مذكرات فرزلي: مع عون من “يوم الدين” إلى قصر بعبدا

في الحلقة الثانية عشرة والأخيرة من مذكراته في كتاب "أجمل التاريخ كان غداً"، يسرد إيلي فرزلي حكايا شيقة عن علاقة سعد الحريري بسوريا ورئيسها بشار الأسد، غداة تفاهم "السين سين" وعن موقف ميشال عون في حرب تموز/يوليو 2006 وكيف وصل "الجنرال" إلى رئاسة الجمهورية.

على طريقته، يتحدث إيلي فرزلي عن تقارب البعيدين.. يروي كيف يمكن للخصوم أن يصيروا حلفاء بومضة عين.. تتدخل الجهات النافذة فجأة لتدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم.

أربعة لقاءات عقدها الرئيس سعد الحريري مع الرئيس السوري بشار الأسد، خلال أقل من سنة واحدة، بعدما كان يحمله مسؤولية إغتيال والده رفيق الحريري.. ثم عاد ليفعل بعد أن تدهور الموقف.

أيضاً الرئيس ميشال عون الذي خاصم سوريا طويلاً، بل عاداها بجذرية لافتة للإنتباه، أمكنه التحول فجأة إلى حليف لها.. وصار توزير صهره جبران باسيل هماً رئاسياً في دمشق..

التقارب بين “حزب الله” و”التيار الوطني الحر” هو أيضاً واحدة من مفارقات السياسة اللبنانية النازعة دوماً نحو الإدهاش والمباغتة.

لم يكن لذلك كله، ولسواه كثير أيضاً، أن ينقذ البلد المتشظي من السير بخطى حثيثة نحو هاوية صماء.

ماذا في جعبة إيلي فرزلي في كتاب “أجمل التاريخ كان غداً”؟

حسمت نتائج انتخابات عام 2009 الخيارات، واستبان لكلّ ذي عقل، أنه ليس بمقدور البلاد، أن يستمر نظامها على حاله، فهو يسير متعجِّلاً إلى المجهول، بل إلى الهاوية.

لم تعد الطبقة السياسية الحاكمة مؤهّلة أو قادرة على استنباط الحلول، أو على الأقل وقف التدهور، الذي في الأصل تسببت فيه. ما عاد لديها من خيار سوى أن تفتعل المزيد من الأزمات لكي تمدِّد لنفسها، خلافاً للمقتضيات الدستورية.

القانون الأرثوذكسي

يوم الجمعة 12 حزيران/يونيو 2009، بعد خمسة أيام على دورة الاقتراع، استضافتني قناة “المنار”، فقلت ما مؤدَّاه: “إنَّ الأوان قد حان لإعادة النظر في قيم النظم الانتخابية في لبنان، بعدما مات هذا البلد الذي عرفناه طويلاً وعميقاً”. وأتبعت هذا الكلام بما شكَّل نذير عاصفة: “نحن الآن أمام لبنان جديد، فلتنتخب كلّ طائفة نوابها”.

أردت من ذلك إطلاق فكرة تحوَّلت في السنوات التالية، وخصوصاً عام 2013 وما بعده، إلى عاصفة اسمها “الاقتراح الأرثوذكسي”. (…)

في الفترة التي تلت انتخابات 2009 ، لم أسعَ إلى البحث عن حلفاء جدد، ولا حاولت التواصل مع سعد الحريري ووليد جنبلاط. لم ألتقِ الحريري إلاَّ في نهاية عام 2009 بعد عودته من دمشق التي قصدها في كانون الأول/ديسمبر لمصالحة نظام بشار الأسد بعدما كال له وحلفاؤه في قوى 14 آذار/مارس شتى الاتهامات والنعوت باغتيال والده.

لم أكن على دراية بالاتصالات السرِّية التي كانت تجري بين رستم غزالي ووسام الحسن، المرافق السابق لرفيق الحريري، الذي عُيِّن رئيساً لفرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي.

دمشق مجدداً

كان وسام الحسن – وهو بعد برتبة مقدَّم – استقال من قوى الأمن الداخلي، على أثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري، إلاَّ أنَّه مع تسلُّم قوى 14 آذار السلطة، أُعيد إلى السلك العسكري وبات في منصب أُرِيد له أن يكون جهاز استخبارات قوى الأمن الداخلي، وعينُ السنَّة وأذنها في السلطة اللبنانية، موالياً لآل الحريري أكثر منه لمرجعيته الرسمية. بدا ذلك إيذاناً بالقبضة السنِّية على المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، خصوصاً مع تعيين حكومة نجيب ميقاتي العميد أشرف ريفي مديراً عاماً لها، وترفيعه إلى رتبة لواء. (…)

بادر سعد الحريري إلى القول لي: “باشرنا علاقات جديدة مع سوريا، ولديَّ الكثير من المشكلات والصعوبات أريدك أن تساعدني على حلِّها سواء على المستوى الداخلي أو على مستوى العلاقات مع دمشق”

لم يكن وسام الحسن أقلَّ تطرُّفاً من سياسيي “تيار المستقبل” وقوى 14 آذار في توجيه الاتّهام إلى سوريا بقتل الرئيس الراحل. لكنه سرعان ما امتثل للمصالحة السعودية – السورية التي أرغمت سعد الحريري على التنكُّر لكل ما ساقه ضد دمشق – على أنها قاتلة أبيه – والذهاب إليها والاجتماع ببشار الأسد أربع مرات: أولاها في 19 كانون الأول/ديسمبر 2009 بعد نحو شهر من ترؤسه الحكومة في 9 تشرين الثاني/نوفمبر، فاستمرت زيارته إلى العاصمة السورية يومين وبات ليلته هناك، فصوِّرت على أنها زيارة تاريخية بالنظر إلى العداء المستحكم الذي سبقها. الزيارة الثانية تمت في 18 أيار/مايو 2010. أما الثالثة، فقد جرت في 31 أيار/مايو فور عودته من زيارة للولايات المتحدة جاء بعدها ليطلع الرئيس السوري على نتائجها. وتمَّت الرابعة في 18 تموز/يوليو حين ذهب على رأس وفد من 13 وزيراً لتوقيع اتفاقات ثنائية بين البلدين، قبل أن يعود إلى مقاطعتها بعد اندلاع الحرب السورية في 15 آذار/مارس 2011.

دولة الرئيس السابق

في 12 كانون الثاني/يناير 2011 استقال 11 وزيراً في المعارضة، فأطاحوا الحكومة، ورئيسُها في زيارة إلى واشنطن. فاعتبر سعد الحريري أن دمشق هي المحرِّضة على خطوة وزراء المعارضة، فوقعت القطيعة مجدَّداً. ثم أتى اندلاع الحرب السورية فأعلن الحريري وقوفه إلى جانب معارضي نظام بشار الأسد ودعوته تالياً إلى إسقاطه. (…)

في تلك المرحلة من الوئام بين الحريري والسوريين، اتصل بي رستم غزالي ذات يوم طالباً منِّي أن أوافيه إلى دمشق، وفي اللقاء قال لي: “سيتصل بك سعد الحريري”.

سألت عن السبب، فأعاد على مسامعي حواراً بين الرئيس الأسد وسعد الحريري:

“سأل الرئيس الأسد زائره سعد الحريري عن أسباب عدم تواصله مع أصدقاء سوريا في لبنان، فردَّ بأنه يفعل.

عندها سأله الرئيس مستفسراً: “مع مَن تتواصل”؟

ردَّ الحريري باعتداد: “سليمان فرنجيه. اجتمعت به مرَّات”.

واصلَ الرئيس استفساره: “سليمان فرنجيه حليفنا. لكن أليس هناك سواه؟”

 فسأله الحريري باهتمام: “مثل مَن؟”.

فأجابه الرئيس: “لم تلتقِ شخصية مسيحية مثل إيلي الفرزلي؟”.

قال الحريري: “إيلي الفرزلي… طيب على راسي”.

اعتبرتُ ما رواه رستم غزالي تبليغاً، وعدت إلى بيروت بعدما أعاد تكرار العبارة: “سيتَّصل بك قريباً”.

لم تنقضِ 24 ساعة حتى اتصل بي سعد الحريري وحدَّد موعداً لاستقبالي في السرايا صباحاً. كان الاستقبال علنياً، وهو الأول وجهاً لوجه معه.

بادر سعد الحريري إلى القول: “باشرنا علاقات جديدة مع سوريا، ولديَّ الكثير من المشكلات والصعوبات أريدك أن تساعدني على حلِّها سواء على المستوى الداخلي أو على مستوى العلاقات مع دمشق”.

أجبته: “لننظر إلى التفاتة الرئيس الأسد نحو إعادة إنتاج العلاقة معك من باب الحرص على رعاية علاقة بين صديقين، بيني وبين بيتك”.

وجدته صادقاً في كلامه معي، فبادلته الصدق بمثله. عبَّر عن رغبة في أن نتعاون، وأن تكون علاقتي به كما كانت مع أبيه. في بادىء الأمر اعتقدت أنه يحاول من خلالي إيصال رسالة إلى الرئيس الأسد بأنه لبَّى رغبته بالتواصل معي، بيد أنني ما لبثت أن تحقَّقت من جدِّيته. (…)

ساعات التخلي

بعد قطيعة مع دمشق منذ 2005، عاد وليد جنبلاط واعترف بأن ابتعاده عن نظام الأسد كان “ساعةَ تخلٍّ”، فمهَّد له حسن نصرالله طريق عودته إلى دمشق، فاعتذر جنبلاط عن كلّ الاتّهامات والإهانات والنعوت التي ساقها ضد نظامها واجتمع وجهاً لوجه لأول مرَّة منذ القطيعة مع رئيسها في 31 آذار/مارس 2010.

بعد مصالحته دمشق، دعاني وليد جنبلاط إلى غداء في قصر المختارة مع سياسيين آخرين، بوجود السفير السوري علي عبدالكريم العلي، وأجلسني إلى جانبه. ثم كانت دعوة مماثلة في ذكرى مصالحة الجبل، على أنَّ أيَّ حوار في العمق لم يحصل معه ما خلا هاتين المجاملتين. فكان سعد الحريري ووليد جنبلاط الطرفين الوحيدين في قوى 14 آذار اللذين تحدَّثت معهما بعد انقطاع طويل، وهما بدورهما أيضاً بادرا إلى المجاملة بعد الوصال مع سوريا. فإذا هذه مجرَّد مظهر لصلة وصل بين الانقطاع والتواصل مع دمشق.

عون: “أتوقَّع المواجهة العسكرية مع الدولة العبرية. فما جرى في الصباح  أصاب هيبة ومعنويات جيشها الذي لا يستطيع تحمُّل فقدان اثنين من جنوده أصبحا في عهدة حزب الله”

كنت مدركاً في الأصل أن لا موطىء قدم لي في ذلك العالم الزئبقي الذي مثَّلته قوى 14 آذار، ثم أخذ بالانهيار التدريجي بفعل سوء ممارسة الحكم والسلطة على يد حكومة فؤاد السنيورة الذي لا أرى فيه سوى مواصفات النكران. لم يكن في وسعي أن أكون جزءاً من هذا العالم خارج إطار علاقة جدِّية وحقيقية مع سوريا. وهو ما لم يكن يتوسله هذا الفريق المتشنِّج الذي راح يترقّب اللحظة الإقليمية المناسبة تلو الأخرى كي ينقلب على دمشق وحلفائها وينقضَّ عليهم. فعل ذلك عام 2005، وكذلك عام 2011. فمن يُجرِّب المجرَّب؟! (…)

يوم الدين

كنت قبل ظهر 12 تموز/يوليو 2006 في زيارة العماد ميشال عون في الرابية، عندما أعلن “حزب الله” أسر جنديين إسرائيليين عند الخط الأزرق الحدودي بين لبنان وإسرائيل. لم تمض ثوان على ترامي النبأ على أسماعنا حتى  تلقَّى ميشال عون مكالمة هاتفية من الأمين العام للحزب السيِّد حسن نصرالله أبلغه فيها نجاح المقاومين اللبنانيين في الصباح في أسر جنديين من جيش العدو، ثم قال له: “سقف هذا الحدث هو تبادل الأسرى مع الإسرائيليين. سنسترجع أسرانا اللبنانيين وإن اجتمع علينا العالم كلّه”. وضع ميشال عون سمَّاعة الهاتف، صمت برهة ثم قال بلهجة لا يشوبها أيَّ اضطراب:

“أتوقَّع المواجهة العسكرية مع الدولة العبرية. فما جرى في الصباح  أصاب هيبة ومعنويات جيشها الذي لا يستطيع تحمُّل فقدان اثنين من جنوده أصبحا في عهدة حزب الله”.

زاد عون مستنتجاً: “تبادل الأسرى يجب أن يتمَّ، وإلا فإنَّه لن يسع إسرائيل تحمُّل وزر أسر الجنديين. سنذهب إلى حرب معها في أي وقت الآن. في جميع الأحوال، ومهما حدث، فإننا لا يمكن سوى أن نكون مع أهلنا اللبنانيين”.

أدلى بهذا الموقف أمامي بأعصاب فولاذية، فلمحتُ فيه عمق النظرة الاستراتيجية إلى الصراع مع إسرائيل، وتحديداً موقف التضامن مع المقاومة(…).

باسيل وزيراً

في سياق تلاقح الأفكار وتطارح هموم البلاد، لبيت مع كريم بقرادوني وجورج غانم دعوة سليمان فرنجيه إلى الغداء، وكان يومها يسكن فيللا في الرابية قريبة من فيللا ميشال عون، فعرَّجنا عليها فإذ بي أتفاجأُ بمناخ من التوتر بينه وبين الزعيم الزغرتاوي، وبين الأخير وجبران باسيل، والإحساس ذاته لمسته من حديث سليمان فرنجية لنا خلال الغداء. وزادت تعقيدات تأليف الحكومة من توتر الأجواء، فقد وقف الرئيس المكلَّف موقفاً سلبياً من رئيس “تكتل التغيير والإصلاح”.

ساءني أن تفتر العلاقات وتتوتَّر بين أهل البيت والقضية الواحدة، ولم أخفِ ذلك، فقلت لكريم بقرادوني في طريق عودتنا إلى بيروت:

“هذه المناخات السلبية لا تروق لي بشقَّيها، الحكومي بعدم استجابة مطالب ميشال عون، وبعلاقته الفاترة الملبَّدة بسليمان فرنجيه. كلاهما في قوى 8 آذار وحليفان. أفكِّر جدياً في الذهاب إلى دمشق الآن”.

سألني بقرادوني عن الجدوى من هذه الخطوة، فأجبت:

“اثنتان. أولاهما إيجاد سبل تصويب العلاقة بين الحليفين المارونيين، لأنَّ لا مصلحة لنا في هذا الخلاف، وثانيهما الوصول إلى تصوُّرات جديدة لتأليف الحكومة”.

أوصلته بالسيارة إلى منزله في الأشرفية، ثم شققت طريقي إلى دمشق. اجتمعت باللواء محمد ناصيف وشرحت له الواقع الناشىء في بيروت، فاستدعى مدير مكتبه سمير جمعه وطلب منه تدوين ملاحظاتي، وإعداد مذكرة بها إلى الرئيس.

قبل مغادرتي الأراضي السورية تلقَّيت مكالمة هاتفية من رستم غزالي، طالباً مني ملاقاته في مكتبه فأطلعني على الاتصالات السرِّية بينه ووسام الحسن. كان تعليقي على ما سمعت منه، بأنَّ لنا مصلحة مباشرة باستقرار العلاقة بين سعد الحريري والقيادة السورية.

إلاَّ أنَّ رستم غزالي قال: “موعدنا الآن ليس من أجل هذه المسألة، إن الرئيس مصرٌّ على استعجال تشكيل الحكومة في أسرع وقت ممكن”.

سألته مستفسراً: “ماذا عساي أن أفعل؟”

دخل إلى غرفة مجاورة لدقائق قليلة، ثم عاد ليقول لي: “سيادة الرئيس على الخط ويريد التحدث إليك”.

استمرت مكالمتي مع بشار الأسد قرابة نصف ساعة، شدَّد فيها على ضرورة تشكيل الحكومة، وكشف لي أنه اتصل بالعاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز وأنه قال له ما أسجِّله هنا بالحرف: “ليس لميشال عون ولد صبي. جبران باسيل صهره كإبنه، يريده وزيراً للطاقة والمياه، فهل يجوز أن يبقى ذلك عقبة في طريق تأليف الحكومة؟ لم يتردد الملك فوافقني الرأي”.

أضاف الرئيس السوري مشدِّداً: “أريد حلَّ المشكلة نهائياً اليوم”.

أجبته: “إنتظر مني مكالمة هاتفية ليلاً”.

كرَّر الرئيس كلامه: “أريد الانتهاء من الحكومة اليوم”.

غادرت مكتب رستم غزالي عائداً إلى بيروت – وقد اقترب الوقت من العاشرة ليلاً – عابراً الحدود ما بين البلدين تحت وابل من المطر الغزير. اتصلت بميشال عون وطلبت منه أن نتقابل على عجل.

تفاجأ بطلبي: “خير… كم تحتاج من الوقت لتصل؟”

أجبته وأنا أنظر إلى ساعة يدي: “ساعة ونصف ساعة على وجه التقدير”.

قال مستغرباً: “أوف… هل أنت في فرنسا؟”

أجبته: “لا، قِس مسافة ساعة ونصف ساعة تعرف أين أنا”.

الثانية عشرة إلاَّ ربعاً منتصف الليل وصلت إلى الرابية. كان الجنرال ينتظرني مرتدياً الروب والى جانبه جبران باسيل.

شرحت لهما ما دار بيني وبين الرئيس السوري.

أطرق الجنرال يفكِّر دقائق، ثم قال: “فليكن”.

قلت وقد شعرت بالارتياح: “الرئيس الأسد ينتظر مني مكالمة هاتفية وجواباً”.

اتصلت برستم غزالي مستمزجاً إمكان التوجُّه، في الليل نفسه مع جبران باسيل إلى دمشق. استمهلني في الرد، وطلب أن يتّصل بي ثانية، ثم اتصل بعد دقائق وقال إنه يفضِّل عدم اجتيازنا الحدود في الطقس الماطر والعاصف، واتفقنا على الاجتماع بعد يومين.

أُعطي الضوء الأخضر في الاتجاهين المتنافرين: لسعد الحريري ـ وكانت بدأت مساعي استعادة علاقته بدمشق قد تقدَّمت سريعاً ـ وميشال عون كي تبصر مراسيم الحكومة الجديدة النور. وهو ما حصل في الثامنة وعشر دقائق مساء 9 تشرين الثاني/نوفمبر 2009 بنيل جبران باسيل حقيبة الطاقة والمياه في الحكومة الجديدة التي اتخذت لنفسها شعار “حكومة الوحدة الوطنية”. (…)

في اجتماع أيلول/سبتمبر 2016 أعدنا طرح السؤال نفسه: “أين صرنا يا جنرال؟”، أجاب بهدوء: “أتركوا الأمر لي. ريِّحوا تفكيركم”

فخامة الجنرال

على مرِّ الاجتماعات المتزامنة مع شغور رئاسة الجمهورية، منذ انتهاء ولاية ميشال سليمان في 25 أيار 2014، وخصوصاً في الأسابيع الأخيرة ما بين آب/أغسطس وأيلول/سبتمبر 2016، كان السؤال البديهي والدوري الذي نطرحه على ميشال عون هو:

“أين صرنا من الرئاسة؟”. (…)

حينذاك كنا بدأنا نطَّلع على المفاوضات التي يجريها جبران باسيل مع سعد الحريري، وقد باشراها في باريس واستكملت في بيروت. لم يكن وزير الخارجية والمغتربين يحضر اجتماعاتنا هذه، إلاَّ أنَّ ميشال عون كان يحيطنا علماً بالمناخ الذي يسودها، من غير إسهاب أو إيراد تفاصيل، تاركاً التفاوض يسلك طريق الكتمان والسرِّية. احترمنا إرادته هذه، فوَثِق بالفريق، ووجد نفسه محوطاً بشبكة أمان ملؤها إيمان عميق بضرورة وصول الرجل إلى حيث يجب أن يكون.

لم يتوقف في الاجتماعات الأخيرة عن إرسال إشارات إيجابية عدَّة إلينا حيال مسار التفاوض واطمئنانه إلى ما سيؤول اليه، على طرف نقيض مما رافق تفاوضاً مماثلاً كان أجراه سعد الحريري مع سليمان فرنجيه في 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2015 في باريس، وقتذاك خلصا فيه إلى اتفاق يقضي بأن يقوم سعد الحريري بترشيح سليمان فرنجية للرئاسة في مقابل وصوله هو إلى رئاسة الحكومة، إضافة إلى برنامج تفاهم تضمَّن بنوداً عدَّة.

 لم تمضِ ساعات حتى جرى تسريب ذلك التفاهم، وأدى إلى إخفاقه. أصرَّ سليمان فرنجيه على ترشُّحه للرئاسة، فقابله “حزب الله” بأن الأولوية هي لخيار ميشال عون تبعاً لعبارة قديمة قالها السيِّد حسن نصرالله عام 2006، على أثر العدوان الاسرائيلي على لبنان، مفادها أنَّ “حزب الله” مدين لميشال عون “حتى يوم الدين”. في نهاية المطاف وقعت القطيعة بين ميشال عون وسليمان فرنجيه، ولم يعثر سعد الحريري أمامه، بعد أشهر، سوى على رئيس “تكتل التغيير والإصلاح” يفاوضه على صفقة مشابهة.

في اجتماع أيلول/سبتمبر 2016 أعدنا طرح السؤال نفسه: “أين صرنا يا جنرال؟”

أجاب بهدوء: “أتركوا الأمر لي. ريِّحوا تفكيركم”.

ما أن نطق بذلك حتى شعرنا بأن الاتّفاق قد تمَّ مع سعد الحريري، والتواصل غير المباشر مع السعودية بات في خطواته الأخيرة. منذ ذلك الشهر أصبح العماد متيقِّناً من انتخابه رئيساً للجمهورية على الرغم من استمرار جولات المحادثات لعدَّة أيام أخرى، ولم تكن وصلت إلى خواتيمها تماماً.

في هذا الاجتماع، بعدما أصغى إلى كلِّ واحد من فريق الستة، كشف لنا بلهجة ملؤها البهجة: “يا شباب اعتبروا أنني صرت رئيساً للجمهورية، الآن ماذا نفعل وما هو برنامجنا؟ ما هي أفكاركم؟” (…)

في 31 تشرين الاول/أكتوبر صارت ظاهرة ميشال عون، غير المسبوقة في تاريخ هذه البلاد، حقيقة واقعة. عاند وناضل وعاش قسوة الكفاح، ووحشة المنفى، وفداحة الانتظار طوال 28 سنة ليصل إلى هدفه ووصل اليه (…).

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
free download udemy course