بوتين في عرض النصر… بالراية السوفياتية نقاوم التزييف

"سنتذكر دائماً أن الشعب السوفياتي هزم النازية"... هذه العبارة شكلت محور الكلمة التي ألقاها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في العرض العسكري في الذكرى الخامسة والسبعين للنصر في الحرب الوطنية العظمى.

قد تبدو العبارة عادية إذا ما اقتصر وضعها في خطاب رسمي في يوبيلية النصر العظيم، ولكنها تكتسب أهمية أكبر إذا ما وُضعت في سياق حرب ايديولوجية أطلقها الغربيون – ولا سيما الأوروبيون – لتزوير الحقائق التاريخية، وجعل الدور السوفياتي في الحرب العالمية الثانية هامشياً، لا بل أكثر من ذلك، دوراً “شيطانياً”، ضمن سرديات التشويه التي يسعى فيها البعض إلى وضع جوزيف ستالين وادولف هتلر في كفة واحدة، وتحميلهما معاً المسؤولية عن أكبر مأساة انسانية في القرن العشرين.

هذا ما دفع بوتين، قبل أيام، إلى نشر مقال وعد بكتابته في مؤتمره الصحافي الكبير الأخير في أواخر العام الماضي، رداً على “تدنيس وإهانة الذاكرة” المتعمدين، رأى فيه أن “التحريف في التاريخ ، الذي نلاحظه الآن في الغرب ، وخاصة في ما يتعلق بموضوع الحرب العالمية الثانية ونتائجها، أمر خطير لأنها تشوه بشكل فاضح مبادئ التنمية السلمية التي حددها مؤتمرا يالطا وسان فرانسيسكو عام 1945″، مذكراً في هذا الإطار بأن “الإنجاز التاريخي الرئيسي لمؤتمر يالطا كان الاتفاق على إنشاء آلية تسمح للقوى الرائدة بحل خلافاتها في إطار الدبلوماسية”.

لم يفوّت بوتين، في مقاله، الفرصة لتذكير الغرب بأن “الأسباب الجذرية للحرب العالمية الثانية تنبع بشكل أساسي من القرارات التي اتخذت بعد الحرب العالمية الأولى، حيث تحولت معاهدة فرساي إلى رمز للظلم الشديد لألمانيا”، وكيف أن “الإذلال الوطني شكل أرضا خصبة لمشاعر الانتقام الراديكالية في ألمانيا، والتى استغلها النازيون بمهارة للعب على عواطف الجماهير وبنوا دعايتهم بتخليص ألمانيا من “إرث فرساي” وإعادة البلاد إلى قوتها السابقة”.

في خطاب العرض العسكري للنصر على الفاشية – الذي تأخر أكثر من شهر عن موعده الرسمي في التاسع من أيار/مايو بسبب انتشار وباء “كوفيد -19″، حرص بوتين على التشديد مجدداً على الحقائق التاريخية، وفي القلب منها قوله إنه “من المستحيل حتى تخيل ما سيحدث للعالم إذا لم يدافع الجيش الأحمر عنه”، مؤكداً أن “هذه هي الحقيقة الرئيسية والصادقة والواضحة حول الحرب، والتي يجب أن نحميها وندافع عنها، وننقلها إلى أطفالنا وأحفادنا وأحفاد أحفادنا”.

تفاصيل العرض العسكري الذي أراده بوتين “تكريماً لهذه الحقيقة المقدسة، ولجيل المنتصرين البارزين الذين حددوا نتيجة الحرب العالمية الثانية بأكملها”، اختيرت بعناية لكي تحاكي الفكرة المركزية المتصلة بمقاومة الحرب الأيديولوجية المعلنة ضد روسيا، ابتداءً من الضخامة الاستعراضية التي زاوجت بين الإرث السوفياتي وروسيا المعاصرة، على نحو مضخّم قياساً بالعروض السابقة، أو في الخطاب الرئاسي الذي جعل من تجربة التاريخ درساً يمكن أن تستخلص منه مقاربات الحاضر، لا سيما في ما يخص الدعوة إلى نظام أمني مشترك.

وفق هذه المزاوجة أكد بوتين “أننا لن ننسى أبداً مساهمة حلفائنا في النصر  وأهمية الجبهة الثانية، التي تم فتحها في حزيران/يونيو 1944، ونكرّم المقاتلين الشجعان للقوات المسلحة لجميع دول التحالف المناهض لهتلر، فالنصر هو إنجاز لجميع المقاتلين ضد النازية الذين تصرفوا بشجاعة في أوروبا”.

وامتداداً لما سبق، أكد بوتين على “مدى أهمية تعزيز الصداقة والثقة بين الشعوب”، قائلاً “نحن منفتحون على الحوار والتعاون بشأن القضايا الأكثر إلحاحا في جدول الأعمال الدولي، ومن بينها إنشاء نظام أمني مشترك قائم على الثقة، ويحتاج إليه العالم الحديث المعقد والمتغير بشكل سريع… ومعاً فقط يمكننا حمايته من التهديدات الجديدة الخطيرة”.

رمزيات العرض العسكري لم تقتصر على ما سبق، فالحضور الرسمي الخارجي، إن على مستوى الرؤساء وممثليهم أو على مستوى الفرق العسكرية المشاركة جنباً إلى جنب مع أذرع القوات المسلحة الروسية (نحو 14 ألف عنصر ساروا في الساحة الحمراء)، بدا بمثابة رسالة على أن الإرث السوفياتي ما زال قادراً على أن يلقي بظلاله على العلاقات الدولية المعاصرة.

هكذا جمع النصر الكبير في ذكراه الخامسة والسبعين في ساحته الحمراء بعضاً ممن كانوا بالأمس رفاق سلاح تحت الراية السوفياتية، وفرّقت بينهم تعقيدات المشهد الدولي المتغير منذ انهيار الاتحاد السوفياتي من أذربيجان وارمينيا، مروراً ببيلاروسيا وكازاحستان وقرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان واوزبكاستان، وصولاً الى الهند والصين ومنغوليا شرقاً وصربيا ومولدوفا غرباً.

كسر بوتين التقاليد المألوفة في الخطابات السابقة بكلامه عن القوة العسكرية الهائلة للعدو النازي الذي هزمه الجندي السوفياتي، في ما يمكن اعتباره رسالة مبطنة إلى القوة المعادية اليوم لروسيا  –  الولايات المتحدة

ضمن هذه المشهدية، كان واضحاً أن كلمة بوتين كرست، في ما بين سطورها، نمطاً مختلفاً عن سابقاتها، لجهة تكريس الإرث السوفياتي والبناء عليه في التوجهات السياسية المعاصرة، وإظهار القوة العسكرية الروسية المتنامية، ليس في استعراض الأسلحة والمنظومات الجديدة فحسب، بل في الخطاب نفسه الذي بدا موجهاً بشكل شبه حصري إلى “المحاربين” و”الرفاق الجنود والبحارة والضباط وضباط الصف والجنرالات والادميرالات”.

علاوة على ما سبق، كسر بوتين التقاليد المألوفة في الخطابات السابقة لجهة التركيز على وصف القوة العسكرية الهائلة للعدو النازي الذي هزمه الجندي السوفياتي، في ما يمكن اعتباره رسالة مبطنة إلى القوة المعادية اليوم لروسيا – الولايات المتحدة، من قبيل إشارته إلى أنه “في عام 1941 ، تمركز أكثر من 80 في المائة من القوات المسلحة لألمانيا وحلفائها ضد الاتحاد السوفياتي، ولكن تبين أن هذه القوة العديمة الرحمة عاجزة أمام تماسك المواطنين السوفييت.. شعبنا هو الذي تمكن من التغلب على الشر الرهيب الشامل، وهزم أكثر من 600 فرقة للعدو، ودمر 75 في المئة من العدد الإجمالي لطائراته ودباباته وقطعه المدفعية”.

الملفت ايضاً أن بوتين استحضر للمرة الأولى تفاصيل العرض العسكري الأول في الساحة الحمراء أيام ستالين، حين أشار الى أنه “منذ 75 عاماً بالضبط، ولمناسبة نهاية الحرب العالمية الثانية، هنا، بالقرب من أسوار الكرملين، تم عرض أسطوري للمنتصرين”، مقدماً اياه باعتباره تأريخاً لـ”انتصار الخير على الشر، والسلام على الحرب”.

تجسيداً لما سبق، حافظ العرض العسكري على التقليد المتبع منذ سنوات، والمتمثل في كشف النقاب عن أحدث الأسلحة الروسية، والتي كان أبرزها هذا العام، تعديل جديد للدبابة T-90 القتالية، والدبابة “T-80BVM” الحديثة، بجانب المدفعية المضادة للطائرات Derivation-PVO، ونظام الدفاع الجوي Pantsir-SM الجديد والمنظومات المصممة خصيصاً لمواجهة الطائرات المسيرة، التي تلقي روسيا حالياً بثقلها لمواجهة مخاطرها، بعدما باتت عنصراً جديداً في ميادين القتال، على النحو الذي تبدى مؤخراً في ليبيا وسوريا.

في العموم، كرس بوتين في عرض النصر اليوم عودة روسيا الى الحياة الطبيعية، ولو بحذر، بعد تجاوزها نسبياً الضربة الأولى من وباء “كوفيد-19″، وهو ما اكده في كلمته الموجهة الى الروس يوم أمس، ومن المؤكد أن التنظيم البالغ الدقة للفعالية الأكثر قدسية عند الروس كان بمثابة رسالة واضحة إلى جهوزية روسيا لمواجهة التحديات المقبلة، إن في الداخل، وفي القلب منها الاصلاحات الدستورية والمخاطر الاقتصادية، أو في الخارج في ظل تصاعد وتيرة المواجهة المفتوحة مع الغرب، ولا سيما مع الولايات المتحدة التي ستحسم الأشهر المقبلة ديناميات سياساتها الخارجية وسط الصراع المحتدم داخلها على مسافة أشهر قليلة من انتخاباتها الرئاسية.

وسام متى

صحافي لبناني متخصص في الشؤون الدولية

Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy paid course free download