تركيا: سيرة إنقلابية من مندريس إلى “صاحب الجبة”!

يحلو لبعض القيادات السياسية والحزبية في الحكم والمعارضة واقلام كثيرة في تركيا ابقاء موضوع الانقلابات واحتمال حدوثها على درجة عالية من السخونة، سياسياً وإعلامياً.

طُرح موضوع الإنقلابات مجدداً قبل عدة أشهر، بذريعة تقاطع مصالح محلية واقليمية بهدف تصفية الحسابات مع حزب العدالة والتنمية الحاكم ومحاولة زرع فتنة سياسية وامنية داخلية، كما قيل وقتها. ثم طرح مجدداً عبر سيناريوهات تتحدث عن خطط تحريك الشارع نحو العصيان المدني والتمرد على سياسات وقرارت حكومة حزب العدالة للعودة الى النظام البرلماني.

من هو صاحب المصلحة في تشبيه بارومتر الانقلابات بوضعية الزلازل والربط بينهما كقدر لا مهرب منه برغم استحالة معرفة ساعة الصفر فيهما؟

تعرف غالبية الاتراك أن الحديث عن محاولة انقلابية جديدة بطابع كلاسيكي تنفذها مجموعة من كبار الضباط في المؤسسة العسكرية للذود عن العلمانية والاتاتوركية مسألة لم تعد مقنعة لأحد، ولأكثر من سبب، فالاجهزة الامنية تقول انها ما زالت في حالة استنفار كامل، داخل تركيا وخارجها لاعتقال ما تبقى من فلول كوادر “الكيان الموازي” المرتبطة بجماعة فتح الله غولن المتهم الاول بتنفيذ محاولة الإنقلاب قبل أربع سنوات، والمعارضة تذكر بحملة تغييرات وتعديلات دستورية وادارية ومؤسساتية واسعة في أهم المؤسسات الحكومية والخاصة، فمن سيجرؤ على القيام بتحرك عسكري جديد من هذا النوع؟

هنا، يصبح السؤال: لمصلحة من ابقاء مواضيع من هذا النوع في قلب النقاشات السياسية والاعلامية مع انه من المفترض أنها تؤثر على وضعية الاقتصاد والتجارة والسياحة والاستثمارات الخارجية في تركيا التي باتت اليوم تحت رحمة مسار ومستقبل فيروس كوفيد ـ19 والفترة الزمنية التي سيمضيها متحكماً بمفاصل العديد من القطاعات ونمط العيش اليومي؟

بدأ التصعيد هذه المرة من خلال تصريحات وتهديدات مبطنة لاصوات قيادية في “حزب الشعب الجمهوري” المعارض. رئيسة حزب الشعب في إسطنبول، جنان قفطانجي أوغلو تقول إن النظام “سوف يتغير قريباً، سواء بالانتخابات المبكرة أو بطريقة أخرى”، أما نائب رئيس الكتلة البرلمانية للحزب، أوغور أوزال، فيقول إن النظام الرئاسي “يقترب من نهايته”، وأن الاوضاع “ستعود الى سابق عهدها مع النظام البرلماني”، وهذه التصريحات وغيرها فُسّرَت من قبل قيادات العدالة والتنمية والاقلام المحسوبة عليها، بأنها عبارة عن تلويح بمحاولة انقلابية جديدة توصل المعارضة للحكم بعد فشلها في تحقيق ذلك عبر الصناديق والاساليب الديمقراطية. والملاحظ أن زبائن هذه “البضاعة” كثر بين السياسيين والاعلاميين تحديداً لأنها تبقي الاجواء السياسية متوترة ووسط مشادة لم تحسم.

وفق حزب العدالة والتنمية الحاكم، فإن المعارضة متهمة بأنها لن تقول “لا” لأي إنقلاب جديد، وهي مستعدة لاقتناص أية فرصة من أجل الضغط على حكم رجب طيب أردوغان من أجل دفعه نحو انتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة

اسباب التصعيد اليوم معروفة تقريباً، وسط انعدام الرغبة بين الاحزاب التركية في الحكم والمعارضة على تحقيق هدنة لا بد منها من أجل التعامل مع الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد بسبب وباء كورونا. المعارضة ترفع من سقف سخطها وانتقاداتها من جهة؛ وقيادات “العدالة والتنمية ” في الحكم لا تريد أن تمنحها فرصة استغلال ما يجري وتحويله الى اهداف سياسية وانتخابية تسجل في مرمى الحزب، من جهة ثانية.

وفق حزب العدالة والتنمية الحاكم، فإن المعارضة متهمة بأنها لن تقول “لا” لأي إنقلاب جديد، وهي مستعدة لاقتناص أية فرصة من أجل الضغط على حكم رجب طيب أردوغان من أجل دفعه نحو انتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة. في المقابل، تردّد المعارضة ان حزب العدالة بات يستخدم تهمة الانقلاب وشماعة تنظيم  فتح الله غولن للتغطية على الاخفاقات الاقتصادية والمالية ولترهيب أي صوت معارض خصوصاً بعد خسارته رئاسة بلديات المدن التركية الكبرى في الإنتخابات المحلية قبل عام.

أما البعد الخارجي في هذه النقاشات فلم يغب يوماً أيضاً. مؤسسة “راند” الاميركية للابحاث والدراسات المقربة من “الدولة العميقة”، وبعدما نشرت تقريراً مطولاً حول تركيا تحدثت فيه عن احتمال تحرك القوات المسلحة التركية مجدداً بسبب قلق ضباط الصف الثاني في المؤسسة العسكرية من حملات توقيف واعتقالات جديدة ضدهم بتهم المشاركة في المحاولة الانقلابية الفاشلة قبل أربع سنوات، تلتحق أيضاً بموكب من يحاول صب الزيت فوق نار النقاش حول موضوع الإنقلاب وتأجيجه سياسياً وإعلامياً.

واللافت للإنتباه أن المؤسسة العسكرية التركية اختارت لنفسها دائماً مهمة أن تكون الحارس المؤتمن على اسس الجمهورية واركانها الاتاتوركية والعلمانية. تحت هذا الشعار، كانت قيادات عسكرية كبرى تنفذ انقلاباتها او تلوّح بها منذ مطلع ستينيات القرن الماضي. لكن مشكلة هذه المؤسسة الأهم، اليوم، هي في فقدانها لما كانت تملكه من دور ضابط التوازن والإيقاع في الداخل وفشلها في اكتشاف مؤامرة جماعة فتح الله غولن التي نجحت في اختراق صفوفها والوصول الى الكثير من المراكز القيادية العليا في مؤسسة تصدرت واجهة الثقل الاستراتيجي الاقليمي.

بشكل آخر، يمكن القول إن إرتدادات وباء كورونا ما زالت تهيمن على الاجواء السياسية والاقتصادية في تركيا. صحيح أن الارقام تتحدث عن تراجع احتياطي المصرف المركزي وسعر صرف الليرة التركية أمام الدولار الأميركي وثمة انباء أخرى تتحدث عن اتصالات خارجية للعثور على قروض مالية عاجلة، الا أن ذلك لا يعني ان قيادات المؤسسة العسكرية تفكر في خيار مغامر أو أنها قد تمضي في عملية انتحارية من هذا النوع.

“صاحب الجبة احمد خوجا” كشف النقاب عن حلم راوده قبل أشهر حول احتمال وقوع محاولة انقلابية جديدة. التنظيمات السلفية والعناصر المذهبية المتشددة بدأت بالتسلح، “فلماذا تفعل ذلك” كما يسأل؟ ويقدم الجواب أن الانقلاب قد لا تنفذه المؤسسة العسكرية هذه المرة بل هذه الجماعات!

ولعل آخر من التحق بهذه النقاشات هو رجل دين تركي معروف بشعبيته و”نهفاته” وهو “صاحب الجبة احمد خوجا” كما يلقب والذي كشف النقاب عن حلم راوده قبل أشهر حول احتمال وقوع محاولة انقلابية جديدة. التنظيمات السلفية والعناصر المذهبية المتشددة بدأت بالتسلح، “فلماذا تفعل ذلك” كما يسأل؟ ويقدم الجواب أن الانقلاب قد لا تنفذه المؤسسة العسكرية هذه المرة بل هذه الجماعات، على حد تعبيره، كما يرى.. في الحلم طبعاً.

كان الرئيس التركي رجب طيب اردوغان يردّد في ايار/مايو 2019 ان زمن الانقلابات في تركيا انتهى من دون رجعة. وتتوقف استطلاعات راي كثيرة عند تزايد شعبية اردوغان وقدرته على الفوز بسهولة مرة أخرى في انتخابات رئاسية قادمة. لكن المعارضة تقول ان “تحالف الجمهور” الذي يقود المرحلة يعاني من ارتدادات خطر الانشقاقات الحزبية بعد تحرك احمد داود اوغلو وعلي باباجان وتزايد شعبية حزب “ايي”، وهو بين ما يدفعه لابقاء الموضوع في قلب المشهد.

 الواضح أن سبب اعادة احياء موضوع الانقلابات يغلب عليه الطابع الداخلي المرتبط بالتطورات السياسية والحزبية والازمات الاقتصادية والمالية والنقدية. لكن الشق الخارجي له تأثيره أيضاً بسبب ملفات إقليمية دائمة السخونة في كل من سوريا وليبيا وشرق المتوسط وبحر ايجه وفي علاقات تركيا مع العديد من العواصم الاقليمية الفاعلة.

يمكن القول إن محاولة ابقاء موضوع الإنقلاب على الطاولة بالنسبة للحكم والمعارضة إنما يشكل نوعاً من المغامرة السياسية المكلفة، كما أن الاخطر أن تكون ضمن حسابات البعض محاولة افتعال خضات امنية داخلية تفرض التغيير ولا تقل خطورة عن محاولة تحريض العسكر حتى يحسم الامور على طريقته. كما لا يجوز التقليل من أهمية ما يتم ترداده مؤخراً حول إمكان تكرار مواجهة “غزي بارك”، في محاولة لإعادة تذكير الرأي العام بأحداث أيار/مايو 2013 التي أعقبت قرار إزالة حديقة غيزي في إسطنبول، وأدت تلك الأحداث إلى مقتل 11 شخصاً وجرح آلاف الأشخاص، فضلا عن توقيفات وإحتجاجات تمددت من العاصمة لتشمل مناطق تركية عدة.

بعد 60 عاماً من التجارب مع 7 انقلابات او تلويح بها، وبرغم الثمن السياسي والدستوري الباهظ  الذي تحملته البلاد منذ الإنقلاب الأول في مطلع ستينيات القرن الماضي (الإنقلاب على عدنان مندريس في 1960) حتى اليوم، لم يقتنع البعض في تركيا أن التغيير او “الانقلابات المعولمة” لم تعد تعتمد على تحريك الدبابات والمصفحات خارج الثكنات بل هناك وسائل وطرق ضغط سياسية واجتماعية وشعبية بعيدة عن العنف واللجوء الى فوضى الشارع ينبغي قبولها واحترامها وتركها تساهم في رسم السياسات وصناعة القرار.

(*) راجع مقالة الكاتب بعنوان “باباجان يخلط الأوراق”:

https://180post.com/archives/9237

د. سمير صالحة

كاتب وباحث تركي، أستاذ جامعي في القانون الدولي العام والعلاقات الدولية

Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy paid course