورونا تكمن في صعوبة الفصل بين الداخل والخارج في سياسة تحميل المسؤولية وإلقاء اللوم التي يمارسها ترامب بشكل يومي وكأنها هي الفعل السياسي الوحيد الممكن تجاه إدارة الأزمة، والتي باتت استثماراً انتخابياً وتوظيفاً دعائياً أكثر من كونها أزمة لها أولوية الحل والتحجيم أو حتى تقليل الخسائر.

وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن النمط الحاكم لقرارات ترامب وتصريحاته تقوم على أساسين: مهاجمة خصومة في الداخل وإلقاء اللوم على الخارج، في موازاة التنصل من أية مسؤولية عن أي قرار سابق له وتحميل تداعياته لتفسيرات الإعلام “الكاذب” على حد تعبيره!

البرنامج الانتخابي لدونالد ترامب أصبح توظيف تداعيات الوباء الكارثية

وإذا ما أضفنا أبعاداً انتخابية ودعائية، فإن أزمة كورونا التي كشفت وهن وهشاشة “الإنجازات” الاقتصادية ومعدلات التشغيل التي كان ترامب حتى أسابيع قليلة مضت يزهو بها، وهوت الآن إلى نحو 22 مليون – وهي النسبة الأكبر في تاريخ الولايات المتحدة من الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي – تكشف عن أن الرئيس الأميركي تعاطى مع هذا الانكشاف بإذكاء الاستقطاب والانقسام الداخليين، ومن آخر فصوله دعوته لمؤيديه للتظاهر -بالسلاح أحياناً- من أجل عودة الأنشطة الاقتصادية وليس السيطرة على الوباء، وتحميل الديموقراطيين، وعلى رأسهم رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي والمرشح الرئاسي جو بايدن، مسؤولية إفقار ملايين الأميركيين لمعارضتهم انهاء العزل الصحي وتخفيف إجراءات التباعد الاجتماعي دون توفير إجراءات وقائية وموارد علاجية، وذلك بموازاة قرارات اقتصادية صدرت عن البيت الأبيض لصالح أصحاب رؤوس الأموال ورجال الأعمال!

التناقض السابق لم يقتصر على القرارات الاقتصادية، بل يمكن القول أن توظيف الرئيس الأميركي لتداعيات الوباء الكارثية أصبح هو برنامجه الانتخابي الذي يمكن تلخيصه في أن أي شخص غيره يمكن أن يتحمل مسؤولية الأزمة، سواء كان سياسي من الحزب الديموقراطي، أو مسؤول تنفيذي، أو حتى طبيب وعالم اوبئة، بل حتى رموز من الحزب الجمهوري نفسه، مثل المرشح السابق ميت رومني الذي انتهز ترامب الأجواء الحالية لتصفية حساباته معه على خلفية موقف الأول من مسألة العزل الرئاسي.

أما على مستوى خارجي، فإن سلوك الإدارة الأميركية في الآونة الأخيرة لم يختلف عن أي وقت سابق، حيث مثل “الخارج” مهرباً آمن من أزمات الداخل وفرصة لتسجيل “نجاحات” توظف إعلامياً للتدليل على نجاح ترامب واستحقاقه الفوز بولاية ثانية.

وليس هناك أبرز من الاتفاق التجاري بين واشنطن وبكين، الذي أتى بعد أعوام من الحرب الاقتصادية بين البلدين، وفرصةً للتهدئة في عام الانتخابات، والذي كان محفز ابرامه الأساسي عند الإدارة الأميركية هو ضمان تصويت القاعدة الأكبر من المزارعين الأميركيين من خلال تسويق انجاز على شاكلة شراء الصين منتجات زراعية أميركية بـ200 مليار دولار.

حصل ذلك في الأسابيع الأولى لانتشار كورونا داخل الصين وخارجها، وقد رحب ترامب في ذلك الوقت بجهود بكين في مكافحة الفيروس، الذي ما لبث أن تحول إلى إلقاء اللوم عليها، عندما اجتاح الفيروس المدن الأميركية وعلى رأسها نيويورك، التي سجلت وحدها معدل إصابات ووفيات تجاوز كل من الصين وإيطاليا واسبانيا، وذلك بالتوازي مع انحدار خطاب ترامب الذي تبدى في استخدام عبارات ومسميات عنصرية حوّلت أعداد ضحايا الوباء إلى مجال للمضاربات والمراهنات مثلما هي حال خبرته السابقة كسمسار ومضارب عقارات!

وعلى نفس المنوال، فإن الفارق الأهم الذي أحدثته كارثة كورونا في خطاب وسياسات ترامب الداخلية، هو إلحاق أطراف خارجية في عملية إلقاء اللوم المستمرة والتنصل من المسؤولية في الكارثة المحلية التي تعاني منها الولايات المتحدة حالياً، سواء كانت فيروس كورونا أو الانهيار الاقتصادي الوشيك، وذلك بعد تعويل الرئيس الأميركي خلال العامين الماضيين على أن أرقام الاقتصاد ومعدلات التشغيل، والاتفاقيات الاقتصادية المليارية التي عقدتها بلاده، ستكون كافية لتشكل الحامل الاقتصادي لفوزه بولاية ثانية، لتأتي أزمة كورونا وتكشف هشاشة هذه “المنجزات” التي لم تكفل لـ40% من الأميركيين ما يقدر بـ400 دولار كحد أدنى لتأمين صحي لهم اجراء فحص الفيروس.

إسلام أبو العز

كاتب صحافي ومحلل مختص بالشؤون الإقليمية والعلاقات الدولية - مصر

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy course download free