انحدرت أمريكا لأسباب بينها وليس أهمها ترامب

الرئيس دونالد ترامب في تغريدته الأشهر عن احتمال تأجيل الانتخابات الرئاسية كان حريصا على ألا يهتم باللياقات المؤسسية، مثل تحديد الجهة التي سوف تصدر قرار التأجيل. هكذا، وعلى هذا المنوال، أعتقد أنه سوف يستمر في تحدي القواعد والمؤسسات، يغير في تشكيلها ما شاء أن يغير ويدمر ما جاء من أجل تدميره.

لا شيء، لا شيء على الإطلاق، طرأ خلال عام أو أطول من الكتابة في هذا الموضوع دفعني لتغيير رأيي في موقفين، الأول، هو ثقتي المطلقة في أن انحدار أمريكا بدأ قبل ظهور ترامب كمرشح رئاسي. هنا أنا لا أبرئ الرجل من مسئوليته عما أصاب أمريكا في عهده من مصائب، وما فقدته من مكانة ومصادر قوة. أما الموقف الثاني الذي تمسكت به، وما أزال، فهو اقتناعي الراسخ أن الرئيس ترامب لن يتخلى بسهولة عن منصب الرئاسة، فاز فى الانتخابات أم خسر.  اعترف أنني ربما فشلت في اقناع بعض الأصدقاء أن ترامب جزء من رسالة تبشير عنصرية تهب على العالم مرة أخرى من الغرب. هذه الرسالة لم تصل بعد إلى كل أهدافها، إلا أنها وجدت في انتظارها، في عديد من محطاتها، آذاناً صاغية وتنظيمات واعية مستعدة لتغيير أمريكا نحو خيارات متشددة.

***

لكثرة ما كتب وقيل ولجودة وأصالة بعضه، صار لانحدار أمريكا أدب خاص به. أسبابه ومصادره عديدة. وللحق سرعان ما يكتشف القارئ الموضوعي مبكراً أن الانحدار الأمريكي له ما يبرره، وبخاصة إن جرى التحليل ضمن السياق التاريخي. أعتقد أنها متعة من المتع الأصيلة هي العودة إلى قراءة تاريخ صعود وانحدار القوى العظمى والامبراطوريات الكبيرة. المتعة الأعظم هي في قراءة ومتابعة سياسيين من دول حملتها إلى المجد سيرتها الإمبراطورية وألقت بها إلى سكك ودروب الانحدار حروب واوبئة أو قصور ذاتي أو نهم التوسع. هؤلاء تراهم الآن يقفون على أبواب مدن نصف مدمرة في سوريا والعراق وليبيا يحلمون ببعث امبراطوري بعد طول انحدار. اندثرت في تاريخنا الحديث امبراطوريات أوروبية وحلت محلها إمبراطورية أمريكية، ها هي بدورها تسحب قواتها مخلفة وراءها فوضى ودماراً. المأساة تتكرر في صور شتى. عندما قرر الاستعمار الأوروبي الخروج خلّف وراءه عالماً عربياً ممزقاً وإسرائيل وهيمنة أمريكية وراء أستار حرب باردة بين القطبين السوفييتي والأمريكي. الآن يخرج الأمريكي مخلفاً وراءه في العراق وسوريا وليبيا ومواقع أخرى دماراً وخراباً وعملاء ووسطاء في شكل دول أو ميليشيات وجيوش مرتزقة أو منظمات وأحزاب أو أفراد من حملة رايات مجد زال وعقائد فسدت أو بارت، هؤلاء وغيرهم ممن يعج بهم الشرق الأوسط يسعون الآن لتسهيل إقامة امبراطوريات جديدة أو هيمنات إقليمية تحل محل الهيمنة الأمريكية وتملأ فراغا كبيرا وفراغات عديدة صغيرة احتفظ بعضها بقوة جذب رهيبة.

***

كنت هناك. كنت في أمريكا في نهاية القرن العشرين، القرن الذي حظي بشرف أن يسمى بالقرن الأمريكي تسجيلا للمكانة التي احتلتها أمريكا في نفوس مثقفي الغرب في ذلك الحين. كنت هناك. رأيتها تتجمل وهي تستعد لأداء واجباتها باعتبارها الدولة الأعظم في نظام ثنائي القطبية، القطب الثاني فيه، وهو الاتحاد السوفييتي، قطب غائب لسقوطه ثم انفراطه بعد انحدار متسارع أودى بحقه في مكانته القطبية. رأيت أمريكا في “لحظة القطبية الأحادية”. رأيتها في القمة سعيدة بما حققته على صعيد العولمة وبالرخاء الذي حط بها. ثقة هائلة في النفس جعلتها تدعو الصين إلى الاندماج في الاقتصاد العالمي وفقاً لقواعد وضعها الغرب وعقيدة يؤمن بها ومنظومة قيم هو مبدعها.

رأيت أمريكا في “لحظة القطبية الأحادية”. رأيتها في القمة سعيدة بما حققته على صعيد العولمة وبالرخاء الذي حط بها. ثقة هائلة في النفس جعلتها تدعو الصين إلى الاندماج في الاقتصاد العالمي وفقا لقواعد وضعها الغرب وعقيدة يؤمن بها ومنظومة قيم هو مبدعها

كنت هنا وهناك عندما توقفت أمريكا فجأة عن نشر عقيدتها أو بدأت تتراخى. رأيتها عاجزة عن توفير الدافع ثم الطاقة والإمكانات اللازمة لتزويد دول بأنظمة حكم على شاكلتها. رأيتها تنسحب. دخلت العراق بعد إعلان انسحابها. فهمت لماذا استحقت كل هذا الكره. تساءلت ومن معي عن مصادر كل هذا الفساد. أهو من صنع جنود أمريكا وموظفيها أم من صنع مختلط، عبقرية الغرب وعبقريات الشرق، وكلاهما ساقط أو في مرحلة متقدمة من الانحدار.

في العراق، كما في غيرها من دول في آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية، فقدت أمريكا الكثير. آلاف الضحايا في حروب كلها بدون استثناء خاسرة حتى بحساب آبار نفط منهوبة ومناجم نحاس مسلوبة وغابات منقولة. في العراق وحدها، انفقت أمريكا على التدمير والتخريب تريليونات من الدولارات. طاقات ذهبت هباء بينما البنية التحتية في أمريكا تتضعضع وبعضها يتهاوى. أمريكا المثال والحلم جرفتها تيارات وحروب العنف والإرهاب المتبادلة، ومعها جرفت معظم إن لم يكن كل مخزون القوة الناعمة التي كثيرا ما انتصرت بها وحدها على خصوم لها. هنا وهناك وفي كل مكان، تراكم لأمريكا أعداء وخصوم ومحتجون وخائبو أمل وفاقدو ثقة. وقفت ضد العالم تتحدى إجماعه على ترطيب المناخ. صار واضحاص وجلياً للعالم أن الفضل يعود للصين والهند في تقليص نسب الفقر. صار حقيقة ملموسة أن “لحظة القطبية الأحادية” لم تخط بالعالم خطوة واحدة إلى الأمام على طريق التنمية وطريق السلام وحماية حقوق الإنسان. لا أريد أن أبدو مغالياً أو شامتاٍ ولكنى لا أخفي منذ عقود خيبة أملي في هيمنة أمريكية أو سمها قيادة ليبرالية لم تحقق تسوية سلمية واحدة خلال ثلاثة عقود. ثم أي فخر هذا يمكن أن تعود به الدولة القائد للنظام الرأسمالي العالمي وليس في سجل العقود الأخيرة في أمريكا أو أي دولة غربية أخرى ما يشير إلى تحسن ولو طفيف في أزمة اللامساواة في توزيع الثروة.

***

فشلت أمريكا عندما قادت منفردة. رأي يستحق نقاشاً مطولاً. بدأ انحدار أمريكا فوراً في أعقاب تفجير سفارتيها في كينيا وتانزانيا أو يوم سقطت بغداد أو يوم أسقط الإسلاميون البرجين في مانهاتان. رأي يستحق هو الآخر نقاشاً مطولاً. سقط سقوطاً مدوياً المبدأ القائل بأن التفوق العسكري الهائل للولايات المتحدة يمنع أي دولة من الصعود لموقع تنافسها منه. رأي أحبطه صعود الصين وكوريا الشمالية. كلاهما صعد ثم واصل الصعود رغم الإنفاق الهائل على القوة العسكرية الأمريكية. ويستمر التاريخ مزوداً بكل آليات التغيير. من حظ هذا الجيل أنه كان شاهداً على قصة انحدار بتفاصيلها وأفراحها وأحزانها. ظروفها لا تزال ضاغطة ومؤثرة وبعض أبطالها أحياء ومنهم الرئيس دونالد ترامب. نحسبه بطلاً من أبطال الانحدار ولكنه ليس الأهم، حتى لحظة كتابة هذه السطور.

جميل مطر

كاتب ومفكر مصري مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي

Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy paid course