ديون المصارف اللبنانية VS تنازل الدولة عن أصولها

علي نورعلي نور23/05/2020
في الشكل، أرادت جمعيّة المصارف في لبنان القول أنّها تريد من خطّتها المقترحة المساهمة في النقاش القائم حول الحلول الممكن إعتمادها لإخراج لبنان من المأزق أفقتصادي والمالي الراهن. وفي الشكل أيضاً، أرادت المصارف أن تصوّر نفسها طرفاً يمثّل في مقترحاته مصالح ثلاثة ملايين مودع. لكنّ في المضمون، هذه أولى خطوات الجمعيّة للإنطلاق في سجال تقني مع الدولة اللبنانيّة، عنوانه حماية رساميلها بالتحديد من أي توزيع للأعباء في المعالجات المقبلة.

في أوّل صفحة من الوثيقة المكوّنة من 46 صفحة، تضع جمعيّة المصارف الفرضيّة الأساسيّة التي تقوم عليها كل بنود الخطّة المطروحة من قبلها: “القطاع المصرفي سليم ولا يحتاج إلى رزمة إنقاذ، المصارف تحتاج فقط أن تدفع الدولة ديونها”. وعند المضي قدماً في قراءة الخطّة، سيكتشف القارئ سريعاً أن الجمعيّة لم تبذل لاحقاً الكثير من الجهد لتثبت أو تناقش صحّة هذا الشعار، بل مضت قدماً فيه كمسلّمة لتوجّه كل مقترحاتها نحو مكان واحد فقط: السبل الممكنة لإستعادة الديون من الدولة اللبنانية.

عمليّاً، تكمن الثغرة الأكبر في الخطّة في هذه المسلّمة بالذات، ومن البديهي أن يستغرب القارئ هنا وقوع جمعيّة متخصّصة بالشأن المصرفي في هفوة كبيرة من هذا النوع، عبر بناء دراسة معمّقة على فكرة ركيكة كهذه دون إعطائها حقّها في المناقشة أو الشرح. فألف باء العمل المصرفي يقوم أوّلاً على مبدأ حُسن الإئتمان، أي تحمّل المصارف مسؤوليّة حماية أموال المودعين، من خلال الحرص على نوعيّة توظيفاتها. وبالتالي، فمن الغريب أن تلجأ دراسة مصرفيّة ما إلى الفصل بين درجة مسؤوليّة المصارف وتعثّر الجزء الأكبر من توظيفاتها.

وبمعزل عن الجزء المتعلّق بالمسؤوليّة، تناقض هذه الفكرة أيضاً مبادىء محاسبيّة بديهيّة. فتعثّر الجزء الأكبر من توظيفات المصارف يعني تلقائيّاً ضرب قيمة ونوعيّة موجوداتها، وبالتالي ضرب ملاءتها وسيولتها، وقدرتها على الإيفاء بإلتزاماتها للمودعين. وهكذا، يصبح إدعاء “نحن بخير” التي إفتتحت جمعيّة المصارف الدراسة به فكرة غريبة عن أبسط ركائز العلوم الماليّة والمصرفيّة.

الخصخصة عبر مصرف لبنان

تبني الدراسة على هذه الفكرة، لتحاول معالجة مكمن المشكلة، كما تراها، وهي دفع ديون الدولة. وبحسب الأرقام التي تعرضها، فالدولة مدينة لها بشكل مباشر بحوالي الـ25 مليار دولار فقط، فيما تكمن مشكلة المصارف الأساسيّة في حجم توظيفاتها لدى المصرف المركزي، والتي تتجاوز قيمتها الـ110 مليار دولار. مع العلم أن المصرف المركزي وظّف بدوره نحو 39 مليار دولار من السيولة التي تلقّاها من المصارف في ديونه للدولة، فيما تمثّل القيمة الباقية بغالبيّتها الساحقة الخسائر المتراكمة في ميزانيّته وإحتياطات العملة الصعبة المتبقية لديه.

بدل أن يساهم الدائنون، وفي طليعتهم المصارف، في تحمّل جزء من كلفة التصحيح وإعادة هيكلة الديون، ستكون النتيجة تحميل الكلفة بأسرها إلى اللبنانيين من خلال تنازل الدولة عن أهم أنواع موجوداتها المربحة في أحلك الظروف الإقتصاديّة

بالنسبة للمصارف، تبدأ الطريقة المثلى لمعالجة هذا الواقع بخلق صندوق إستثماري تضع فيه الدولة مجموعة من موجوداتها المدرّة للأرباح، على أن تكون هذه الموجودات بقيمة 40 مليار دولار، وهي قيمة توازي تقريباً ديون الدولة لصالح المصرف المركزي. وبدل أن تصبح الدولة مدينة لمصرف لبنان كما هو الوضع الآن، سيصبح الصندوق المستحدث هو المدين، بينما تبقى ملكيّته الشكليّة للدولة.

في الشكل، سيظل الصندوق وممتلكاته ملك الدولة اللبنانيّة، لكن عمليّاً ستكون الدولة قد عرضت من خلال الصندوق موجوداتها الإستثماريّة والمدرّة للأرباح كضمانة لديونها للمصرف المركزي، المدين بدوره للمصارف. وبالتالي، فعدم قدرة الدولة أو الصندوق على سداد الديون مستقبلاً، كما هو متوقّع، سيعني ببساطة خصخصة كل أو جزء من الموجودات التي قامت الدولة بإيداعها في الصندوق الإستثماري، من خلال مصرف لبنان الذي يلعب دور الوسيط في هذه العمليّة.

الإشكاليّة الأولى في هذه العمليّة تكمن ببساطة في نتيجتها المتوقّعة، فبدل أن تعمل الدولة خلال الفترة القادمة على التفاوض مع الدائنين على حجم ديونها، ستكون قد سددت وبضربة واحدة قدر كبير من هذه الديون من خلال التنازل المتدرّج عن أصولها. وبالتالي، بدل أن يساهم الدائنون، وفي طليعتهم المصارف، في تحمّل جزء من كلفة التصحيح وإعادة هيكلة الديون، ستكون النتيجة تحميل الكلفة بأسرها إلى اللبنانيين من خلال تنازل الدولة عن أهم أنواع موجوداتها المربحة في أحلك الظروف الإقتصاديّة. وهنا ثمة إشارة لا بد منها، وتم التعبير عنها، عشية إنطلاق المفاوضات مع صندوق النقد، ذلك أن خمسين في المئة من اللبنانيين، على الأقل، ليسوا من المودعين في المصارف، وبالتالي، لماذا عليهم أن يتحملوا مسؤولية تسييل جزء من ممتلكات الدولة لمصلحة المودعين؟

الإشكاليّة الثانية في طرح المصارف هنا تكمن في عدم واقعيّته إذا أخذنا في الإعتبار ردّة الفعل المتوقّعة من جانب جهات عدّة. فالدائنون الأجانب لن يوافقوا على هذا الطرح الذي سيعني تخلّي الدولة المدينة لهم عن أصول مدرّة للسيولة، في مقابل نقل هذه الأصول لصالح مصرف لبنان كضمانة لديون الدائنين المحليّين. مع العلم أن هذا الطرح سيعني إنخفاض الملاءة الإئتمانيّة للدولة المدينة لهم، كثمن لتعزيز ضمانات الدائنين المحليين. أمّا صندوق النقد، فمن المستبعد أن يوافق على منح قروض معتبرة للدولة اللبنانية من دون دون ضمانات، بينما تقوم الدولة بتخصيص الأصول التي يمكن أن تشكّل مصدراً للسيولة كضمانة لدائنين آخرين.

وعلى أي حال، وبغض النظر عن رأي هذه الأطراف، ثمّة إشكاليّة تتعلّق بأثر هذا الطرح على ماليّة ومستقبل الدولة نفسها. فالخطّة التي تتحمّس لفكرة تخلّي الدولة عن هذا الحجم الكبير من الأصول، لا تتطرّق إلى الآثار الإجتماعيّة والإقتصاديّة التي ستنتج عن تخلّي الدولة عن موجودات مربحة توازي قيمتها الـ40 مليار دولار، وخصوصاً تلك التي تتصل بماليّة الدولة ودورها، في ظل مرور البلاد بأخطر أزمة ماليّة في تاريخها.

المصارف أرادت من خطّتها التعبير عن التوجّه الوحيد الذي سيخدم مصالحها في المرحلة المقبلة، والذي ترتكّز على ضمان سداد الدولة لإلتزاماتها ولو كان الثمن هو التنازل التدريجي عن بعض أصولها

معالجة ناقصة

بمعزل عن كل تلك الثغرات في طرح المصارف اللبنانية، تكمن الثغرة الأبرز في عدم تطرّق خطّة الجمعية لأهم أجزاء الأزمة الماليّة القائمة اليوم. فتركيز جمعيّة المصارف على مسألة الدين الحكومي، يقابله من الناحية الأخرى تجاهل تام للفجوة القائمة في ميزانيّات المصرف المركزي نفسه، والمتمثّلة بالفارق بين حجم إلتزاماته بالعملة الصعبة والموجودات المتبقية منها. وعمليّاً، من الصعب تصوّر أي معالجة يمكن أن تخرج النظام المالي من تعثّره الحالي، دون التعامل مع هذه الفجوة تحديداً، كما من الصعب تصوّر أي سيناريو يوافق فيه صندوق النقد على تقديم قرض للدولة الماليّة قبل تقديم تصوّر يتمتّع بالمصداقيّة لمعالجة هذه الفجوة.

في الواقع، من المستغرب هنا أيضاً أن تقوم دراسة صادرة عن جهة مصرفيّة متخصصة بتجاهل أهم عنصر من عناصر الأزمة، خصوصاً أن الأرقام المتصلة بفجوة ميزانيّات المصرف المركزي باتت واضحة للعيان. لكن في هذا الجانب من الخطّة، يمكن تفهّم هذا التجاهل من زاوية عدم رغبة جمعيّة المصارف بإحراج حاكم المصرف المركزي، خصوصاً أن رياض سلامة يخوض بدوره سجالاً طويلاً مع وزارة الماليّة والحكومة (ضمناً خطة “لازار”)على خلفيّة طريقة إحتساب الخسائر المتراكمة في ميزانيّات مصرف لبنان وبالتالي الفجوة المقدرة. لكن الخطة وبمجرّد مراعاتها حاكم المصرف المركزي في هذا الموضوع، خسرت جزءاً من مصداقيّتها بفعل تجاهل جانب أساسي من المشكلة التي تحاول التعامل معها.

لبنان بين خطتين: نقطة للحكومة

في حلبة المواجهة الماليّة التقنيّة بين الحكومة والمصارف، يمكن تسجيل نقطة للحكومة حتّى الآن. فخطّة التصحيح المالي التي قدّمتها الحكومة، وبمعزل عن عموميّة الحلول التي تطرحها، قدّمت تشخيصاً واضحاً وشاملاً ودقيقاً للمشكلة القائمة، وخصوصاً من ناحية تحديد الخسائر والفجوات في النظام المالي والنقدي اللبناني، الذي لا يمكن فصل أزمته عن أزمة تعثّر الدولة في سداد ديونها على النحو الذي قامت به دراسة جمعيّة المصارف. وعلى أرض الواقع، من الأكيد أن هذا النوع من المقاربات هو تحديداً ما يمكن الرهان عليه إذا كانت الحكومة تستهدف بالدرجة الأولى الدخول في برنامج مع صندوق النقد الدولي.

أمّا دراسة المصارف من الناحية الأخرى، فبدت قاصرة عن التعاطي مع كل جوانب الأزمة، وخصوصاً في ما يخص فجوات النظام المصرفي ومصرف لبنان، ربّما بسبب كل ما ترتبط به جمعيّة المصارف من إعتبارات تتعلّق بالمصرف المركزي والعلاقة مع حاكم مصرف لبنان. أمّا حلولها، فكانت بعيدة عن الواقع، بإجماع الغالبية الساحقة من الخبراء الذين راجعوا الخطّة.

في كل الحالات، قد لا تكون المصارف فعلاً مهتمّة بطرح معالجات جديّة وذات مصداقيّة للأزمة، خصوصاً أن الدخول في تفاصيل هذه المعالجات سيكون على عاتق مفاوضات الحكومة ومصرف لبنان مع صندوق النقد. لكن الأكيد هو أنّ المصارف أرادت من خطّتها التعبير عن التوجّه الوحيد الذي سيخدم مصالحها في المرحلة المقبلة، والذي ترتكّز على ضمان سداد الدولة لإلتزاماتها ولو كان الثمن هو التنازل التدريجي عن بعض أصولها.

Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
free online course