حين تصبح هوية المقاوم أهم من الاستعمار!

عندما نتأمّل الكثير من الحوارات الدّائرة في الأوساط النُّخبويّة العربيّة والمشرقيّة، نصل إلى ملاحظةٍ مهمّة تستحقّ التوقّف عندها واقعاً: فالإشكاليّة الأساسيّة لم تعد تتعلّق عموماً بإثبات "وجود الاستعمار" في بلادنا (وعليها) أو نفيه، بقدر ما أصبحت تتعلّق بكيفيّة التّعامل مع استمراريّته على المستوى السّياسيّ والعمليّ. فالمشكلة، في تقديري، ليست نظريّةً أو لم تعد نظريّةً-مفاهيميّةً بقدر ما هي عمليّة (وربّما أخلاقيّة بالمعنى العمليّ أيضاً)، وهنا تكمن المفارقة التي تستحقّ النّقاش المتعمّق والصّريح.

إنّها مفارقةٌ قد تساعد كذلك في فهم الكثير من التّباينات والتّشنّجات الحاصلة حاليّاً في الأوساط الاعلاميّة والسّياسيّة التي نتابعها جميعاً في المبدأ.

فيكاد يكون هناك اتّفاقٌ واسعٌ جدّاً بين أكثر الكتّاب والمفكّرين والصّحفيّين العرب – تحديداً – على أنّ النّفوذ الأميركيّ، المدعّم اسرائيليًّا في المنطقة، قد ورث إلى حدٍّ بعيد الدّور الّذي اضطلعت به الإمبراطوريّتان البريطانيّة والفرنسيّة خلال الحقبة الاستعماريّة. وقد قدّم بعض هؤلاء تحليلاتٍ جدّيّة ومعمّقة، وأصدروا دراساتٍ تناولت آليّات الهيمنة الجديدة والمتجدّدة، متحدّثين عن استعمارٍ يمارس نفوذه بأدواتٍ سياسيّة واقتصاديّة وثقافيّة واعلاميّة وتكنولوجيّة، بوصفه امتدادًا للاستعمار التّقليديّ لا سيّما منه البريطانيّ (مشرقيّاً)، وإن تبدّلت وسائله وأشكاله.

غير أنّ المفارقة تبدأ عندما نغادر مستوى التّحليل النّظريّ إلى مستوى الموقف العمليّ إن صحّ التّعبير. فمن يعترف بوجود مشروعٍ استعماريّ، يُفترض منطقيًّا أن يدعو إلى مقاومته بكلّ الوسائل المتاحة، وأن يعارض السّياسات والقوى الّتي تفتح له أبواب النّفوذ والتّمدّد، سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا وأمنيّاً وعسكريّاً.

إلّا أنّ الواقع العربيّ-المشرقيّ، في أغلبه، يكشف صورةً أكثر تعقيداً إن شئت: إذ نجد أنّ قسمًا معتبراً من هذه النُّخب المُحترَمة المذكورة.. إنّما يتردّد في تبنّي هذا الموقف بشكل واضح وصريح وفي أحيان كثيرة، بل قد ينتهي، بصورةٍ مباشرة أو غير مباشرة، إلى تأييد توجّهاتٍ أو حكوماتٍ أو قوى ترتبط بهذا المشروع أو تتقاطع معه بما لا يقبل الشّكّ.

وهنا يبرز السّؤال الجوهريّ أو المركزيّ حقّاً:

-كيف يُمكن الجمع، نظريّاً (وأخلاقيّاً) وعمليّاً، بين الاعتراف بخطورة الاستعمار (بهيئته الآنغلو-ساكسونيّة والأميركيّة تحديداً) بل والتّنظير لهذه الخطورة.. وبين التّساهل مع أدواته الواضحة والظّاهرة من دون أيّ شكّ، أو مع الجهات الّتي تيسّر تمدّده في كلّ المنطقة؟ وكيف يمكن تفسير هذا التّناقض الذي يبدو، للوهلة الأولى، عصيًّا على الفهم؟

-هل ننظّر ليلَ نهار حول خطورة النّزعة الامبراطوريّة الأميركيّة (التي يتمّ معارضتها أيضاً، بالمناسبة، من قبل أطراف وازنة في الدّاخل الأميركيّ والغربيّ)، المتحالفة في منطقتنا مع المشروع الاسرائيليّ-الصّهيونيّ.. ثمّ نتساهل أو ربّما نتعاطف مع حكومةٍ هنا، أو جهة رسميّة أو غير رسميّة هناك، تتحالف مع أحدهما – أو حتّى مع كليهما – بشكل علنيّ وواضح، أو نغضّ النّظر عن الأمر حتّى عندما يطال دولنا المُباشرة التي نعيش في كنفها؟

الحجج التي تُساق هنا وهناك لتبرير مواقف متناقضة كهذه – متناقضة إذن لا سيّما على المستوى العمليّ والمستوى الأخلاقيّ-العمليّ – متعدّدة ومتنوّعة. هناك دائماً حُجج تُساق، لا سيّما في هذه المرحلة من الصّراع مع هذا الاستعمار (إذا كُنّا نؤمن بوجوده إذن.. ونحن هنا نتحدّث، فعلاً، عمّن يؤمنون إذن بوجود هذا الاستعمار بل وبتصاعد جبروته في أغلب الأحيان).

قد يُقال إنّ السّبب يعود إلى الاحباط المتراكم لدى أغلب نخبنا، أو إلى تصوّرات معيّنة حول طبيعة و/أو درجة اختلال موازين القوى، أو إلى الخوف من بعض السّلطات هنا وهناك، أو إلى القناعة بأنّ المواجهة لم تعد ممكنة إلى اشعارٍ آخر.. مهما اختلفت طرق التّعبير عن هذه الأفكار المتكرّرة.

لا شكّ في أنّ هذه العوامل – أو أغلبها – قد تكون حاضرةً بدرجاتٍ متفاوتة، لكنّها، في تقديري، لا تكفي وحدها لتفسير الظّاهرة، لا سيّما بتجلّيها الرّاهن.. تفسيرها بشكل عميق وبما يكفي.

هناك “شيء آخر”.. لا بدّ من الاعتراف سويّاً بضرورة مُقاربته بموضوعيّة وبهدوء، وبمعزل عن تبدّل الأزمان وتبدّل أسماء وعناوين المواجهة.

***

ثمّة عاملٌ آخر يبدو أكثر تأثيراً بكثير على أرض الواقع، لا سيّما على أرض الواقع الرّاهن: ألا وهو، في اعتقادي الصّادق والموضوعيّ، “هويّة” الجهة الّتي تقف اليوم في الصّفّ الأوّل من المواجهة.

فبغضّ النّظر عن الموقف منها أو ممّن كان يُواجه قبلها، وبصرف النّظر عن الاتّفاق أو الاختلاف مع سياساتها في ملفّاتٍ متعدّدة، فإنّ “الجمهوريّة الإسلاميّة”، إلى جانب حلفائها من “أنصار الله” في اليمن إلى “حماس” و”الجهاد الإسلامي” في فلسطين مروراً بحزب الله في لبنان و”الحشد الشعبي” في العراق، تُمثّل، في المشهد السّياسيّ والأمنيّ والعسكريّ والاقتصاديّ والثّقافيّ والاعلاميّ الرّاهن، أبرز القوى المنخرطة في مواجهةٍ مباشرة مع المشروع الأميركيّ والإسرائيليّ في المنطقة.

لأسباب تاريخيّة نعرفها جميعاً في العموم: وصل “الدّور” إلى إيران “الجمهوريّة الاسلاميّة”، ذات التّوجّه التّحرّري والمواجه للاستعمار على مستوى المنطقة ككلّ.

ومن هنا، يبدو أنّ الإشكاليّة لدى بعض النُّخب – إن لم يكن أكثرها – لم تعد مرتبطةً بالاستعمار في ذاته، بل بهويّة من يواجهه. وهذه ظاهرة يتوجّب التّوقّف عندها واقعاً.

وكأنّ السّؤال الواعي أو اللّا-واعي لم يعُد: هل هذا المشروع “استعماريّ” أم لا؟ هل هناك استعمار “رومانيّ” جديد مثلاً أم لا؟ بل أصبح: “مَن” الذي يتصدّى له؟ فإذا كان “المُقاوم” أو “المُواجِه” لا ينسجم عموماً، في “هويّته”، مع القناعات المذهبيّة أو الأيديولوجيّة أو ربّما القوميّة لبعض النُّخب.. تراجع الحديث عن أولويّة مواجهة الاستعمار، وحلّت محلّه “أولويّاتٌ” أخرى، حتّى لو أدّى ذلك، موضوعيًّا، إلى تخفيف الضّغط عن المشروع الّذي سبق الاعتراف بطبيعته الاستعماريّة.

إقرأ على موقع 180  مقولة "الشعب الواحد" لن تسقط.. سواء أتانا سايكس أم بيترز أم برّاك (2/2)

هنا تخرج أمور متعدّدة إلى الواجهة، على أهمّيّتها.. التي لم تكن بهذه الأهميّة بصراحة.. عندما لم تكن إيران في الصّفوف الأماميّة للمواجهة: كأولويّة “بناء الدّولة” على الطّريقة التي يتحدّث من خلالها بعض الأصدقاء اللّيبرالييّن الجدد؛ أو أولويّة مُكافحة الأنظمة “الشّموليّة” أو “الأحاديّة” (من وجهة نظر أوساط الاستعمار نفسه غالباً)؛ أو أولويّة “الجهاد الأكبر” عموماً على “الجهاد الأصغر” (أين كان هذا الشّعار سابقاً؟)؛ أو خطورة “الإسلام السّياسيّ”.. حتّى وصل الأمر بأحد الشّخصيّات المحترمة يوماً، وهي منّا كعرب عاربة ومستعربة، إلى التّشديد على خطورة ظاهرة “التّوريث” في إيران قاصداً مسألة انتخاب مجلس الخبراء للسّيّد مجتبى خامنئيّ خلفاً لوالده.. إلى آخر القائمة التي لا تخلو من نقد للجهة المعنيّة، لا يُوجَّه بالحدّ الأدنى إلى أكثر خصومها الذين لا يتناسب هذا النّوع من النّقد أصلاً مع أحوالهم.

***

نحن أمام اشكاليّة جدّيّة وخطيرة تستحقّ مراجعةً هادئة واقعاً كما أشرنا: لأنّها تكشف أنّ تعريف الاستعمار ليس موضع الخلاف الحقيقيّ والأساسيّ.. وإنّما يبدأ الخلاف عندما يتحوّل هذا التّعريف إلى موقفٍ.. عمليّ. عندها نرى، في الأغلب: أنّ ما يتقدّم في الواقع هي الاعتبارات الأيديولوجيّة والمذهبيّة وما إلى ذلك، ويصبح النّقاش منصبًّا – بشكل واعٍ أو لا-واعٍ – على “هُويّة” المقاوم أكثر من طبيعة وخطورة المشروع الّذي يقاومه.

ولا يعني ذلك، بأيّ شكل من الأشكال، أنّ أيّ قوّة تواجه الاستعمار معصومةٌ من النّقد، أو أنّ مواقفها جميعها صحيحة، أو أنّ الاختلاف معها غير مشروع. أبداً. كما لا يعني ذلك، أبداً، انكار وجود مشاريع اقليميّة أخرى أو طموحات توسّعيّة أخرى لقوى مختلفة في الإقليم.. فهذه قضيّةٌ مستقلّة، “داخليّة” ان جاز التّعبير، تستحقّ نقاشها الخاصّ أيضاً. غير أنّ الموضوع الأخطر كما أشرنا هو التّناقض هذا في التّعامل مع المشروع الذي تعترف هذه النُّخب نفسها بأنّه المشروع الاستعماريّ الأساسيّ في المنطقة، والأخطر، والأوسع أثراً، والأكثر تجذّراً.. ومن ثمّ، يأتي تحويل الاختلاف أو الخلاف مع القوى الّتي تواجه هذا المشروع على أرض الواقع العمليّ.. إلى سببٍ للتّغاضي عنه عمليّاً، أو إلى مبرّر لاضعاف كلّ من يقف في مواجهته.

ومن المعروف في هذا المجال أنّ جانبًا مهمًّا من السّياسات الأميركيّة في الشّرق الأوسط، قد قام ويقوم، على مدى عقود، على ادارة بل ربّما على تأجيج الانقسامات الدّاخليّة، وفي مقدّمها الانقسام “السّنّيّ-الشّيعيّ”، بما يضمن اعادة ترتيب الأولويّات داخل المجتمعات، بحيث تتراجع – على أرض الواقع أيضاً – مواجهة الهيمنة الخارجيّة لصالح الصّراعات البينيّة إن جاز التّعبير.

ومن هنا، يحقّ لنا أن نتساءل بموضوعيّة: إلى أيّ حدّ يمكن أن تتحوّل الخصومة المذهبيّة أو الأيديولوجيّة، من حيث يدري أصحابها أو لا يدرون، إلى عاملٍ يحجب التّمييز بين الخصم الدّاخليّ والخصم الخارجيّ عمليّاً، بحيث تنتهي بعض الخطابات إلى خدمة التّوازنات والظّواهر التي يرغبها المشروع الاستعماريّ نفسه؟

Print Friendly, PDF & Email
مالك أبو حمدان

خبير ومدير مالي، باحث في الدراسات الإسلامية، لبنان

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  شيطنة الحكومة اللبنانية ورئيسها.. إشكالية الدولة وتكريس المثالثة