حتى يكون المواطن شريكاً في القرار البيئي

مع رفع إتحاد بلديات الضاحية الجنوبية الصوت عالياً محذراً من تحول مطمر "الكوستا برافا" في منطقة خلدة غرب مطار بيروت الدولي، إلى قنبلة بيئية، عاد ملف النفايات الصلبة إلى واجهة الإهتمام السياسي في لبنان.

لبنان الذي كان يقال عنه في ما مضى انه “سويسرا الشرق” يعاني من معضلة تلوث بيئي لا يحصى ولا يعد، بدءاً من ازمة النفايات التي لم نجد حلولاً ثابتة لها منذ ثلاثة عقود من الزمن؛ تلوث المياه السطحية والجوفية؛ تلوث الهواء، فضلا عن مصادر أخرى للتلوث.

تكثر التعليقات وتتهافت الاتهامات والتحركات.. لكن في النهاية عودٌ على بدء. لا سياسات مستدامة لادارة القطاعات. لا مسؤوليات محددة. الأفدح أن واقعنا البيئي والصحي المرير يشي بكوارث وآخرها الفضائح المتتالية في قطاع اللحوم والدجاج والأسماك.

في احسن الاحوال، يمكن ان يصدر قرار أو مرسوم أو قانون. لنأخذ مثلاً قانون حماية البيئة 444/ 2002 وقانون الادارة المستدامة للنفايات الصلبة 80/ 2018 وهما يقدمان لنا خير دليل على أن معالجة التلوث أو الادارة السليمة للنفايات لا تتحقق فقط بمجرد اقرار قانون أو إصدار قرار أو مرسوم. نحن نحتاج إلى إرادة.. والإرادة تحتاج إلى وعي عميق، وكل ذلك يقودنا إلى إفتقادنا للإستراتيجيات.

لقد كرس قانون حماية البيئة 444 /2002 حق المواطن اللبناني ببيئة سليمة واجبره على الالتزام بالمبادئ البيئية العشرة المتعارف عليها عالمياً. تنص المبادىء 7 و8 و9 على مبدأ المشاركة. مبدأ التعاون، ومبدأ مراقبة التلوث، وكل ذلك بهدف منح المواطن اللبناني الحق في مشاركة السلطات في القرار البيئي وتنفيذه ومراقبته.

برغم ذلك، ثمة فجوة تتسع بين نص القوانين وبين تطبيقها، فهل المراسيم التطبيقية هي مقبرة القوانين؟ ام تنازل المواطن عن المحاسبة والمتابعة واخذ المبادرات؟ ما هو دور البلديات/ السلطات المحلية؟ ثم هل يعلم المواطن اللبناني فعلاً انه شريك في صنع القرار؟ ما مدى معرفته بطرق المشاركة؟ هل يرغب المواطن فعلا بالمشاركة ام هل تنازل عن هذا الحق اسوة بغيره من الحقوق؟ هل يعلم واجباته تجاه البيئة؟ المجتمع؟ تجاه نفسه والاجيال القادمة؟

صار لزاماً على السلطة تقييم تجارب ادارة النفايات المنزلية الصلبة والبناء على المشاريع او المبادرات الاكثر نجاحا، ومشاركة هذه النجاحات مع المواطنين بالاضافة الى إجراء تقييم علمي لكل المشاريع التي نفذت والخروج بعدها بتوصيات من أجل تطوير المشاريع القائمة او صياغة مشاريع جديدة

لا يكف المواطن اللبناني عن لوم الدولة إزاء الواقع البيئي السيء في البلد. لا شك بأن المسؤولية مشتركة. سلطة وادارات رسمية معنية وجمعيات مجتمع مدني، ولكن اود التركيز على دور المواطن المجتمعي المسؤول في الحفاظ على البيئة، وبالاخص في تحقيق ادارة مستدامة للنفايات الصلبة. يمكن تلخيص الدور المسؤول للمواطن وللسلطة والجمعيات على الشكل الآتي:

  • الحفاظ على البيئة: عدم رمي النفايات في البحر، النهر، الطرقات والاماكن العامة او حرقها.
  • المشاركة في الاجتماعات العامة او الاستشارات العامة التي يدعى إليها المواطن عند التخطيط لاي مشروع يتطلب دراسة اثر بيئي.
  • الطلب من السلطات المعنية الحصول على المعلومات وشرح الوقائع.
  • تخفيف انتاج النفايات وتطبيق اعادة الاستعمال والتدوير.
  • تعزيز السلوكيات البيئية.
  • ممارسة حق المشاركة البناءة الواعية والمستندة الى آراء علمية بدل التعطيل الناتج عن معلومات مغلوطة لا تميز بين المكب، المطمر، معامل الفرز والتسبيخ
  • وضع الاهتمام بالصحة والبيئة كأولوية.
  • التوقف عن اخذ القرارات بناء على الاحكام المسبقة.
  • المشاركة والانخراط مع السلطات المحلية/ البلديات والجمعيات الناشطة للتخطيط سويا لانماء المناطق والبلدات.
  • دفع المستحقات للبلديات حتى تتمكن البلديات من تحسين ظروفها المالية والتخطيط للتنمية وتحسين ادارتها لملف النفايات.
  • مطالبة البلديات بجعل البيئة في صلب جميع خطط الطوارئ والتنمية.. لا أن تكون مجرد مواسم إنتخابية.

صار لزاماً على السلطة تقييم تجارب ادارة النفايات المنزلية الصلبة والبناء على المشاريع او المبادرات الاكثر نجاحا، ومشاركة هذه النجاحات مع المواطنين بالاضافة الى إجراء تقييم علمي لكل المشاريع التي نفذت والخروج بعدها بتوصيات من أجل تطوير المشاريع القائمة او صياغة مشاريع جديدة. ان التقييم المقترح هو خطوة ضرورية اولية لاعادة بناء الثقة بين الدولة والبلديات والمواطنين وهي تشكل مقدمة لتسهيل وتنفيذ المشاريع الجديدة التي تحترم مبادئ الادارة المستدامة للنفايات الصلبة.

لقد نص ميثاق الوفاق الوطني (إتفاق الطائف) في مقدمته على إعتبار “الإنماء المتوازن للمناطق ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً ركناً أساسياً من أركان وحدة الدولة واستقرار النظام”، لذلك، دعا إلى “اعتماد خطة إنمائية موحدة شاملة للبلاد قادرة على تطوير المناطق اللبنانية وتنميتها اقتصادياً واجتماعياً، وتعزيز موارد البلديات والبلديات الموحدة والاتحادات البلدية بالإمكانات المالية اللازمة”، كما شدد على أهمية “العمل على تحقيق عدالة اجتماعية شاملة من خلال الإصلاح المالي والاقتصادي والاجتماعي”، وكذلك على إعتماد اللامركزية الإدارية الموسعة.

لا بد من ترجمة هذه النصوص الدستورية على أرض الواقع.. وإلا سيبقى التخبط والإرباك سمة كل السياسات التنموية والبيئية في لبنان.

Avatar

مهندسة، متخصصة في ادارة المياه والنفايات

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
online free course