بين اعتياد العنصرية والرقابة على الانترنت.. ترامب نحو فترة رئاسية ثانية؟

  مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية  الأميركية، تزداد تصريحات وقرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الصدامية، التي لا تهدف إلا تعميق الاستقطاب الداخلي في البلاد إلى درجة غير مسبوقة منذ الحرب الأهلية الأميركية، والتي وصلت حدتها إلى التهديد باستخدام الجيش الأميركي في قمع المتظاهرين داخل الولايات التي تشهد احتجاجات واحداث عنف على خلفية مقتل جورج فلويد على يد قوات الشرطة، التي يزداد دعم ترامب لعنفها المنهجي ضد الأقليات ضمن حزمة قرارات وتصريحات الهدف منها تجييش مؤيديه لتحقيق فوز صعب يقوم بالأساس على تعميق مناخ الاستقطاب وتحويل أوهام التيارات اليمينية المتطرفة والعنصرية إلى واقع مقنن ويستند إلى تفسير ساكن البيت الأبيض للدستور والقوانين الأميركية.

الازدياد المطرد في حدة الاستقطاب في الولايات المتحدة أمسى مقامرة ترامب المفضلة، التي تتحول فيها السياسة من وجهة نظرة إلى مجرد استثمار عالي المخاطر في الأزمات والكوارث، حتى وإن كانت بحجم كارثة تفشي وباء “كورونا” وتداعياته الاقتصادية في المستقبل القريب، والتي يبدو “الكساد الكبير” بجوارها كأنه أزمة عابرة.

لا تجد الإدارة الأميركية أي حرج في تحميل ما يقارب نصف الولايات الأميركية نتائج وتداعيات هذه الكارثة اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً، طالما ظلت محسوبة على الحزب الديموقراطي، فيما تحظى الولايات الجمهورية ونخبها السياسية والاقتصادية بحظ أفضل في تلقي المساعدات الفدرالية، وبخاصة تلك المخصصة لرجال الأعمال والمصارف والمؤسسات الاقتصادية المليارية، وذلك حرصاً من ترامب على حسم تصويت المجمع الانتخابي مبكراً قبيل الانتخابات الرئاسية المقبلة.

الفاشية كوجهة نظر!

تفشي هذا النمط لا يقف عند ثنائية الحزبين الديموقراطي والجمهوري، أو الخلاف بين مختلف المؤسسات التشريعية والتنفيذية والبيت الأبيض، ولكنه يمتد إلى استقطاب زبائني هوياتي لكتل تصويتية كانت في مرحلة ما قبل ترامب وبتعبيره “أغلبية صامتة” ورافضة للتشاركية الانتخابية ككل، وذلك لدواعي دوغمائية وعنصرية، وقد أتيحت لها فرصة فرض هذه الأفكار والهواجس عن طريق ممثل لها لا يختلف كثيراً في ثقافته وخلفيته عن ساكن البيت الأبيض، وهو ما يشابه، في رأي الكثير من رموز الفكر والسياسة في أميركا مثل نعوم تشومسكي وكورنيل ويست وغيرهم، الفترة التي سبقت صعود الفاشية الأوروبية في ثلاثينيات القرن الماضي، والذي استخدمت فيه الديموقراطية التمثيلية والانتخابات كمطية للوصول إلى الحكم، والانقلاب على قيم تأسيسيه كالتي قام عليها المجتمع الأميركي، والتي في رأي كورنيل ثبت أنها في عهد ترامب مجرد “تجربة اجتماعية فاشلة” لتعايش مزمع وحوار اشبه بالحوار بين الرقبة والسيف للأقليات التي ترزح تحت وطأة هوس ترامب ومؤيديه بفرض نمط حياتهم وأفكارهم كمعادل ومحصلة للقيم الأميركية سابقة الذكر.

القرارات والتصريحات الجدلية والاستقطابية الحادة التي تصدر عن ترامب يومياً يدور معظمها حول اعتياد المستهجن والغريب في المجال العام في الولايات المتحدة

من اللافت أيضاً أن سيل القرارات والتصريحات الجدلية والاستقطابية الحادة التي تصدر عن ترامب يومياً يدور معظمها حول اعتياد المستهجن والغريب في المجال العام في الولايات المتحدة، سواء ما يتعلق منها بتقويض “بديهيات” مثل حرية التعبير التي ينص عليها الدستور الأميركي، أو في اعتبار المشاكل المزمنة كالعنصرية وعنف الشرطة ضد الاقليات واعتيادها ومأسستها في الشارع وقوات إنفاذ القانون الأميركية أمراً سجالياً أيضاً يخضع لسردية الرأي والرأي الآخر وحرية التعبير والاعتقاد (!) والأهم هو التلويح باستخدام القوة العسكرية بسلطة ترامب الفدرالية كرئيس ليس لإنفاذ قوانين تقدمية مثلما حدث في عهد رؤساء سابقين وخاصة في مرحلة الستينيات، وإنما لدعم ممارسات عنصرية وقمع الاحتجاجات ضدها!

هنا يصبح ساكن البيت الأبيض ليس فقط مؤيداً وداعماً لكل ما هو عنصري ومتطرف لدواعٍ انتخابية، ولكن أيضاً مصدراً لتقنين هذا النهج ومأسسته بحسب تفسيرات متطرفة لفقرات الدستور الأميركي، ومنها نظرية “التنفيذي الأوحد”، والتي تعتبر في إيجاز أن قرارات الرئيس الأميركي في أوقات الطوارئ والأزمات ملزمة للجميع ومتخطية لمبدأ الفصل بين السلطات، بصفته ممثلاً للشعب الأميركي، وبالتالي فهي بشكل أو بآخر منزهه عن الخطأ، حتى وإن كانت تتعدى على مبادئ تأسيس الولايات المتحدة، مثل الفصل بين السلطة الفدرالية وسلطة الولاية المحلية.

يضاف إلى ما سبق، مواظبة ترامب خلال الأشهر الأخيرة في توظيف الأزمات المتلاحقة – مثل وباء كورونا وتداعياته– أو حتى خلقها لتحميل إخفاقاته الداخلية والخارجية  لمؤامرة ما تتنوع أطرافها بين الإعلام والصين والحزب الديموقراطي، وأخيراً المتظاهرين ضد عنف الشرطة والحركات المناهضة للفاشية والعنصرية، وتصنيفها بقرار رئاسي على أنها تنظيمات إرهابية!

“الديموقراطية تسير وفق البيانات وليس الناس”…

الاقتباس السابق لدومينيك كامينغز، المتخصص في العلاقات العامة ودراسة البيانات والاحصائيات والمدير السابق لحملة “بريكست”، والمستشار الحالي لرئيس الوزراء البريطاني، والذي لعب الدور الرئيسي في هندسة التصويت الذي أفضى إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي اعتماداً على تصميم الدعاية الانتخابية بحسب بيانات الأفراد ودراسة سلوكهم على شبكات التواصل الاجتماعي، وقد اتبع تصريحه بالقول إن “الديموقراطية الليبرالية لم تعد محصورة في تصويت الجمهور ولكنها ترتبط بشكل أهم بخبراء البيانات والاحصاء ومديري الحملات الانتخابية”، وذلك كون ما اصطلح على تسميته باليمين الشعبوي قد قزم الديموقراطية التمثيلية لمجرد عملية دعائية مصممة وفق بيانات وسلوك مستخدمي الانترنت بناء على انطباعات تكونت من خلال خطاب دعائي موجه لهواجسهم الشخصية، أي تقريباً نفس نمط الدعاية لمنتج معين قائمة على مخاطبة وتحريك مخاوف الناس وجعلهم يتخذون قرارات واعية بناء على اختيارات غير عقلانية.

لذلك كان التسلسل الطبيعي لقرارات وتصريحات ترامب في عام الانتخابات يمتد بين نطاقين: الأول نطاق اختبار سلطته كرئيس وتحدي حكام الولايات أو استجابتهم لسلطته الفدرالية وقرارته المثيرة للجدل وسط مناخ الاستقطاب الذي طورته تداعيات وباء “كورونا” وتوظيفه لها من استقطاب سياسي إلى استقطاب اجتماعي يخرج من أروقة الإعلام والسياسة في العاصمة واشنطن إلى الولايات والمقاطعات والمدن، التي تشهد حالياً الانتخابات التمهيدية لكل من الحزبين؛ والثاني هو إخضاع الفضاء الافتراضي للمعايير “الترامبية” أو بالحد الأدنى إقحامها في أتون الاستقطاب والتعجيل بفرض انحياز لكبريات شركات الانترنت ما يجعل مسألة وقانون “حيادية الانترنت” الذي أصدره باراك باراك أوباما، مرهون بالقرارات التنفيذية التي أصدرها ترامب مؤخراً والخاصة بفرض رقابة على هذه المواقع.

نجاح ترامب في انتخابات العام 2016 ينسب جزء كبير منه إلى استحداث طريقة دعاية انتخابية عبر الحصول على بيانات المستخدمين بشكل غير قانوني

جدير بالذكر هنا أن نجاح ترامب في انتخابات العام 2016 ينسب جزء كبير منه إلى استحداث طريقة دعاية انتخابية عبر الحصول على بيانات المستخدمين بشكل غير قانوني لرصد نمط استقطابهم ودراسة سلوكهم، واعتماد بروباغندا تخاطب هواجس المصوتين بشكل لا واعٍ، وعبر التلاعب بعواطفهم ومشاعرهم المتغيرة بحسب الدعاية الموجهة لهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك لجرّهم إلى اتخاذ قرارات غير عقلانية أمام خيارات تستلزم اختياراً واعياً كالانتخابات، وهو ما بات يعرف اعلامياً باسم فضحية “كامبردج أناليتيكا”.

تعميم الافتراضي على الواقع

 هذه المنهجية المستحدثة في رأي الكثيرين مكنت اليمين الشعبوي في الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أخرى من اختراق الديموقراطية التمثيلة وتفريغ الانتخابات من مضمونها، ومكنت ترامب من الفوز بالانتخابات بطريقة جديدة ليس هناك لها إطار قانوني سواء بإتاحتها أو بمنعها، ولكن المؤكد وقتها وحالياً هو دخول متغير جديد في العبة الانتخابية يتمثل في أن الفائز ليس فقط من يحوز تأييد “الشارع السياسي” وأروقة السياسة والإعلام التقليدي في واشنطن، ولكن أيضاً من تكون اخباره وخطاباته السياسية والدعائية هي الأكثر انتشاراً وإثارة للجدل على الانترنت وتتمتع بقدرة على خلق حالة الاستقطاب في الفضاء الافتراضي، ومن ثم نقلها إلى الواقع عبر الانتخابات وليس العكس.

ضمن هذا السياق جاءت واقعة حذف تغريدات ترامب على موقع “تويتر” كاختبار جدي لمدى فاعلية السابق ذكره وخاصة أمام مؤيديه؛ فبينما كانت التغريدات المحذوفة وطبقاً لشروط الموقع تندرج تحت بند “الاخبار الكاذبة ونشر الكراهية”، فإن الإدارة الأميركية رأت أن ثمة تحدياً لهرمية وتراتب السلطة يوازي رفض حكام الولايات الخضوع لأوامر ترامب التنفيذية، والتي تجعله بمقتضى تفسير “التنفيذي الأوحد” فوق الانتقادات أو الرقابة أو حتى المراجعة.

لذلك وبغض النظر عن ردود الفعل النرجسية والنزقة من ترامب على هذه الواقعة، فإن فرضه رقابة على موقع “تويتر” يأتي في إطار اختبار قوة الرئيس ليس فقط أمام مؤيديه، ولكن أيضاً أمام شركات الانترنت الكبرى التي تلتزم – نظرياً – الحياد في عام الانتخابات، ويدفعها إلى حسم موقفها والانضمام إلى أحد قطبي الاستقطاب الداخلي الذي يتمحور حول إعادة انتخاب ترامب أو العكس.

الأهم مما سبق، أن ترامب يعمد إلى تعميق الاستقطاب السياسي وزيادة حدته لضمان نسبة تصويت في المجمع الانتخابي تمكنه بالفوز بولاية ثانية، وفي الوقت نفسه يعمد إلى توسيعه على المستوى المجتمعي بحشد أصوات الانتخاب المباشر لملايين الأميركيين عن طريق استخدام الدين أو نظرية المؤامرة والتشكيك بوسائل الإعلام السائدة ووصفها بـ”الأخبار الكاذبة”، واستعادة سطوة مؤيديه لمساحتهم المتآكلة في السنوات الأربعة الأخيرة في الفضاء الافتراضي، وذلك على وقع فضائح متتالية ليست “كامبردج أنالتيكا” ببعيدة عنها، بجانب الإجراءات التي اتخذتها منصات الانترنت الكبرى مثل “فايسبوك” و”تويتر” و”غوغل” وغيرها للحد والرقابة على المحتوى الخاص بالتيارات اليمينية المتطرفة التي تشكل القلب الصلب لمؤيدي ترامب على الانترنت، بما في ذلك تظاهرهم بالسلاح في مختلف المدن الأميركية، مع العلم بأن هؤلاء يشكلون نواة جمهوره ومؤيديه على ارض الواقع.

وفي المحصلة، فإن تصريحات وقرارات ترامب القمعية الصدامية الأخيرة تشي بصيف ساخن في الداخل الأميركي، ولكن ردود الفعل عليها ومقاومتها سواء في الشارع الأميركي الذي يظهر ايضاً انقساماً في طريقة تعامل الشرطة وقوات انفاذ القانون والحرس الوطني في التعاطي مع المتظاهرين، أو في أروقة المؤسسات وصناعة القرار أو داخل الحزب الجمهوري، قد تجعل رهانه على تكرار ما حدث في انتخابات 2016 غير مضمون النتائج، إن بسبب تفكك التوافق الذي أتى به إلى البيت الأبيض، أو لمحاولته مؤخراً الانقلاب على الخطوط التي ترسمها المؤسسات الأميركية والحزب الجمهوري في الداخل والخارج، ولعلّ آخر فصول هذا التفكك كان خلال اليومين الماضيين، من خلال تنصل وزير الدفاع مارك إسبر عن تأييد قرارات ترامب، ولا سيما مسألة اقحام الجيش في قمع المتظاهرين، واعتراض البنتاغون شبه الرسمي عليها.

إسلام أبو العز

كاتب صحافي ومحلل مختص بالشؤون الإقليمية والعلاقات الدولية - مصر

Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
online free course