“ماتريوشكا” فضائية تثير هلع الأميركيين!

منذ فترة، باتت الأنباء المتداولة عبر الوكالات العالمية عن اقتراب سفن أو طائرات حربية روسية من نظيراتها الأميركية أو الأطلسية في هذه النقطة أو تلك من العالم مألوفة. لكنّ ما يجري بين الروس والأميركيين بات يتجاوز البحر والسماء، وصار ميدانه الفضاء، الذي يتحول يوماً بعد يوم الى رمز لمواجهة كونية يبدو أنها  بدأت تتخذ منحى غير مألوف.

قبل أيام، وجهت قيادة القوات الفضائية الأميركية اتهاماً لروسيا باختبار سلاح مضاد للاقمار الاصطناعية في المدار.

خلفية هذا الاتهام هي حادثة وقعت، وفق الرواية الأميركية، في كانون الثاني/يناير الماضي حين اقترب قمر اصطناعي روسي من قمر اصطناعي أميركي، وتجددت الهواجس بشأنها في الخامس عشر من تموز/يوليو الحالي، حين أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن اطلاق قمر اصطناعي جديد لمسح الأقمار الاصطناعية الأخرى من مسافات قريبة.

القمر الاصطناعي المثير للجدل لا يمثل في الواقع تطوّراً جديداً في عالم الفضاء، فهو ينتمي إلى تلك الأقمار التي تُطلق عليها تسمية “القمر المفتش” أو “القمر الماسح”، ولها أهداف عدّة، بينها مراقبة الأقمار الاصطناعية الأخرى، وبحث تأثير عوامل الفضاء المصطنعة والطبيعية عليها، والاسهام في توفير الحماية لها.

وكانت روسيا قد أطلقت في أوقات سابقة أقمارا صناعية يوكل إليها هذا الدور، من بينها، على سبيل المثال، القمر “كوسموس-2521” الذي تم اطلاقه في حزيران/يونيو العام 2017، والمخصص لمراقبة قمر اصطناعي آخر، وبعده القمران “كوسموس-2535″ و”كوسموس-2536” اللذان اعلن عن اطلاقهما نحو المدار الأرضي في آب/أغسطس وتشرين الثاني/نوفمبر من العام 2019.

برغم تأكيد الجانب الروسي على سلمية الأقمار الاصطناعية “المفتشة” وتشديدها على عدم الرغبة في عسكرة الفضاء، إلا أن الولايات المتحدة تصر على أن طبيعة الاختبارات التي قامت بها القوات الفضائية الروسية تتجاوز الغرض المعلن.

الهواجس الأميركية لا يمكن تبديدها بسهولة، فمن المعروف جيداً أن لكل قمر اصطناعي، سواء كان اميركياً أو وروسياً أو غير ذلك، هدفاً مزدوجاً، احدهما مدني (اتصالات، بث فضائي، استكشاف علمي… الخ)، والآخر عسكري، وتلك حقيقة علمية لا جدال فيها، وإن كان يصعب تحديد المهمة العسكرية بشكل دقيق، لا سيما أن تفاصيلها تبقى معروفة فقط لدائرة ضيقة من المختصين، وهو ما يفتح المجال للتخمينات والافتراضات المتعددة.

ومنذ إطلاق أول قمر اصطناعي من قبل السوفيات (“سبوتنيك-1”) في الرابع من تشرين الأول/أكتوبر العام 1957 ، تغير الكثير في الفضاء، وبات عدد الأقمار الاصطناعية يحسب بالآلاف، حيث تمتلك أكثر من 60 دولة أقمارها الاصطناعية الخاصة، وهي كلها أجسام هشة، إذ من غير العملي حمايتها من الهجمات.

لا بد من الإشارة إلى أن أربع دول فقط، هي الولايات المتحدة وروسيا والصين والهند، تمتلك أسلحة مضادة للأقمار الصناعية من فئة “أرض – مدار”، ويبدو أن هذه الأنظمة تتجه إلى مرحلة جديدة تتمثل في تطوير  أسلحة مضادة من فئة “مدار – مدار”، وهو أمر ليس حكراً على الثنائي الروسي والأميركي، لا سيما أن الصين بدورها تخطو خطوات مهمة في هذا المضمار.

هذا ما يثير قلق الأميركيين  إزاء الاختبارات الروسية الأخيرة، حيث يُشتبه في أن روسيا طوّرت نموذجاً لقمر اصطناعي يمكن تشبيهه بدمية “الماتريوشكا” الروسية الشهيرة، لكونه قادراً على حمل أقمار اصطناعية صغيرة.

يُشتبه في أن روسيا طوّرت نموذجاً لقمر اصطناعي يمكن تشبيهه بدمية “الماتريوشكا” الشهيرة، لكونه قادراً على حمل أقمار اصطناعية صغيرة

ليست هذه المرة الأولى التي تُتهم فيها روسيا باختبار أقمار اصطناعية من هذا القبيل، ففي آب/أغسطس من العام 2017 ، قال الأميركيون إن جسماً صغيراً أطلق عليه اسم “كوسموس-2521” انفصل عن القمر الاصطناعي “كوسموس-2519″، ثم أطلق ما اعتبره الأميركيون قذيفة متوسط سرعتها 250 كيلومتر في الساعة.

وبحسب الاتهامات الأميركية، فإن الحديث يدور عن تجربة عسكرية، وهو ما عبر عنه قائد القوات الفضائية الأميركية جون ريمون بالقول إن “القمر الاصطناعي الروسي أجرى تجارب أسلحة في المدار، وهو ما دفعنا إلى الإعراب عن قلقنا في وقت سابق من هذا العام عندما كانت روسيا تناور بالقرب من قمر صناعي تابع للحكومة الأميركية”.

يشير جون ريمون في ذلك إلى رصد اقتراب القمر “كوسموس-2542” الروسي، الشبيه بالقمر “كوسموس-2519” السابق الذكر، “بشكل خطير” من القمر الاصطناعي الأميركي “يو أس آيه – 245″ التجسسي، الذي ينتمي إلى فئة الأقمار المعروفة بـ Key hole ويرمز إليه بـ”كي اتش -11”.

وبحسب المعلومات التي سرّبها الجانب الأميركي فإنّ روسيا أطلقت القمر “كوسموس-2542” من قاعدة “بليسيتسك” الفضائية على متن صاروخ “سويوز” ليحلق على مسافة تتراوح من 250 إلى 550 ميلا فوق سطح الأرض، وهو مزوّد بأجهزة استشعار تمكّنه من القيام بعمليات مسح ضوئي للأقمار الأخرى، وبالإمكان أيضاً تحويله إلى سلاح يستهدف تدمير أقمار اصطناعية معادية في حال تزويده بمتفجرات أو إمكانات أشعة ليزر.

الأمر المثير هو أن القمر الروسي “كوسموس-2542” اقترب في منتصف كانون الثاني/يناير من قمر التجسس الأميركي “يو أس آيه-245″، وبدلاً من الانحراف بعيداً كما يفعل عادة، نفذ مجموعة من المناورات في الفترة الممتدة بين 20 و23 كانون الثاني/يناير، قبل أن يدخل مدار القمر الأميركي.

هذه المناورة لاحظها هاوٍ متتبع لحركة الأقمار الاصطناعية يدعى نيكو جانسن، وقد أرسل ملاحظاته إلى طالب الدكتوراه الأميركي مايكل طومسون الذي كتب عبر “تويتر” في 30 كانون الثاني/يناير ما يلي: “يحوم القمر الروسي (كوسموس-2542) خلف القمر الأميركي (يو أس آيه – 245)، وبينما أكتب ذلك، تتراوح المسافة بينهما بين 150 و300 كيلومتر، بناء على موقعهما في المدار”.

وبحسب طومسون فإنّ  “المدار النسبي للقمر الروسي صُمم بذكاء بالغ. يمكن للقمر الروسي (كوسموس-2542) رصد أحد جانبي القمر (كي اتش -11) عندما يكون كلا القمرين في ضوء الشمس، وبمرور الوقت، عند دخول منطقة الكسوف، ينتقل إلى رصد الجانب الآخر”.

الجانب الفعلي من حالة الهلع التي تولدها “الماتريوشكا” الفضائية يكمن في أن الاختبارات الروسية تعزز فرضية أن موسكو وبكين أصبحتا تمثلان تهديداً استراتيجياً للتفوق الأميركي في الفضاء، وهو ما أورده التقرير الذي كشف النقاب عنه قبل فترة في الولايات المتحدة والذي يحمل عنوان “استراتيجية دفاعية أميركية جديدة في الفضاء”، وقد جاء فيه أن “الفضاء بات الآن منطقة حرب منفصلة”.

وتكمن المخاوف الأميركية في شبهة قيام الروس بتطوير نظام فضائي حاولت الولايات المتحدة القيام به في نهاية خمسينيات القرن الماضي، أي بعد إطلاق القمر “سبوتنيك-1″، من خلال برنامج مكافحة الأقمار الاصطناعية، ومن خلاله تم إطلاق صاروخ “بولد اوريون” من قاذفة “بي-47” من أجل اختبار إمكانية ضرب مركبة فضائية بأسلحة نووية. ومع أن هذا المشروع اعتبر غير فعال وتم تقليصه في وقت لاحق، إلا أن كلاً من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي حاول باستمرار اختبار أنظمة مضادة للأقمار الاصطناعية، لا بل أن السوفيات سعوا في الثمانينيات لتطوير مشروع قمر اصطناعي “انتحاري”.

في التسعينيات، تأكدت خسارة روسيا لسباق الفضاء، لا سيما بعد التطورات التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي، ما جعل الولايات المتحدة تتمتع بالتفوق في هذا المجال، وثمة تقارير تتحدث عن انها طوّرت بالفعل نماذج من أقمار اصطناعية مماثلة لتلك التي تشكو من قيام روسيا بتطويرها حالياً، ما يعني أن جانباً جوهرياً من الاتهامات الموجهة لروسيا حالياً بعسكرة الفضاء مردّها أن موسكو قد كسرت بالفعل ذلك التفوق الأميركي، أو على الأقل في طريقها إلى ذلك.

ولا بد من الإشارة في هذا السياق إلى أن التوجهات الروسية في مجال الفضاء اتخذت منحى جديداً خلال السنوات الماضية، ففي العام 2015، أعادت روسيا تشكيل القوات الفضائية كفرع منفصل في الجيش؛ وفي العام 2019، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين واضحاً في حرص بلاده على تطوير النشاط الفضائي حين شدد على أن “الحفاظ على الاستقرار الاستراتيجي والتكافؤ العسكري يستند إلى القدرة على حل المهمات الأمنية في الفضاء بشكل فعال”.

ومع ذلك، تنفي روسيا أنها تسعى إلى عسكرة الفضاء، فقبل يومين من إطلاق القمر الاصطناعي الأخير، قال وزير الخارجية سيرجي لافروف: “نحن على استعداد للتحدث مع زملائنا الأميركيين لإقامة تعاون من أجل الاستخدامات السلمية للفضاء الخارجي”، وهو ما كررته وزارة الخارجية الروسية الأسبوع الماضي حين أكدت أن “التجارب التي أجرتها وزارة الدفاع الروسية في 15 تموز/يوليو لم تشكل تهديداً لأجسام فضائية أخرى، والأهم من ذلك، لم تنتهك قواعد ومبادئ القانون الدولي”، واضعة الاتهامات الأميركية في سياق “حملة إعلامية مستهدفة قامت بها واشنطن لتشويه سمعة الأنشطة الفضائية الروسية ومبادراتنا السلمية لمنع سباق التسلح في الفضاء الخارجي “.

هذا الموضوع سيحتل حيزاً أساسياً في اجتماع يعقده الجانبان الروسي والأميركي في فيينا. بصرف النظر عن نتائج هذه اللقاءات، فإنّ الأجواء المشحونة على خط موسكو – واشنطن تشي بأنّ العالم مقبل على نسخة جديدة من السباق إلى الفضاء، الذي كان أحد ميادين المواجهة في الحرب الباردة، والذي خسره الاتحاد السوفياتي لحظة هبوط الأميركيين على سطح القمر عام 1969… بعد خمسين عاماً على هذا الحدث، يمكن افتراض أن روسيا استخلصت الكثير من العبر، ما يدفع الى الاعتقاد بأنّ السباق الجديد سيكون محكوماً بقواعد مختلفة تماماً عن سلفِه.

وسام متى

صحافي لبناني متخصص في الشؤون الدولية

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy course