“الإنخراط الوطني” في التدمير الممنهج.. ووهم إنتظار بايدن!

كأن التدمير الممنهج الذي يعيشه لبنان حالياً، هو جزء من الصدام او الصفقة، فالأحداث في لبنان، كالاغتيالات، تحصل في لحظة صدام أو صفقات اقليمية ودولية، ويكون اللبنانيون فيها مجرد بيادق على رقعة الشطرنج.

قد لا يكتشف اللبنانيون بعد مائة عام، مَن وكيف ولماذا تم تفجير مرفأ عاصمتهم، وقد لا يعرفون مطلقا لماذا انهار فجأة القطاع المصرفي ونُهبت أموال الناس برغم الطمأنات الكثيرة من المسؤولين السياسيين والاقتصاديين والمصرفيين على ثبات العملة والمصارف. ولن يعرفوا أبداً من هي الأطراف التي اخترقت التحركات المطلبية الشريفة ولأية غاية.

لنستعرض الآتي أولاً:

  • بعد نحو عامين على حرب لبنان التي اندلعت بشراسة عام 1975، وُقِّعت اتفاقية كامب دافيد بين مصر واسرائيل. وحصل اتفاق بين سوريا وهنري كيسنجر سمح بدخول القوات السورية الى لبنان حتى حدود نهر الأولي جنوباً.
  • عام 1982، اجتاحت اسرائيل لبنان، بينما كانت سوريا تغلي في المواجهة العسكرية مع الاخوان المسلمين والتي انتهت بمجزرة، فيما نجا الرئيس الراحل حافظ الأسد من الاغتيال. كانت الحرب العراقية الايرانية في عامها الثاني تزداد شراسة ودموية وتتسبب بشرذمة وضياع العرب.
  • عام 1983، وقّع عهد الرئيس أمين الجميل اتفاق 17 أيار/ مايو مع اسرائيل بدعم أميركي برغم غضب الأسد، لكن سرعان ما تخلّت أميركا عن الجميّل والاتفاق، وتحركت سوريا بقوة مع حلفائها لاسقاطه وتطويق عهد الجميل.
  • عام 1988، فراغ رئاسي في لبنان بعد انتهاء عهد الجميل، وتسلّم العماد ميشال عون مقاليد حكومة عسكرية. حصل ذلك بعد شهر واحد على توقف الحرب العراقية الايرانية. لكن سوريا التي ساندت ايران وبقيت على علاقة ممتازة مع السعودية ودول الخليج، عرفت أيضا كيف تنسج خطوطا مع اميركا برغم علاقتها الوطيدة بالاتحاد السوفياتي، ونالت الضوء الأخضر لضرب عون وقبله دعمت ايلي حبيقة ضد سمير جعجع عام 1986 في ما عُرف بـ”حرب الاخوة” (كانت شبيهة بحرب الأخوة بين أمل وحزب الله في ثمانينيات القرن الماضي). اتُهم عون وجعجع آنذاك بالتقارب مع العراق.
  • مع اندلاع ما عرفت بـ”الثورات المخملية” عام 1989 في اوروبا الشرقية انطلاقا من تشيكوسلوفاكيا منذرة بقرب تفكك الاتحاد السوفياتي، بدأت التحولات الكبرى في العالم، واتُخذ قرار انهاء الحرب اللبنانية، فكان اتفاق الطائف الذي أسس لوثيقة وطنية ودستور جديدين. لم يكن ذلك ليحصل لولا قبول سوريا وتفاهمها مع السعودية.
  • عام 1990، تتوحد ألمانيا ويتمدد مشروع آخر الرؤساء السوفيات ميخائيل غورباتشوف المعروف بالبيريسترويكا صوب دول البلطيق فتستقل. صار العالم محكوما بالأحادية القطبية بزعامة أميركا. لم تمض اشهر قليلة حتى انعقد مؤتمر مدريد للسلام العربي الاسرائيلي في العام 1991. سيق كل العرب اليه وتم تهميش منظمة التحرير فيه حيث دُمج الوفد الذي يمثل الفلسطينيين في الأرض المحتلة مع الوفد الاردني. وكان لبنان بطبيعة الحال في الكنف السوري ولو أنه كان مممثلاً بوفد مستقل!.
  • عام 1992، تُثمر التفاهمات السعودية السورية الاميركية عن ظهور اسم جديد على الساحة اللبنانية، هو رجل الأعمال رفيق الحريري. كان ذلك ايذاناً بمرحلة جديدة تُمهّد للسلام والمشاريع التنموية وإعمار لبنان.. او هكذا اعتقد الحريري.
  • عام 1993، ولد اتفاق اوسلو الفلسطيني الاسرائيلي بعد سنوات من الانتفاضة الفلسطينية الاولى. في السنة نفسها، تستفرد اسرائيل بلبنان في عدوان “تصفية الحساب”. ثم تكمل جرائمها بمجازر اخرى في العام 1996 (عدوان عناقيد الغضب)، وهي المحطة التي توجت بـ”تفاهم نيسان”، وهو الاتفاق الذي فرض فيه حافظ الأسد الحضور الفرنسي ممثلا بشخص وزير الخارجية هيرفي دوشاريت (له كتاب قيّم حول الموضوع) إلى جانب الاميركيين. لا ننسى ان عام 1993 شهد فتورا بين سوريا وحزب الله وترجم بحادثة إطلاق الجيش اللبناني النار على تظاهرة دعا إليها حزب الله تحت جسر المطار رفضاً لإتفاق أوسلو (راجع كتاب النائب حسن فضل الله: حزب الله والدولة في لبنان). لا ننسى كذلك ان ولاية ميريلاند الأميركية استضافت في حينه 4 جولات من المفاوضات بين اسرائيل وسوريا، في واي بلانتايشن، من 27 كانون الأول/ ديسمبر 1995 حتى 19 شباط/ فبراير 1996
  • عام 2000، انسحب الاحتلال الاسرائيلي من لبنان، قبيل أسابيع من وصول طبيب العيون بشار الأسد الى السلطة في سوريا. هو ايضا عام اللقاء الشهير في جنيف بين حافظ الاسد وبيل كلينتون للتفاوض مع اسرائيل. ثمة من رأى في الانسحاب الاسرائيلي محاولة لاحراج سوريا بغية دفعها لاخراج جيشها من لبنان. وما كاد الأسد الإبن يستلم السلطة حتى اندلعت انتفاضة الاقصى في فلسطين وأطلق آرييل شارون تصريحات عدائية، وقام الطيران الاسرائيلي بشن عدوان محدود على الاراضي السورية.
  • عام 2001، وقعت الاعتداءات الارهابية على الولايات المتحدة الاميركية. شعرت سوريا بأن ردة الفعل ستطالها برغم عدم تورطها في تلك الاعتداءات (يمكن مراجعة المؤتمر الصحافي الشهير آنذاك لعبد الحليم خدام). فراحت تتشدد أكثر في لبنان منعا لتحويله الى خاصرة رخوة. تشددت كذلك بعد الغزو الاميركي البريطاني للعراق.
  • مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري في العام 2005، كان لبنان محط اهتمام أميركا وفرنسا. ذلك ان الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي ناهض الغزو الأميركي للعراق، أراد ان يصحح علاقته بجورج بوش من جهة، وأصيب بصدمة شخصية وسياسية باغتيال صديقه الكبير رفيق الحريري من جهة ثانية. وقتذاك، قال شيراك إن الرئيس بشار الأسد خذله، بعد ان حاول رئيس فرنسا احتضانه وتدريب ادارات الدولة السورية بتوصية من حافظ الاسد (راجع كتاب مذكرات شيراك). بدأت حينها الخطة الاميركية الفرنسية الاسرائيلية العربية لتطويق ما اسماه الرئيس المصري حسني مبارك وكذلك الملك الاردني عبدالله الثاني “الهلال الشيعي”!

صحيح ان بشار الأسد عاد الى التفاوض مع اسرائيل عبر تركيا في ربيع العام 2008 الا ان الصحيح كذلك هو اعتقاد الأسد بأن حرب 2006 وما تبعها يُمكن ان يقنع الاسرائيليين بان لا مجال للسلام من دون الانسحاب من الجولان السوري المحتل والاراضي اللبنانية المحتلة (مزارع شبعا وتلال كفرشوبا)

متى بدأ التدمير؟

يُمكن القول انه منذ اغتيال الحريري، ثم انسحاب الجيش السوري ربيع 2005)، ثم اندلاع الحرب الاسرائيلية ضد حزب الله في صيف العام 2006، بدأت مرحلة التدمير الممنهج للبنان، ذلك أن التقدم السريع للحزب كقوة عسكرية اولى، ثم كقوة سياسية أولى ايضا، وتبني بشار الأسد الكامل للحزب والمقاومة (خلافا للمناورات المدروسة لحافظ الأسد مع الحزب وايران)، جعلا اسرائيل والولايات المتحدة الاميركية تنظران الى لبنان على أنه مكمن الخطر الأول.

إقرأ على موقع 180  ميقاتي ينجح في رهانه الخارجي.. هل ينجح لبنانياً؟

صحيح ان بشار الأسد عاد الى التفاوض مع اسرائيل عبر تركيا في ربيع العام 2008 الا ان الصحيح كذلك هو اعتقاد الأسد بأن حرب 2006 وما تبعها يُمكن ان يقنع الاسرائيليين بان لا مجال للسلام من دون الانسحاب من الجولان السوري المحتل والاراضي اللبنانية المحتلة (مزارع شبعا وتلال كفرشوبا).

أما ايران التي شاركت فعليا بادارة حرب عام 2006 الى جانب حزب الله وعبر سوريا (وفق ما كشف السيد حسن نصرالله عن الجنرال الراحل قاسم سليماني مؤخرا)، فقد رأت في ذلك فرصة لتوسيع دورها والاقتراب أكثر من الحدود الفلسطينية وتعزيز موقع الحزب على الساحة اللبنانية والشرق أوسطية.

لم يتحقق الأمل الأول بالانسحاب الاسرائيلي من الجولان، وانما تحقق الهدف الثاني، وصار حزب الله فعليا هو القوة الأبرز في لبنان عسكريا وسياسيا واجتماعيا وحتى اقتصاديا ومؤسساتيا في عدد لا بأس به من المجالات.

“الربيع العربي” والاتفاق النووي

منذ العام 2010، سار العالم على ثلاثة خطوط متوازية في الشرق الأوسط، فمن جهة، اندلعت تظاهرات “الربيع العربي” واسقطت انظمة، ولم يكن في حسبان الرئيس الأسد ان موجات الانتفاضات ستصل الى سوريا وفق ما نقرأ في آخر مقابلة أجراها في العام 2010 مع صحيفة لوس انجلس تايمز.

ومن جهة ثانية، توجّه العالم بغربه وشرقه الى  التفاوض مع ايران لتوقيع الاتفاق النووي وذلك فيما كانت الحرب السورية في أوج إحتدامها وكان حزب الله والقوات الايرانية قد انخرطوا فيها، اضافة الى تركيا و80 دولة اخرى ( بينها تلك التي تتفاوض مع ايران) .

ومن جهة ثالثة، تكثفت الضغوط الاميركية لدفع دول عربية الى فتح باب التطبيع واسعا مع اسرائيل وتفريغ المحيط الإيراني من أية دولة تعادي إسرائيل وصولاً إلى محاولة انهاء الصراع العربي الاسرائيلي.

قد يكون من السطحية القول ان احدا في لبنان يستطيع ان يراهن على بايدن سلبا او ايجابا. وقد يكون من السطحية أكثر الاعتقاد بأن اسرائيل وأميركا، ومهما تغيرت سياستهما، تستطيعان التكيف مع وجود قوة عسكرية كبيرة كحزب الله عند حدود فلسطين من الجانبين اللبناني والسوري

الانقسام اللبناني

قاتل حزب الله عشر سنوات على ارض غير ارضه في سوريا، ورفع مستوى تدريبه القتالي، وحصل على اسلحة استراتيجية ولا سيما الصواريخ الدقيقة. صار المُهدّد الفعلي الأبرز لاسرائيل، وصار أيضا رأس حربة ايران في المنطقة، يعادي من تعاديه ويصادق من تصادقه، فتوسعت رقعة شقاقه مع دول عربية عديدة.

من سيقبل بهذا الواقع؟

لا اسرائيل ولا اميركا ولا أوروبا ولا  دول عربية كثيرة، ولا حتى بعض الدول الشرقية (سابقاً) أيضاً.

بذلك وصلنا الى النتيجة التالية:

اذا كان ضربُ حزب الله عسكريا صار صعباً، واذا كانت الحرب مؤجلة، واذا كان الحزب قد صار الفيصل، فليتحمل لبنان بمجمله عواقب ذلك كله.

هذه هي بالضبط فكرة التدمير المُمنهج. وهنا يتحمل الجميع المسؤولية، لماذا؟

طالما رغبة اميركا واسرائيل وبعض الدول العربية معروفة منذ سنوات حيال الحزب، فماذا فعل الحزب لتفادي ذلك اقتصاديا وسياسيا؟ هل هو قادر على التصدي ولم يفعل، او أنه قوي بالحروب ومحدود بالقدرة على انتاج مشروع لبناني جامع لاسباب كثيرة. في الحالتين، وصل لبنان الى شفير الكارثة، والطرفان المتصارعان مسؤولان عن ذلك اما لانخراط البعض في عملية التدمير الممنهج، او لعجز البعض الآخر عن انتاج حل.

في انتظار وهم بايدن

حاليا تتمحور كل السياسة اللبنانية حول انتظار ما ستسفر عنه سياسة الرئيس الاميركي جو بايدن الذي يحيط نفسه بمستشارين ومسؤولين أمنيين مؤيدين للتفاوض والدبلوماسية (جاك سوليفان، وليام بيرنز وبريت ماغورك وغيرهم).

استئناف المفاوضات مع ايران ممكن. لكن بايدن قد يكون اكثر تشددا مع روسيا وسوريا ودول الخليج، وهو على الأرجح سيخضع لضغوط لوبيات كثيرة  لمنع تعاظم القدرات السياسية لحزب الله في لبنان، وللعمل من أجل خروج ايران والحزب من الاراضي السورية.

سنكون اذا امام احتمالين: اما يتقدم التفاوض الصعب مع ايران، ويكون لبنان جزءا من تفاهمات اقليمية ودولية لا ندري ما هي نتيجتها، او يُظهر بايدن تشددا، فيأتي الرد عسكريا من الاراضي السورية والعراق ولبنان.

لذلك قد يكون من السطحية القول ان احدا في لبنان يستطيع ان يراهن على بايدن سلبا او ايجابا. وقد يكون من السطحية أكثر الاعتقاد بأن اسرائيل وأميركا، ومهما تغيرت سياستهما، تستطيعان التكيف مع وجود قوة عسكرية كبيرة كحزب الله عند حدود فلسطين من الجانبين اللبناني والسوري.

الحزب والتفاوض؟

  • ثمة من يعتقد بأن الحزب سيقبل التفاوض، ما يعني القبول لاحقا بمنطقة منزوعة السلاح عند الحدود، بغية تسهيل استخراج الغاز. لا ندري اذا كان هذا ممكنا، لكن الأكيد انه سيبقى مرتبطا بمستقبل التفاوض الايراني الاميركي ومستقبل سوريا، وطبيعة العلاقة التي ستربط بايدن بروسيا.
  • وثمة من يرى ان لا صفقات قبل حرب كبرى في المنطقة، كما حصل بعد ضرب الحركة الوطنية اللبنانية واغتيال قائدها كمال جنبلاط في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وبعد القضاء على منظمة التحرير وابعاد قائدها ياسر عرفات وقواته من لبنان عام 1982، وبعد القضاء على تمرد الرئيس ميشال عون في العام 1990.

كل هذا وارد. لكن الأكيد ان الطبقة السياسية التقليدية غائبة عن الوعي، وغارقة من الآن بمعركة رئاسة الجمهورية، التي ستخضع هي الأخرى لتفاهمات اقليمية دولية، لأن لبنان منذ استقلاله لا يُنتخب رئيسه الا من الخارج (راجع كتاب “أجمل التاريخ كان غدا” لنائب رئيس مجلس النواب اللبناني ايلي الفرزلي).

التدمير الممنهج مستمر حتى اشعار آخر، ومعظم الطبقة السياسية في لبنان مشاركة فيه عمدا او جهلا. قد يتوقف في حالة واحدة وذلك حين يصحو هذا الشعب على حجم الظلم الذي يعيشه.

Print Friendly, PDF & Email
سامي كليب

صحافي وكاتب لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  ما بعد 4 آب بعيون فرنسية: حتماً سيُولد لبنان جديد