أحداث 6/6: من يريد توريط العسكر بمواجهة الشارع؟

ما حصل منذ يوم السبت 6/6/2020 حتى يومنا هذا، في شوارع العاصمة اللبنانية، هو اكثر من جرس انذار. لكن الاخطر هو إستقالة السلطة السياسية من كل مسؤولياتها.

وضعت الطبقة السياسية، ومعها هذه السلطة السياسية (الحكومة)، الشعب اللبناني بين خيارين، وكل خيار أمرّ من الاخر: اما ان تجوعوا بصمت وتموتوا بصمت مكتومي النفس وبلا اي ضجيج او وميض، واما ان نعود الى استباحتكم من خلال اعادة احياء خطوط التماس الذائعة الصيت بالتكافل بين بعضنا البعض، لاننا اصلا لم نترك هذه الخطوط التي صنعناها سوياً الا لنرسّمها داخل جدران المؤسسات الدستورية والادارات والمرافئ والمرافق العامة.

وما يجدر لفت الانتباه اليه، ان المجموعات التي خرجت للنزال الكلامي او اليدوي من ساحة الشهداء الى خندق الغميق الى كورنيش المزرعة وصولا الى عين الرمانة – الشياح، تعرف بعضها البعض، وتتعايش وتتبادل المصالح الخاصة التي هي في معظمها موبقات وممنوعات، فالذين دخلوا الى من هذا الحي إلى ذاك هم أنفسهم الذين يبادلون في الايام العادية المشروبات الروحية بالمخدرات مع اقرانهم في الطرف الوهمي الاخر والعكس صحيح، وكل ذلك تعرفه الدولة بأجهزتها من دون ان تحرك ساكناً.

اما الفضيحة التي لا تضاهيها فضيحة، فقد تمثلت في ان البلاد التي وجدت نفسها تواجه حالة من الانفلات الامني الخطير، افتقدت الى وجود سلطة سياسية تبادر الى اتخاذ خطوات سريعة لمنع تدهور الامور. سلطة تركت القوى العسكرية والامنية في الواجهة والمواجهة، بينما بدأت مكونات الطبقة السياسية وحليفتها الدينية في تسطير بيانات الشجب والرفض والادانة لما حصل، من دون ان تسارع، لا الموالاة ولا المعارضة الى التداعي من اجل اتخاذ موقف موحد رافض لما حصل، وهو مؤشر على ما ستكون عليه الجولات اللاحقة، في ظل جائحتي كورونا والجوع الزاحف إلى بيوت اللبنانيين.

عمدت السلطة السياسية الى التلطي خلف المؤسسات العسكرية والامنية التي واجهت وحيدة حالة الانفلات غير المسبوقة. وما يدعو الى الاستهجان انه بعد جولة الفوضى، جرت اجتماعات امنية في السراي الكبير لتدارس الموقف، وكأن المعالجة هي امنية فقط ولا علاقة للسياسة بها، بينما الحقيقة المعروفة ان الازمة هي سياسية بنيوية يعيشها لبنان منذ عقود من الزمن، وتفاقمت منذ العام 2005 ولم تنفع كل عمليات الترقيع في تسوية الامور، وجاءت الازمة الاقتصادية والإجتماعية والمالية والنقدية لتكشف هشاشة ما يعيشه الشعب اللبناني من ترهل على كل المستويات.

لقد حاول قادة المؤسسات العسكرية والأمنية وضع اليد على الجرح الحقيقي، سياسياً ومالياً وإقتصادياً، بينما كان أهل السلطة السياسية، يحاولون حصر الأمر بالحراك والمجموعات والشوارع، متناسين أو أنهم قرروا إنكار كل الواقع الذي يزنر البلد من شماله إلى جنوبه.

الا يستدعي ذلك مؤتمراً وطنياً تتم فيه المكاشفة والمصارحة وعلى العلن وبلا محاضر سرية؟ المنطق يقول بذلك، ولكن من يبادر ومن يلبي من دون شروط مسبقة، لان شرط نجاح هكذا مكاشفة وطنية ان لا تقيد ببرنامج عمل او جدول اعمال، وان يقول كل فريق او جهة حقيقة نواياها وتوجهاتها من دون حرج وعلى الملأ

ويكفي تتبع المواقف والبيانات والكتابات التي حفلت بها وسائل الاعلام، والتي اعاد فيها فرقاء لبنانيون احياء فكرة الفيديرالية كحل للازمة الوطنية، والذريعة ان هذا الحل يؤدي الى ان يتحمل كل فريق مسؤولية خياراته الداخلية والاقليمية والدولية من دون ان يتحملها مجموع الشعب اللبناني، وجوبه هذا الطرح من الضفة المقابلة بطرح مكتوم القيد اعلن وفاة الميثاق الوطني ووجوب الذهاب الى عقد اجتماعي جديد، كل ذلك يعني ان الحرب لم توفّر العبر لمن يعتبر، وان لبنان، هذا الوطن الافتراضي، قابل للانفجار في اية لحظة تقاطع مصالح بين الدول على تفجيره، لكن لم يصدر قرار تفجيره بعد، وتحديداً من الخارج.

الا يستدعي ذلك مؤتمراً وطنياً تتم فيه المكاشفة والمصارحة وعلى العلن وبلا محاضر سرية؟ المنطق يقول بذلك، ولكن من يبادر ومن يلبي من دون شروط مسبقة، لان شرط نجاح هكذا مكاشفة وطنية ان لا تقيد ببرنامج عمل او جدول اعمال، وان يقول كل فريق او جهة حقيقة نواياها وتوجهاتها من دون حرج وعلى الملأ، واذا كان ذلك متعذرا، ألم يحن الوقت للذهاب الى حوار وطني بجدول اعمال ببند وحيد هو تطبيق النظام، اي دستور الطائف الذي لم يطبق منذ اقراره او طبّق في بعض جوانبه بشكل مشوه.

اما الدافع الى طرح هذه التساؤلات، فيعود الى الخفة واللامسؤولية السياسية في معالجة ومقاربة قضايا وطنية تهدد الشعب في وحدته والكيان في مصيره، واذا قُيض للبنان قوة عسكرية دافعت عنه في مواجهة جحافل “داعش” والنصرة” واخواتهما، يوم دفعت ذات السلطة بالجيش والقوى الامنية الى المواجهة بلا ادوات ووسائل وعدة للمواجهة، بل قيدتها بشروط وخطوط حمراء، فان هذه القوة التي حمت لبنان وتمثّلت بالمقاومة، جلّ ما تستطيعه في الداخل اللبناني هو عدم الانجرار الى حيث يريد اعداءها وهي المواجهة الداخلية، وبالتالي يكفي السلطة السياسية عبثاً ولا مبالاة، لان لبنان بمؤسساته العسكرية والامنية لن يتحمل نهر بارد آخر ولا جبهة حدود شرقية أخرى ولا جولات قتال من طرابلس الى صيدا مرورا بكورنيش المزرعة وقصقص، وبالتالي من يدفع الى الحل العسكري والامني يجب ان يعرف خطورة هذا التوجه، لان الازمة القائمة حالياً علاجها سياسي – اقتصادي بامتياز، والمؤسسة العسكرية كما المؤسسات الامنية التي تستريح الى مواجهة عدو خارجي، لم ولن تكون في مواجهة غضب الناس الموجوعين في معيشتهم وكرامتهم ومستقبل اولادهم، وعدم انتباه القوى السياسية الى هذه الحقيقة يعني انها تتآمر على ما تبقى من قدرة لبنانية لاعادة النهوض والبناء من جديد.

وتكفي الاشارة الى النقاط التي بحثت في كل الاجتماعات ذات الطابع الامني، للدلالة على تحلل القوى السياسية من مسؤولياتها الوطنية، وتعمّد وضع الجيش والقوى الامنية في الواجهة، من خلال التركيز على مطالب أمنية تبدأ من عند عدم السماح بقطع الطرق وتصل إلى حد قطع الأنترنت عن كل لبنان في لحظة الحراك، والأخطر الضغط على المؤسسات العسكرية والأمنية لتوقيف رموز ومحركي الحراكات من الشمال إلى الجنوب مرورا بالعاصمة.

كل ذلك مطلوب من الاجهزة العسكرية والامنية، بينما لم تلمس هذه الأجهزة في المقابل، اي اجراء سياسي او قرار حكومي نوعي، لا بل مضت الحكومة الحالية في تحدي مشاعر اللبنانيين من خلال تكريس التحاصص في التعيينات على حساب اي معيار اخلاقي وقانوني، وتحللت هذه الحكومة في جلستها الاخيرة من كل الالتزامات والتعهدات وبعثت برسالة يأس الى كل المنتفضين في الساحات او في صمتهم بأن الرهان على تغيير سلمي في سلوك الطبقة السياسية امر يتجاوز الصعوبة الى الاستحالة.

داود رمال

صحافي لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course