“إنهض واقتل أولاً”.. بن غوريون يأمر بإغتيال رياض الصلح(6)

يواصل الصحافي "الاسرائيلي" رونين بيرغمان في هذا الفصل من كتابه "انهض واقتل أولاً، التاريخ السري لعمليات الإغتيال الإسرائيلية" إستعراض المرحلة الاولى من إعلان الكيان الصهيوني وما تخلّلها من تنظيم للمؤسسات الأمنية.

يقول بيرغمان إن أولى الخطوات التي نفذت في هذا الإطار كانت إستيعاب عناصر وكوادر وكالات “الهاغاناه” في الأجهزة الأمنية والإستخبارية المستحدثة في الكيان العبري الناشىء، وينقل عن إيسر هاريل، أحد الآباء المؤسسين للأجهزة الإستخبارية الإسرائيلية قوله في وصف تلك السنوات الأولى من عمر الكيان “كانت سنوات صعبة، كان علينا أن ننشىء بلداً وندافع عنه، ولكن التركيب التنظيمي للوكالات الأمنية وتوزيع العمل في ما بينها تم من دون أحكام منظمة ومن دون النقاش مع الأشخاص الملائمين وفي كثير من الأحيان بطريقة مؤامرتية”. ويعلق الكاتب هنا بالقول “في الأوضاع العادية، يقوم الإداريون بتحديد أطر العمل والحدود الفاصلة بين الوكالات، ويقوم العملاء الميدانيون بتكييف مصادر معلوماتهم ومراكمتها مع مرور السنين، ولكن إسرائيل لم تكن تملك هذا الترف، اذ كان عليها أن تبني عملياتها الإستخبارية في خضم مواجهة قاسية وتحت الحصار وفي قلب معركة الدفاع عن وجودها”.

أولى التحديات التي واجهت عملاء ديفيد بن غوريون في تلك المرحلة، يضيف بيرغمان، كان التحدي الداخلي، إذ كان هناك الكثير من منظمات اليهود اليمينيين المتطرفين الذين يرفضون سلطة بن غوريون، وخير مثال على ذلك ما عرف بموضوع “التالينا”، وهي سفينة أرسلتها منظمة “أرغون” من أوروبا إلى “إسرائيل” وعلى متنها مهاجرين يهود وكميات من الأسلحة، وقد رفضت المنظمة تسليم الأسلحة للجيش الذي كان قد أُنشىء حديثاً، وأصرت على الإحتفاظ بها وتوزيعها على خلاياها. عرف بن غوريون من خلال عملائه في المنظمة بالأمر، فأمر بأن تصادر الأسلحة بالقوة، وعندما بدأ تنفيذ الأمر تطور إلى إشتباك بالنيران بين قوات الجيش وعناصر المنظمة، ما أدى إلى غرق السفينة ومقتل 16 عنصراً من المنظمة وثلاثة عناصر من الجيش. بعد هذا الحادث بوقت قصير، نفذت الأجهزة الأمنية حملة اعتقالات لعناصر المنظمة أدت إلى إعتقال أكثر من 200 شخص وبالتالي أدت إلى إنهاء وجودها.

خطة برنادوت

من التحديات الأمنية أيضاً، يقول بيرغمان، أن إسحاق شامير (الذي أصبح لاحقاً رئيساً للوزراء) وكل عناصر منظمة “ليهي” التي يقودها رفضوا ما وصفوه “السلطة المعتدلة” لبن غوريون، وذلك على خلفية الموقف من الخطة التي طرحها مبعوث الامم المتحدة الكونت فولك برنادوت في صيف ذلك العام (1948) لإنهاء القتال مع العرب في فلسطين. رفض شامير ومنظمته الخطة وإتهم برنادوت بأنه تعاون مع النازيين إبان الحرب العالمية الثانية.

يذكر أن خطة برنادوت تضمنت حينذاك إعادة رسم حدود “دولة إسرائيل” بإعطاء معظم منطقة النقب والقدس للعرب ووضع ميناء حيفا ومطار اللد تحت السيطرة الدولية وإجبار الدولة اليهودية على إعادة 300 ألف لاجىء فلسطيني.

أثارت خطة برنادوت غضب شامير ومنظمة “ليهي” التي أصدرت تحذيرات شديدة اللهجة للمبعوث الدولي يقول أحدها “نصيحة للعميل برنادوت ارحل من بلادنا”، أما الإذاعة السرية للمنظمة فقد ذهبت أبعد من ذلك في تهديداتها لبرنادوت عبر نشرها بياناً يقول “سينتهي الكونت كما إنتهى اللورد (في إشارة إلى إغتيال مبعوث الإنتداب البريطاني لفلسطين لورد موين)”. تجاهل الكونت برنادوت التهديدات وإستخف بها لدرجة أنه أمر المراقبين الدوليين بعدم حمل السلاح قائلاً لهم “علم الأمم المتحدة يحمينا”!

تولدت لدى شامير قناعة بان بن غوريون سيوافق على خطة برنادوت فأمر بإغتيال المبعوث الدولي. وهكذا في 17 ايلول/سبتمبر 1948، وبعد أربعة أشهر على قيام الدولة، وبعد يوم واحد من تقديم برنادوت خطته بصورة رسمية إلى مجلس الأمن الدولي، وبينما كان يتحرك في موكب مؤلف من ثلاث سيارات من نوع “سيدان” في إحدى ضواحي القدس، قطعت سيارة جيب الطريق عليه، فقفز منها ثلاثة شبان، إثنان منهم أطلقوا النار على إطارات السيارات، وفتح الثالث، واسمه يهوشوا كوهين، باب سيارة برنادوت وأطلق نيران رشاشه من نوع “شمايزر ام بي 40″، على من بداخلها، فاصابت طلقاته الرجل الجالس قرب الكونت، وهو كولونيل فرنسي إسمه اندريه سيروت، وأصابت الصلية الثانية الكونت مباشرة في صدره، فمات الإثنان على الفور لينتهي الهجوم في غضون ثوانٍ معدودة. ويصف ضابط الإتصال الإسرائيلي الذي كان في موكب الكونت، الكابتن موشيه هيلمان، العملية قائلاً “تماماً كالبرق والرعد كانت سرعة إطلاق خمسين طلقة”، ولم يجر إعتقال الجناة منفذي العملية أبداً، حسب قول بيرغمان.

ينقل بيرغمان عن آرثور بن ناتان في القسم السياسي لوزارة الخارجية الإسرائيلية في ذلك الحين قوله “إن شاريت كان بالمطلق ضد فكرة إغتيال الصلح وعندما طلب من قسمنا السياسي مساعدة الإستخبارات العسكرية في تنفيذ الأمر عبر إتصالات مع مصادرنا في بيروت، رفض شاريت الأمر ودفنه في مهده

حل منظمة “ليهي”

كانت عملية إغتيال الكونت أول إعتداء تتعرض له الأمم المتحدة بعد ثلاثة أعوام على إنشائها، وقد أدت إلى إحراج القيادة اليهودية، خاصة وأن مجلس الأمن الدولي أدان العملية، ووصفها بـ”العمل الجبان الذي قامت بتنفيذه مجموعة من المجرمين والإرهابيين في القدس”. وقد علّقت صحيفة “نيويورك تايمز” على العملية بالقول “ما من ضرر كان يمكن أن تسببه الجيوش العربية للدولة اليهودية يفوق الضرر الذي تسببت به هذه العملية”.

إعتبر بن غوريون أن “العملية المارقة” تشكل تحدياً لسلطته، وقد تقود إلى إنقلاب في البلاد أو إلى حرب أهلية، فأمر على الفور بإعتبار كل من منطمتي “ليهي” و”أرغون” منظمات خارجة على القانون، وأمر قائد جهاز “الشين بيت” إيسر هاريل بإعتقال كل عناصر “ليهي”، وعلى رأسهم اسحاق شامير نفسه، لكن الأخير لم يعتقل فيما جرى إعتقال العديد من أعضاء منظمته، وجرى التحفظ عليهم تحت الحراسة المشددة لفترة من الزمن.. وصولاً إلى إنهاء وجود هذه المنظمة، وكافأ بن غوريون هاريل بأن جعله رجل الإستخبارات الأول في البلاد.

ويصف بيرغمان هاريل بأنه رجل قصير القامة صلب ومتأثر بحركة الثورة البلشفية الروسية وإستخدامها عمليات التخريب وأنشطة حرب الأنصار والإغتيال، ولكنه كان ضد الشيوعية، وتحت إمرته حافظ جهاز “الشين بيت” على عمليات التجسس الداخلي ضد كل الخصوم السياسيين لبن غوريون، وواظب على وضعهم تحت المراقبة الدقيقة وكان هؤلاء الخصوم مروحة واسعة من قوى شيوعية ويسارية وإشتراكية إلى حزب “هيروت” اليميني الذي أنشأه عناصر من منظمتي “أرغون” و”ليهي” المنحلتين.

بن غوريون يأمر بإغتيال الصلح

ينتقل بيرغمان من التحديات الداخلية لـ”الدولة” الوليدة إلى التحديات الخارجية، فيقول إن بن غوريون ووزير خارجيته موشيه شاريت كانا يعملان بقوة على صياغة السياسة التي يتوجب إتباعها مع العرب. وقد كان شاريت من أوائل المسؤولين الإسرائيليين الكبار الذين يعتقدون أن الدبلوماسية هي الطريقة الأفضل لتحقيق السلام الإقليمي وتأمين أمن البلاد. لذلك وقبل إعلان الدولة، أجرى شاريت إتصالات سرية مع ملك الأردن عبدالله (والد الملك حسين) ومع رئيس الوزراء اللبناني رياض الصلح اللذين كانا يلعبان دوراً كبيراً في تشكيل التحالف المناهض للدولة الجديدة ويساعدان الميليشيات الفلسطينية في شن هجمات دموية  تسببت بعدد كبير من “الضحايا” اليهود…

بالرغم من موقف رياض الصلح المعروف بعدائه للدولة اليهودية، فإنه أجرى خلال العام 1948 عدة لقاءات في العاصمة الفرنسية باريس مع الياهو ساسون أحد مساعدي موشيه شاريت “لمناقشة إمكانية عقد اتفاقية سلام”، كما يقول بيرغمان، وينقل عن ساسون قوله في إجتماع للحكومة “الإسرائيلية” إنه إذا كان لا بد من إتصالات مع العرب لإنهاء الحرب “فلا بد أن تكون هذه الاتصالات مع الذين في السلطة حالياً، مع هؤلاء الذين أعلنوا الحرب علينا..”.

لم تنجح المساعي الدبلوماسية الإسرائيلية في تحقيق أي شيء، فأصدر بن غوريون أمراً بتاريخ 12 كانون الاول/ديسمبر 1948 للمخابرات العسكرية بإغتيال رياض الصلح. ينقل بيرغمان عن آرثور بن ناتان في القسم السياسي لوزارة الخارجية الإسرائيلية في ذلك الحين قوله “إن شاريت كان بالمطلق ضد فكرة إغتيال الصلح وعندما طلب من قسمنا السياسي مساعدة الإستخبارات العسكرية في تنفيذ الأمر عبر إتصالات مع مصادرنا في بيروت، رفض شاريت الأمر ودفنه في مهده”.

الإمساك بالأجهزة

يقول بيرغمان إن هذه الحادثة بالإضافة الى إشكالات أخرى بين شاريت وهاريل، جعلت الدماء تغلي في عروق بن غوريون الذي إعتبر أن الجهاز الدبلوماسي لديه أضعف من أن يماشي المؤسسة العسكرية القوية ووكالات الإستخبارات الجبّارة، وإعتبر أن شاريت شخصياً ينافسه ويشكل تهديداً لسلطته، فأمر في كانون الاول/ديسمبر 1949 بنقل القسم السياسي من تحت سلطة وزير الخارجية ليصبح تحت سلطته المباشرة كرئيس للوزراء، وحوّله لاحقاً إلى وكالة تحمل إسم “مؤسسة الإستخبارات والعمليات الخاصة”، وهي المؤسسة المعروفة عند العامة بإسم “المؤسسة” أو “الموساد”.

بعد ذلك، أصبحت “الموساد” كوكالة إستخبارات، واحدة من ثلاث وكالات أمنية في البلاد لا تزال تحتفظ إلى يومنا هذا وإلى حد ما بالشكل الذي أنشئت عليه، وهي “أمان” أي الإستخبارات العسكرية التي تزوّد الجيش بالمعلومات، و”الشين بيت” المسؤولة عن الاستخبارات الداخلية ومكافحة الإرهاب ومكافحة التجسس، و”الموساد” التي تتولى كل الأنشطة السرية خارج حدود البلاد. يقول بيرغمان إن هذا القرار شكّل إنتصاراً لايسر هاريل الذي كان يتولى مسؤولية جهاز “الشين بيت”، فأُضيفت الى مسؤولياته أيضاً مسؤولية قيادة “الموساد” ليتحول إلى الرجل الأمني الأقوى في تاريخ الدولة الناشئة.

يقول بيرغمان إن هذه القرارات جعلت كل وكالات الأمن والإستخبارات تحت السلطة المباشرة لبن غوريون، فـ”الموساد” و”الشين بيت” كانتا تحت سلطته كرئيس للوزراء. والاستخبارات العسكرية (“امان”)، كانت تحت سلطته كوزير للدفاع (كان يحتفظ بهذه الحقيبة إلى جانب كونه رئيساً للوزراء). ويضيف الكاتب أن هذه السلطة الهائلة، سياسياً وعسكرياً وأمنياً بيد بن غوريون، بقيت بعيدة عن أعين العامة من الناس لأن بن غوريون كان صارماً في إحاطة هذه الشبكة العنكبوتية من الأجهزة الأمنية الرسمية بجدار من الكتمان حتى العام 1960، كما أن بن غوريون منع وضع أية أسس قانونية لعمليات “الموساد” و”الشين بيت” أو وضع أي قانون يحدد أهدافهما ودورهما ومهماتهما أو حتى موازناتهما والعلاقة بينهما، أي أبقاهما تحت العتمة تماماً وتحت أمرة بن غوريون ومن دون أي إشراف أو مراقبة من البرلمان (الكنيست) أو أية جهة أخرى.

ويختم بيرغمان هذا الفصل بالقول إنه في إطار شعار “أمن البلد”، كان يجري تبرير الكثير من الأعمال والعمليات التي لو ظهرت للعلن لكانت محل مساءلة قانونية وجرمية بالتأكيد وكانت ستؤدي بمرتكبيها إلى السجن لسنوات طويلة. ومن ضمن هذه الأعمال، على سبيل المثال لا الحصر، المراقبة المستمرة لمواطنين فقط بسبب إنتمائهم العرقي أو السياسي؛ أساليب التحقيق التي تضمنت إعتقال أشخاص لفترات طويلة بلا مسوغ قانوني والتعذيب خلال الإعتقال وإخفاء الحقيقة عن القضاء.

(*) في الحلقة المقبلة، عميل يعيش في مصر يرسم شعار “الموساد”.. وفشل أولى العمليات الأمنية في الخارج.       

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free download udemy course