الإغتيال نقيض السياسة.. الهاشمي نموذجاً

الإغتيال السياسي على إمتداد تاريخه لم ينجح في منع المستقبل. كل إغتيال سياسي شكّل محاولة فاشلة لمنع حاضر أو ماضٍ من أن يمضي بلا أسف. الحقيقة الوظيفية للإغتيال هي أن يكون على الضد من السياسة. الإغتيال نقيض السياسة. المرعب في الإغتيال أنه دائماً ضد التنوير. هو منحازٌ بطبيعته إلى الظلامية. إلى التقوقع بلا هوادة.

بهذا المعنى، يُقرأ إغتيال الخبير الأمني العراقي والباحث في شؤون الجماعات المسلحة هشام الهاشمي في بغداد. ذلك أن بلاد ما بين النهرين تعيش مرحلة بين إثنتين. الأولى، بلغت من العمر عقداً ونصفه منذ سقوط صدام حسين. على امتداد هذه الحقبة، كان العراق نهباً مسبياً لزعماء طوائفه، كما لمصالح الإقليم، ومن قبل ومن بعد، للعبة الأمم التي قادتها الولايات المتحدة وصارت إيران شريكتها بعد سقوط نظام البعث. أما الثانية، فهي مرحلة لم تتبدى ملامحها النهائية، لكن إنطلاق “الحوار الاستراتيجي” بين حكومة مصطفى الكاظمي والأميركيين من شأنه أن يضع أفقاً يوازن بين مصلحة ثنائي واشنطن – طهران، على أن يكون هامش النقاش تأسيساً للعراق العربي الجديد.

الهاشمي “ليس أول القتلى ولا آخر من يموت”، جراء الإغتيال السياسي. تاريخ العراق منذ ستينيات القرن الماضي بني الأساس فيه على الإغتيال داخل البلاد وخارجها. موت الهاشمي أضاف إلى العبث بالعراق الكثير من اللاجدوى على التحولات الداخلية. النهاية الشكسبيرية لمحلل صحافي تعلن أن التحولات هي انعقاد للتناقضات الداخلية مع الخارجية. مقتلة الرجل تضاف إلى موتٍ كثير لا يتوقف ولا ينضب في بلاد بابل. موته جاء في خضم صراع هوياتي. والهويات في بلاد الشرق تصلب ويشتد عودها بكثرة ضحاياها، مؤيدين أو معارضين. لقد كان القتل المتواصل سمة هذه البلاد منذ صعود “بعث الرسالة الخالدة” وصولاً إلى حاضر تفلت عنف الهويات الشيعية والسنية والكردية والتركمانية. “المكونات” التي صارت وصفة طائفية ومذهبية وسمة عراقية!

الجهة التي قررت أن تكون قضاءً وقدراً للخبير الأمني، تعلن إنعدام السياسة. لذلك قررت إبرام الموت. فقدان السياسة وكل أدواتها عند القتلة يكشف مقدار التمزق الذي أصاب المأساة العراقية، وكذلك حجم التصدع الذي صار قريناً للسياسة في العراق

اغتيال الهاشمي كان جسراً لوصل الواقع الحالي المتشظي للعراق مع متطلبات القتلة الذين يعلنون ما يريدون من فوهات البنادق ومن فوهات كاتم الصوت. القتلة يفعلون ما يفعلون لأنه يتراءى لهم انهم ينتصرون. هؤلاء لا يضيرهم نعتا من هنا، أو إدانة من هناك. هم يعتبرون انفسهم صناع هوية بلادهم وشعبهم، وأن رحم “الأمة” الذين خرجوا منه هو من يعطي شرعية البقاء لهذا، ويسقطها عن ذلك.

من بديهيات القتلة أنه لا يوجد غيرهم. أو على معنى أدق، فإن هذا الغير مشروط بقاؤه بمدى خنوعه واستسلامه لمصائرهم التي تضعها “الأمة- الهوية”.

مقتلة الهاشمي بالمعنى العريض للقاتل، أي الجهة التي قررت أن تكون قضاءً وقدراً للخبير الأمني، تعلن إنعدام السياسة. لذلك قررت إبرام الموت. فقدان السياسة وكل أدواتها عند القتلة يكشف مقدار التمزق الذي أصاب المأساة العراقية، وكذلك حجم التصدع الذي صار قريناً للسياسة في العراق. أهم من ذلك، فقد كشف أن رحيل صدام حسين لم يغير شيئاً مما كان ينشده العراقيون. وأن قدر العراقيين العيش بلا صمامات أمان منذ أن جعلوا هوياتهم الضيقة أولاً، فيما هويتهم الوطنية حلت أخيراً على سلم أولوياتهم.

هذا العراق المتشظي داخلياً يتيح للعناصر الخارجية أن تفعل فعلها في تكبير الشقاق الداخلي، حتى بإستعمال كل الوسائل التي تتيح لها أن تغير مسارات ومصائر العراقيين. ما يضاعف خطورة العيش في العراق هو انحسار دور الدولة لصالح العصبيات الأهلية التي كبتت مديداً تحت وطأة “القومية العربية” التي لم ترحم أحداً خرج منها أو عليها.

الإغتيال يعلن التغيير بالدم. يجهر برفض قيم التعايش والتفاعل الحضاري وقبول الآخر واعتبار الديموقراطية أساساً لإشتقاق السياسة اعتباراً من المصالح الداخلية. من المبكر التكهن بما سيكون عليه العراق، لكن الراجح أنه بلغ القعر في السقوط، وأن وحدته مهددة طالما أن من فيه لا يتحدثون إلا عن ضمانات وحصص وحقوق على الدولة وليس لها. الدولة هناك تجلس فقط على المنطقة الخضراء. ومن يعش خارجها تبقى حظوظه في الموت غيلة وقتلاً أعلى بكثير. القتلة بالعراق يتلاعبون بكل شيء. بمشاريع السلطة. بالمواطنين. بالنفط. واخطر ما يتلاعبون فيه هو المصائر.

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
free download udemy course