“الروليت البيلاروسية”.. لوكاشينكو بين المناورة والمقامرة
Russia's President Vladimir Putin (R) and his Belarus' counterpart Alexander Lukashenko walk in as they attend a session of the Supreme State Council of the Union State at the Kremlin in Moscow on March 3, 2015. AFP PHOTO / POOL / SERGEI KARPUKHIN (Photo credit should read SERGEI KARPUKHIN/AFP via Getty Images)

لطالما أحسن الرئيس البيلاروسي الكسندر لوكاشينكو لعبة التأرجح بين روسيا والغرب. ثمة من يرى في ذلك براعة في المناورة السياسية ضمنت له استمرارية في الحكم لأكثر من 25 عاماً،  تفاوتت خلالها خلال السياسة الخارجية للجمهورية السوفياتية السابقة بتقارب حذر مع روسيا من جهة، واستمالة للغرب من بوابة الصراع الجيوسياسي بين حلف شمال الاطلسي وموسكو من جهة ثانية. ومع ذلك، فإنّ هذا النهج يقف اليوم عند منعطف خطير عشية انتخابات رئاسية غير مسبوقة في طابعها منذ ربع قرن قد تنهي مستقبل "آخر ديكتاتور في أوروبا"، كما يصطلح الغربيون على وصفه.

يواجه الكسندر لوكاشينكو أخطر التحديات، لا بل يخوض ما يمكن اعتبارها معركة وجودية قد يضطر فيها لاستخدام كل الأسلحة السياسية الثقيلة.

عشية الانتخابات الرئاسية المتوقع اجراؤها في التاسع من آب/أغسطس الحالي، يجد الرئيس البيلاروسي نفسه أمام معارضين شرسين، لم تثنهم إجراءات القمع السياسي التقليدية المتبعة في الجمهورية السوفياتية السابقة عن تهديد عرشه، فوحّدوا صفوفهم خلف سفيتلانا تيخانوفسكايا، التي خاضت التحدي الانتخابي من منطلق أنها زوجة مدوّن معارض، القى به نشاطه السياسي خلف القضبان.

من السابق لأوانه توقع هزيمة لوكاشينكو، فالرجل البالغ من العمر خمسة وستين عاماً، والقادم إلى الحكم من تجربة الكولوخوزات السوفياتية، يمتلك الكثير من الأدوات لوأد طموحات منافسيه، إن كان من خلال حشد مراكز القوى المستفيدة من نظامه، أو من خلال سجن المعارضين، أو تزوير الانتخابات.

لكن ثمة مؤشرات تشي بأنّ الزعيم البيلاروسي يستشعر خطراً ما، سواء تعلّق الأمر باستمرارية رئاسته (أو بمعنى آخر مستقبله السياسي) أو ارتبط بالتداعيات المحتملة لفوز “غير نظيف” من شأنه يجعل أبواب بيلاروسيا مشرّعة أمام سيناريوهات العصيان التي شهدتها أكثر من دولة سوفياتية سابقة في ظروف مماثلة.

أحدث مؤشرات استشعار الخطر، تبدت خلال الأسبوع الماضي في الإعلان عن توقيف 33 روسياً، ينتمون إلى شركة “فاغنر”، من بين 200 عنصرٍ أمني “متطرف”، زعمت السلطات البيلاروسية أنهم تسللوا إلى البلاد بغرض “تنظيم أعمال شغب جماعية”، بحسب ما أوضحت ممثلة لجنة التحقيق في بيلاروسيا يوليا غونشاروفا، أيّ أنهم باتوا متساوين في التهمة مع المعارضين البيلاروسيين البارزين سيرغي تيخانوفسكي ونيكولاي ستاتكيفيتش.

لكنّ الكثير من الخبراء، سواء في روسيا أو خارجها، يشككون في الرواية البيلاروسية، إذ يرون أن عناصر “فاغنر” المفترضين ربما كانوا ببساطة يستخدمون أراضي بيلاروسيا كنقطة عبور ملائمة في طريقهم إلى السودان أو سوريا أو ليبيا أو افريقيا الوسطى، وهي الدول التي تعمل فيها الشركة الأمنية المثيرة للجدل.

ووفقاً لخدمة “راديو ليبرتي”، وهي جزء من البروباغندا الأوروبية الموجهة ضد روسيا، فإنّ الأشياء التي تم العثور عليها مع الموقوفين كانت تضم أوراقاً نقدية سودانية وما يبدو أنها بطاقة هاتفية تظهر صورة لمسجد سوداني.

من المعروف أن عناصر مجموعة “فاغنر” يعملون في السودان، وقد أعلنت وزارة الخزانة الأميركية في وقت سابق من الشهر الحالي عن عقوبات على الشركات التابعة للمجموعة لدورها في التعاون مع الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير لقمع الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في أواخر عام 2018.

بناءً على ما سبق، يمكن افتراض أن الاعتقال المعلن لـ”المرتزقة” الروس هو مجرّد ورقة انتخابية يسعى لوكاتشينكو إلى استخدامها لشد العصب الداخلي، لا سيما بعدما صار مستقبله السياسي أمام حالة نادرة من المنافسة الانتخابية، تمثلت في توحّد المعارضين خلف تيخانفوسكايا، كما سلف، علاوة على أن المزاج الانتخابي العام يشي بأنّ المرشحة المعارضة باتت تحظى بشعبية واسعة في المعاقل التقليدية للزعيم البيلاروسي، مدفوعة بإحباط شعبي من النظام القائم، على خلفية الركود الاقتصادي وتجاهل لوكاتشينكو لوباء “كوفيد-19″، برغم اعلانه قبل أيام أنه أصيب بالفيروس التاجي ونجا منه “بنفسه”.

لطالما استخدم لوكاتشينكو شبح التدخل الأجنبي ـ روسياً كان أم غربياً ـ لتصوير نفسه على أنه الشخص الأفضل للدفاع عن السيادة الوطنية، وبالتالي فإن استحضار شبح “فاغنر”، من شأنه أن يرسل إشارة تحذير للناخبين بأن بيلاروسيا من دون رئيس قوي يمكن أن تسلك المسار الأوكراني المشؤوم.

لطالما استخدام لوكاتشينكو شبح التدخل الأجنبي – روسياً كان أم غربياً – لتصوير نفسه على أنه الشخص الأفضل للدفاع عن السيادة الوطنية

دعا لوكاشينكو إلى اجتماع لمجلس الأمن البيلاروسي يوم الأربعاء، ووصف الوضع بأنه “طارئ”، قائلاً  “أنا انتظر رد فعل الروس. إنهم يحاولون بالفعل تبرير أنفسهم، قائلين إننا جلبناهم (الموقوفين) عملياً إلى هنا بأنفسنا… من الواضح أن عليهم أن يبرروا بطريقة ما نواياهم القذرة”.

الملفت للانتباه أن لوكاشينكو تمكن من جذب بعض عناصر المعارضة البيلاروسية، التي وجدت نفسها في صف حليف غير عادي في الحديث عن “يد روسيا الخفية” في الانتخابات الرئاسية، للتصويب على تيخانوفسكايا، التي يفترضون أنها تحظى بدعم غير علني من الكرملين.

هذا الاتهام يعززه أن تيخانوفسكايا حشدت خلفها فصيلين معارضين يقال أنهما مواليين لروسيا، والحديث هنا يدور عن الرجلين اللذين رُفض طلب ترشّحمها إلى جانب سيرغي تيخانفوسكي، زوج سفيتلانا تيخانوفسكايا، وهما فاليري تسيبالكو وفيكتور باباريكو، اللذان ابديا دعماً واضحاً للمرشحة المعارضة، تبدّى في الصورة التي جمعتها بزوجة الأول فيرونيكا والممثلة الرسمية للثاني ماريا كوليسنيكوفا.

تنطلق الحملة على تيخانوفسكايا من كون فيكتور باباريكو قد جمع أمواله كمدير مصرف مملوك لشركة “غازبروم” الروسية، ومن كون فاليري تسيبالكو قد هرب إلى روسيا مع أطفاله بعد وقت قصير من منع ترشحه.

علاوة على ذلك، يقول القوميون البيلاروس أن ثمة علاقات تجمع سيرغي تيخانوفسكي مع شخصيات من النخبة الروسية، وهو اتهام وضعته زوجته في خانة “الشائعات السخيفة”، مشيرة إلى أن زوجها كان يبحث عن “الكوبيك” (عشر الروبل) لدفع ثمن البنزين أثناء حملته الانتخابية!

في الواقع، ثمة أسباب تدفع إلى نفي “التهمة” الروسية عن تيخانوفسكي، فالرجل كان وجهاً بارزاً في الاحتجاجات ضد الاندماج الأوثق مع روسيا، في حين تمسك زوجته العصا من الوسط في خطابها الانتخابي، انطلاقاً من سياسة “أصدقاء مع الجميع”، بما يشمل قضية القرم التي قالت فيها إن شبه الجزيرة.. أوكرانية “بحكم القانون” وروسية “بحكم الواقع”.

أيا تكن الحال، فإنّ توقيف رجال “فاغنر” ربما يعطي لوكاشينكو فرصة لحيلة ما قبل الانتخابات، ومع ذلك، فالأمر يبدو أقرب إلى نسخة بيلاروسية من “لعبة الروليت الروسية”، ذلك أن تسوية وضع الموقوفين الروس من دون محاكمة من شأنها أن تقوض مزاعمه داخلياً، وتسحب أوراق الاعتماد التي يسعى لتقديمها من خلال هذه المغامرة للغرب، في حين أن توجيه اتهامات رسمية لرجال “فاغنر” بالقيام بـ”أعمال قذرة” سيثير بالتأكيد غضب روسيا.

في سياق “الروليت البيلاروسية” هذه، قد يجد لوكاشينكو نفسه مضطراً إلى التخلي عن استراتيجية التوازن بين روسيا وأوروبا، والتي بادر من خلالها إلى قبول الانضمام إلى دولة اتّحادية مع روسيا، لكنه رفض الاندماج الكامل الذي يسعى إليه فلاديمير بوتين، وآثر عدم استضافة قواعد عسكرية روسية على أراضي بلاده، أو حتى الاعتراف بضمّ شبه جزيرة القرم، كما استفاد من الأسعار التفاضلية الهائلة للنفط والغاز الروسيين، والتي بلغت عشرات مليارات الدولارات، لكنه تفاوض على شراكة تجارية منفصلة مع الصين.

علاوة على ما سبق، سعى لوكاشينكو منذ بداية الأزمة الروسية – الأوكرانية في العام 2014، إلى إذابة الجليد عن علاقته بالغرب، حيث بادر في العام 2015 إلى الإفراج عن السجناء السياسيين المتبقين في البلاد، ما دفع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى رفع العقوبات عن بيلاروسيا، في وقت شهد العام الفائت اختراقاً كبيراً في العلاقات بين واشنطن ومينسك تمثل في اتفاق لتبادل السفراء للمرة الأولى منذ أكثر من عقد من الزمن.

كذلك، أظهرت السنوات الماضية أن لوكاشينكو مستعد للاندماج مع التحالفات العسكرية السياسية الغربية، حيث جرت بالفعل تدريبات مشتركة مع القوات الخاصة البريطانية في العامين 2018 و2020، فيما تلاحظ حماسة ملفتة للانتباه من جانب موظفي وزارة الخارجية البيلاروسية في المشاركة في اجتماعات شبكة المنظمات غير الحكومية الغربية، التي تتطور على أراضي جمهورية بيلاروسيا بدعم وتشجيع مباشر من لوكاشينكو.

كل ذلك، رفع منسوب الحذر من جانب بوتين تجاه لوكاشينكو، إذ لم يعد خافياً أن الرجلين، اللذين لم تكن الكيمياء بينهما قائمة أصلاً، قد أصبحت علاقتهما باردة للغاية، وهو ما يمكن تلمّسه في كافة التقارير التي تتناول الشأن البيلاروسي في الصحافة الروسية منذ فترة.

ويمكن للوكاشينكو أن يستمر في مناوراته، وهو مطمئن إلى أن روسيا لا تنوي إطاحته طالما لم يتوافر بديل مستساغ للكرملين، ذلك أن بيلاروسيا هي حاجة روسية استراتيجية بالغة الأهمية، بالنظر إلى كونها منطقة عازلة بين حلف شمال الأطلسي وروسيا، ففي حال جنحت الأمور نحو انضمام بيلاروسيا إلى حلف شمال الأطلسي، فسيشكل ذلك تهديداً أمنياً بالغ الخطورة عند الحدود الروسية الغربية، علاوة على ان جيب كالينينغراد سيصبح جزيرة محاطة بدول ليس لديها موقف دافئ تجاه روسيا.

مع ذلك، فإنّ روسيا تمتلك الكثير من أدوات الضغط لمنع سيناريو من هذا القبيل، من بينها الديون، فبحسب معطيات نشرة “أر بي كا” الروسية للعام 2019، فإنّ بيلاروسيا تتصدر قائمة الدول المدينة لروسيا بواقع 7.55 مليارات دولار، وتليها أوكرانيا (3.7 مليارات دولار) وفنزويلا (3.5 مليارات دولار).

علاوة على ما سبق، يمكن لروسيا أن تفرض ضغوطاً إضافية على بيلاروسيا من خلال قطاع النفط والغاز. ومن المعروف أن نظام نقل الغاز إلى أراضي جمهورية بيلاروسيا يتبع بشكل كامل إلى شركة “غازبروم” الروسية، وفي ظل السيناريوهات التصعيدية قد تُحرم بيلاروسيا من الغاز الروسي، وكذلك من عائدات رسوم مرور هذا الغاز عبر أراضيها إلى دول أخرى.

بطبيعة الحال يمكن للوكاشينكو أن يتطلع غرباً في هذا الإطار، وهو ما يفسر مغازلته للغربيين في الآونة الأخيرة، ولكن ذلك لن يكون كافياً لانقاذ اقتصاده، وهو ما ينطبق أيضاً على علاقته بالصين، التي يجمع الخبراء على أنها أكثر صرامة من الروس حين يتعلق الأمر بطلب تسديد الديون.

بشكل عام، ومن الناحية الاقتصادية على الأقل، ستخسر بيلاروسيا الكثير في حال العداء مع روسيا، وبالتالي، فإنّ لوكاشينكو قد تتماثل في ذهنه تجربة مماثلة قام بها الرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش، الذي قادته مناوراته بين روسيا وأوروبا ليس فقط إلى خلعه، وانما إلى تجزئة أوكرانيا بين موالين للغرب وموالين لروسيا، وهو سيناريو ليس مستبعداً في حالة بيلاروسيا، أخذاً في الحسبان أن نسبة المؤيدين لروسيا في البلاد لا يستهان بها، بالنظر إلى عوامل تاريخية كثيرة، أقربها الى زمننا الكفاح المشترك بين الشعبين ضد النازية في الحرب الوطنية العظمى.

انطلاقاً مما سبق، يبقى السؤال حول الطلقة الأخيرة في “الروليت البيلاروسية” التي سيضغط لوكاشينكو زناد مسدسه فيها. كل شيء يتوقف على نتيجة الانتخابات الرئاسية، ففي حال مضت الأمور كما يأمل، لن يجد الرئيس البيلاروسي صعوبة في تسوية الموقف مع موسكو، والمضي في المناورة بين روسيا والغرب، جرياً على عادته؛ أما في حال استشعر الخطر الداهم على مستقبل حكمه، فالمناورة قد تتحوّل إلى مقامرة لن يكون من السهل تقدير آفاقها ونتائجها.

وسام متى

صحافي لبناني متخصص في الشؤون الدولية

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
download udemy paid course for free