الدعم المُسيس وشراء الوقت: لعبة من الإستقلال إلى الإنهيار
A man collects goods from a garbage bin in Lebanon's northern city of Tripoli on December 12, 2019. - With volunteer kitchens, makeshift clinics and donation centres, Lebanon's protesters are helping their compatriots survive the worst economic crisis since the civil war by offering services many can no longer afford. Their efforts come amid warnings by the Word Bank of an impending recession that may see the proportion of people living in poverty climb from a third to half the population. (Photo by Ibrahim CHALHOUB / AFP) (Photo by IBRAHIM CHALHOUB/AFP via Getty Images)

تُعتبر قضية رفع الدعم جزئياً أو كلياً عن المحروقات والأدوية والطحين وحوالي 300 سلعة غذائية في لبنان، سياسية بامتياز، برغم انشغال الكثيرين في هذه الأيام بتقنيات ذلك الدعم وأرقامه ومآلات المس به.

يوم الخميس الماضي، سرب “مصدر رسمي” لوكالة “رويترز” أن المبلغ المتبقي لدى مصرف لبنان، والقابل للاستخدام في دعم المحروقات والأدوية والطحين وبعض السلع الغذائية هو “1.8 مليار دولار، ويكفي لمدة 6 أشهر”، وفق ترشيد معين اذا أُلغي دعم بعض المواد غير الأساسية. ذلك “المصدر الرسمي” ليس بعيداً عن حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة، على الأرجح، ان لم يكن هو نفسه، كما هو معتاد في هكذا نوع من التسريبات.

في مساء اليوم نفسه، أطل رئيس الحكومة السابق سعد الحريري عبر شاشة “إم تي في” في حوار مع الزميل مارسيل غانم، وقال إن المطلوب هو قيام “حكومة مهمة” لمدة 6 أشهر تضع البلاد على سكة الاصلاحات الضرورية، لا بل الاجبارية، لوقف الانهيار. ووردت كلمة “الانهيار” على لسانه 100 مرة على الأقل، واضعاً شروطه للعودة الى الحكم لأنه ـ برأيه عن نفسه ـ الوحيد القادر على جلب الدولارات الى البلد عبر تطبيق الورقة الفرنسية بـ”حذافيرها”، فيرضى المجتمع الدولي عنا ويفرج عن  أموال “سيدر” وتأتينا قروض ميسرة من صندوق النقد الدولي، علما بأن الشياطين السياسية تكمن في تفاصيل “حذافيرها”، كما بات معروفاً.

اذاً، لدى مصرف لبنان هامش 6 اشهر يواكب بها حكومة يرأسها سعد الحريري لمدة 6 أشهر (على الأقل). هل هي صدفة أم أن وراء الأكمة الاقتصادية والمالية ما وراءها من التخطيط السياسي الأحادي التوجه؟

بالعودة قليلاً إلى الوراء، وتحديداً الى بداية الصيف الماضي، كانت “قوى 8 آذار”، وعلى رأسها حزب الله، متمسكة بحكومة حسان دياب بقوة، وترفض، علناً على الأقل، أي نقاش لاسقاطها أو استبدالها. في هذه الأثناء، مارس حاكم مصرف لبنان التقية، ولم يفصح عن “ضرورات” ترشيد الدعم، لا بل تكارم وأضاف مئات السلع الغذائية الى قوائم “المدعومات”، وما أن بدأت الريح تميل خصوصا في أواخر شهر تموز/ يوليو، لتكشف مستور الخلاف المكتوم بين الرئيس نبيه بري ورئيس الحكومة حسان دياب، حتى خلع رياض سلامة “تقيته” وفك عقدة من لسانه ليصارح الحكومة بضرورة أخذ الحيطة والحذر، لأن مبالغ الدعم تتقلص، ولم يعد فيها ما يكفي الا لأشهر قليلة، مشدداً على استحالة المس بالاحتياطي الالزامي المودع لديه، لأنه للمصارف ومودعيها وقيمته 17.5 مليار دولار.

لدى مصرف لبنان هامش 6 اشهر يواكب بها حكومة يرأسها سعد الحريري لمدة 6 أشهر (على الأقل). هل هي صدفة أم أن وراء الأكمة الاقتصادية والمالية ما وراءها من التخطيط السياسي الأحادي التوجه؟

ثم كرت سبحة التحذيرات الملحة والتهديدات المربكة بعد انفجار 4 آب/ أغسطس. انفلت اللسان من عقاله بعشرات التلميحات والتسريبات التي وضعت اللبنانيين على صفيح خوف ساخن من الآتي الخطير، لأن الدعم سيلغى تدريجياً فتنفجر الأسعار ويزداد الفقر مُنذراً بشر مستطير عندما ترتفع  صفيحة البنزين الى 60 او 70 الف ليرة لبنانية وتتضاعف أسعار الدواء 5 أو 6 مرات وتصل ربطة الخبز الى 10 آلاف ليرة!

التهبت حمأة التهويل في موازاة تكليف مصطفى أديب تأليف الحكومة بوتيرة كأنها تقول بشكل غير مباشر: “أسرعوا قبل فوات الأوان، ولا تدخلوا في مماحكات سياسية متمادية في غيها ومشاورات لا طائل منها اذا اراد كل  طرف تمثيلاً طائفياً مباشراً في الحكومة العتيدة”. وبعد اعتذار أديب، لم يمر يوم إلا وحديث الدعم على كل شفة ولسان وصولاً الى اللحظة التي اعلنت فيها محطة “إم تي في” موعد اطلالة سعد الحريري.

وفي الوقت الذي ضرب فيه السياسيون أخماساً بأسداس لمعرفة ماذا سيقول “الشيخ سعد”، وهل هو عائد على حصان أبيض هذه المرة، كان رياض سلامة يرسل اشارات تناقض نسبياً ما تسرب عنه على مدى الشهرين الماضيين، إذ قال يوم الأربعاء الماضي، أي عشية طلة سعد التلفزيونية، في لقاء مع المجلس التنفيذي لاتحاد نقابات موظفي المصارف “إنه مستمر في تأمين المستلزمات الحياتية للمواطنين ضمن امكانات مصرف لبنان”، مشيراً إلى أن الحديث عن رفع الدعم الشامل عن الضروريات (المحروقات والطحين والدواء والمواد الغذائية) فيه الكثير من المغالطات، وأن مصرف لبنان سيستمر في القيام بواجباته على هذا الصعيد بما لا يتعارض مع القوانين!

ليس سراً القول أن رياض سلامة محمي سياسياً، حتى الآن، ومصدر هذه الحماية يتأتى أولاً من عند البطريرك الماروني بشارة الراعي، ثم من رئيس مجلس النواب ورئيس تيار المستقبل. ولا تأتي سلامة نيران صديقة من وليد جنبلاط وسمير جعجع، ولم ترق معارضة حزب الله والتيار الوطني الحر له إلى درجة الضغط الحاسم باتجاه اقالته او استبداله.

لذا، عندما يسمع سلامة من تثور “ثورته” عليه، وعلى سياساته الممتدة والمتمادية منذ 3 عقود، ربما يردد في خلده بيتاً للشاعر الأموي جرير عندما أراد التهكم على منافسه الشاعر الشيعي الهوى الفرزدق:

زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً / ابشر بطول “سلامة” يا مربع!

والحال هذه، يستعد رياض سلامة لاسعاف سعد الحريري اذا شكل الأخير حكومة انقاذية بعدة علاجات طارئة ابرزها تطويل عمر الدعم ما امكن، والقبول بشيء من التدقيق الجنائي، ولو بحده الأدنى، ليس لأن أحداً في الداخل يطلبه، بل لأن الرئيس الفرنسي (المنقذ من الضلال) ايمانويل ماكرون يصر عليه، ويرغب فيه صندوق النقد الدولي في اطار مساعي معرفة حجم الخسائر وكيفية إحتسابها وتوزيعها، فضلاً عن حفظ ماء وجه رئيس الجمهورية ميشال عون الذي ربما يخرج عهده بهذا الانجاز “اليتيم” الذي قد يذكره التاريخ.. وأي ذكر”عظيم” هذا الذي يفضح هدر 80 الى 90 مليار دولار بدد في طريقه مدخرات معظم اللبنانيين المقيمين والمغتربين عن بكرة أبيها تقريباً.

شراء الوقت لعبة مالية لبنانية مستمرة منذ الاستقلال. بلغت قمتها مع دعم سعر صرف الليرة 27 سنة بكلفة مليارية باهظة وبدعم الكهرباء (المقطوعة) بكلفة مليارية أبهظ ودفع فوائد مادوفية مليارية في لعبة نصب مقنن سماها ايمانويل ماكرون بالهرم الاحتيالي.. ثم يسألونك أين ذهبت ودائع الناس؟

بالعودة الى الدعم، فكما أن رئاسة الحكومة لسعد الحريري “لانه مرشح طبيعي ومن دون منة أحد”، كما قال بثقة بالغة في حواره التلفزيوني، فان الحصول على الدواء والرغيف والبنزين والمازوت حق للمواطنين الفقراء باجماع كل من يعمل في الشأن العام. خلاف ذلك، على زعماء الأحزاب والطوائف الهبوب لنجدة مناصريهم ومحازبيهم (وطوائفهم) بمساعدات يهابون حجمها المهول والمدى الزمني الطويل اللازم لها قبل أن يأتي الفرج.

في هذه الأثناء، يبقى على السياسيين تحديد عدد الفقراء (من أفقرهم؟). وفي ذلك قطبة سياسية مخفية وعويصة أيضاً مثل الاحصاء السكاني الرسمي الغائب منذ 1932 لأسباب طائفية. لكن صندوق النقد الدولي لن يقبل الابقاء على المنظومة العشوائية القائمة على دعم البنزين والمازوت (نحن على ابواب الشتاء) والرغيف والدواء للجميع على السواء، أكانوا أغنياء، ميسورين، أو فقراء معدمين. فمن شروط قروض الصندوق الغاء الدعم وزيادة الجباية وفرض الضرائب، ولا مانع من شبكة حماية اجتماعية للأكثر فقراً.

أما اذا تعثرت عودة الحريري فان سياسة رياض سلامة ستواجه أياماً صعبة للغاية، لأن “الانهيار” سيأتي أيضا على ما تبقى لديه من دولارات، وقد لا يستطيع الذود عن الاحتياطي الالزامي من الاستخدام كلياً او جزئياً لاستمرار الدعم حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا. إذ كيف يمكن تبرير تبديد 80 الى 90 مليار دولار من الودائع ثم نقف عند 17.5 ملياراً منها ونحرسها برموش العين في أحلك ظروف الانهيار؟

واذا استحالت عودة الحريري الساعي لشراء الوقت، فان من يبقى على متن مركب الحكم في الفترة العصيبة المقبلة سيذهب بعيداً في شراء الوقت هو الآخر، كما اشترت الحريرية السياسية والحكومات المتعاقبة الوقت منذ مؤتمر باريس 1 حتى “سيدر” مروراً بباريس 2 و3 والهندسات المالية التي ابتدعها رياض سلامة في 2016 وكانت أشبه بلحس القرد للمبرد. لحس أدر دماء استساغها القرد من دون الانتباه الى انها دماءه النازفة. وشراء الوقت لعبة مالية لبنانية مستمرة منذ الاستقلال. بلغت قمتها مع دعم سعر صرف الليرة 27 سنة بكلفة مليارية باهظة وبدعم الكهرباء (المقطوعة) بكلفة مليارية أبهظ ودفع فوائد مادوفية مليارية في لعبة نصب مقنن سماها ايمانويل ماكرون بالهرم الاحتيالي.. ثم يسألونك أين ذهبت ودائع الناس؟

منير يونس

صحافي وكاتب لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
download udemy paid course for free