إقالة رئيس الوزراء السوري .. نظرة دستورية

أصدر الرئيس السوري بشار الأسد المرسوم رقم 143 للعام 2020 القاضي بإعفاء رئيس مجلس الوزراء المهندس عماد محمد ديب خميس من منصبه وتكليف حسين عرنوس وزير الموارد المائية القيام بمهامه على أن تستمر الحكومة بأعمالها لحين انتخاب مجلس الشعب الجديد. 

يطرح ذلك تساؤلات حول موقع رئاسة مجلس الوزراء في الدستور السوري وتأثير استقالة أو إقالة رئيسها على المركز الدستوري لمجلس الوزراء.

حافظ دستور 2012 على الوضع الدستوري المميز الذي كان يتمتع به رئيس مجلس الوزراء في دستور عام 1973 وتعديلاته، حيث يشرف رئيس مجلس الوزراء على أعمال نوابه ووزرائه (م 118)، ولرئيس الجمهورية أن يطلب انعقاد مجلس الوزراء برئاسته (م 99).

ووفق النظام الداخلي لرئاسة مجلس الوزراء فإن رئيس الحكومة يمثل مجلس الوزراء ويوقع عنه ويتكلم باسمه، وهو آمر الصرف وعاقد النفقة ويتولى تطبيق أحكام هذا المرسوم التشريعي (رقم 20 لعام 2017 الخاص بالنظام الداخلي لرئاسة مجلس الوزراء).

ويقدم رئيس المجلس خلال ثلاثين يوماً على الأكثر من تاريخ تشكيل الوزارة بيان عملها إلى مجلس الشعب. ويشرف على عمل الوزراء ويتولى تطبيق القوانين والأنظمة، على أن يقوم المجلس بكامل المهام والمسؤوليات الملقاة على عاتقه ويشرف على جميع الأعمال المالية والإدارية، وهو الذي يعتمد جدول أعمال المجلس الذي تعده وتعممه الأمانة العامة وله عرض موضوع يرى ضرورة بحثه ولو لم يرد في جدول الأعمال.

ويجوز لرئيس المجلس إذا تبين أن تعاونه مع واحد أو أكثر من أعضاء المجلس قد أصبح متعذراً أن يعرض الأمر على رئيس الجمهورية ليقرر ما يراه مناسباً. ومن جهة أخرى، يكون الوزير مسؤولاً أمام رئيس المجلس ويقدم التقارير إليه بشأن وضع وزارته وأعمالها، وذلك تطبيقاً للموقع الإشرافي الذي يتمتع به رئيس المجلس وفق أحكام الدستور.

غير أن الموقع الإشرافي لرئيس المجلس لا يتعدى كونه موقعاً إدارياً لتسيير أعمال مجلس الوزراء من دون أن تكون له أية صفة دستورية خاصة به، إذ هو في النهاية عضو في مجلس الوزراء، يسمى ويقال بمرسوم من رئيس الجمهورية شأنه في ذلك شأن أي وزير آخر.

وبهذا الخصوص نصّ الدستور السوري لعام 2012 في مادته رقم 125 على أن الوزارة تعتبر بحكم المستقيلة في الحالات التالية: عند انتهاء ولاية رئيس الجمهورية، عند انتخاب مجلس شعب جديد، إذا قدم غالبية الوزراء استقالتهم. لكن المادة السابقة لم تنص على اعتبار الحكومة مستقيلة أو بحكم المستقيلة في حال استقالة أو إقالة رئيس المجلس، وذلك خلافاً، على سبيل المثال، للمنهج الذي اختاره الدستور اللبناني والذي نص في مادته 69 على أن الحكومة تعتبر مستقيلة في الحالات التالية: 1- اذا استقال رئيسها 2- إذا استقال ثلث أعضائها 3- بوفاة رئيسها 4- عند بدء ولاية رئيس الجمهورية 5- عند بدء ولاية مجلس النواب.

ويتأكد النهج السوري بعدم اعتبار استقالة أو إقالة أو وفاة رئيس المجلس سبباً لإقالة كامل مجلس الوزراء من خلال نص المادة 124 التي ساوت من حيث الحكم بين رئيس المجلس ونوابه ووزرائه في حال إحالتهم إلى المحاكمة عما يرتكبه أي منهم من جرائم أثناء توليه منصبه، إذ اكتفت المادة الدستورية بإيقاف المتهم أياً يكن سواء رئيساً للمجلس أو وزيراً عن العمل من دون أي حكم خاص برئيس المجلس وتأثيره على الوزارة.

وباستقالة رئيس مجلس الوزراء أو إقالته فإن الوزارة تستمر في أعمالها وممارسة صلاحياتها الدستورية ولا تتحول إلى حكومة تسيير أعمال.

وتأتي الأحكام السابقة رغم أن الدستور السوري اختار رئيس مجلس الوزراء ليحل محل رئيس الجمهورية في حال شغور منصب رئيس الجمهورية أو عجزه الدائم عن ممارسة مهامه ولم يكن له نائباً، وذلك حسب الفقرة الثانية من المادة 93 من الدستور.

والاختلاف الجوهري بين الدستور الجديد لعام 2012 ودستور عام 1973 أن النص الدستوري ذكر ثلاث حالات لاستقالة الحكومة من بينها حالة عند انتخاب مجلس شعب جديد، وذلك في تشابه مع ما ورد في الدستور اللبناني، في حين لم يكن هذا الحكم وارداً في الدستور السوري السابق.

وليس في الدستور الجديد ما يكفي لتعليل هذا التغيير في حكم استقالة الحكومة عند انتخاب مجلس شعب جديد، فالدستور اللبناني عندما قرر اعتبار الحكومة مستقيلة عند بدء ولاية رئيس الجمهورية أو بدء ولاية مجلس النواب، استند في تقرير هذا الحكم إلى علة منطقية وأساسية هي أن كلاً من رئيس الجمهورية ومجلس النواب يلعب دوراً في تشكيل الحكومة ونفخ الروح الدستورية في حناياها (يكفي أن نعرف أن رئيس الجمهورية هو الذي يسمي رئيس الحكومة وأن مجلس النواب هو الذي يمنحها الثقة)، وبالتالي فإن انتهاء ولاية رئيس الجمهورية أو انتهاء ولاية مجلس النواب اللذين لعبا دوراً في تشكيل الحكومة يترتب عليه فقدان الحكومة لسبب وجودها مما يتطلب اعتبارها مستقيلة.

أما في الدستور السوري فإن الأمر مختلف عما هو عليه الحال في الدستور اللبناني. ووجه الاختلاف الأساسي يكمن في أن مجلس الشعب السوري ليس له أي دور في تشكيل الحكومة أو إضفاء الشرعية والدستورية عليها إذ أن مجلس الشعب ليست له صلاحية منح الثقة للحكومة عند تشكيلها كما في الدستور اللبناني. والمادة 76 (شأنها شأن المادة 118 من الدستور السابق)  تنص على أنه “يقدم رئيس مجلس الوزراء خلال ثلاثين يوماً من تاريخ تشكيلها بيانها إلى مجلس الشعب لمناقشته” دون أن تعطي هذه المادة لمجلس الشعب ـ كما هو واضح من نصها ـ صلاحية منح الثقة أو عدم منحها للحكومة بناءً على هذا البيان، وكأن الدستور السوري يعتبر تقديم البيان الوزاري إجراءً بروتوكولياً لا أكثر دون أن يرتب عليه أي نتائج دستورية.

وبالتالي فإن سكوت الدستور السوري السابق عن ذكر هذه الحالة من حالات اعتبار الحكومة مستقيلة جاء منسجماً مع أحكامه المتعلقة بتشكيل الحكومة وعدم إعطاء مجلس الشعب أي دور في تشكيلها، إذ طالما أن الحكومة لم يتوقف تشكيلها على حيازتها لثقة أعضاء مجلس الشعب فلا معنى لاعتبارها مستقيلة عند انتهاء ولاية هذا المجلس وبداية ولاية جديدة لمجلس جديد. أما الدستور الجديد فقد ذهب إلى تعديل هذا الحكم من دون أن يعدل المقدمة التي ينبغي أن تقود إليه وهو إعطاء مجلس الشعب صلاحية منح الحكومة الثقة أو عدم منحها.

عبدالله سليمان علي

كاتب وصحافي سوري، وباحث في شؤون الجماعات الإسلامية

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
online free course