هل المنظومة اللبنانية الفاسدة تهدد مصالح فرنسا؟

تطرح زيارة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى لبنان المنكوب بعد الانفجار الذي نسف مرفأ بيروت ودمر أحياءها، إشكالية التنافس الدولي والإقليمي على لبنان. ومنها يتفرع سؤال: أين هو موقع فرنسا على حلبة هذا التنافس، وما هي مصالحها الآنية والاستراتيجية؟ وهذا ما يطرح بدوره إشكالية العلاقة بين فرنسا ولبنان، وكذلك بينها وبين المنظومة السياسية اللبنانية. بالطبع، معالجة هذه الإشكالية تتطلب معاينة وبحث ودقة، ولا يمكن لهذه المقالة أن تعالجها الآن. لكن يتعلق الأمر هنا، بمحاولة للتفكير بصوت مرتفع، من أجل النقاش، ومحاولة تقديم فرضيات.

لا يُخفى على أحد أن فرنسا تريد أن تحافظ على موطىء قدم لها في الشرق الأوسط. ولبنان لا يزال يتيح لها إمكانية تحقيق هذا الهدف. كل التحولات التي شهدها لبنان منذ تأسيسه عام 1920، وعلى الرغم من اختراق النفوذ الأميركي لمنطقة النفوذ الفرنسي هذه، منذ القرن التاسع عشر، مروراً بفترة الانتداب، وبعد الاستقلال، ثم بعد أحداث 1958، وحرب 1967، لم تؤد إلى خلق واقع يساهم في نسف النفوذ الفرنسي وإنهائه كلياً.

حتى محاولات بناء نفوذ سوفياتي في لبنان كانت محدودة، ونسبة “الفرنكوفيليين” في أوساط اليسار اللبناني قد تكون أكبر من نسبة “الروسوفيليين” في لبنان إذا تم تنظيم إحصاء (ربما).

في ظل الوصاية السورية على لبنان، عرفت الدبلوماسية الفرنسية البراغماتية كيف تحافظ على ما يسميه بعض المؤرخين بـ”قنوات النفوذ” وليس النفوذ بالمعنى الكامل، في لبنان. حصل ذلك بواسطة توليفة دبلوماسية لم تتخل فيها فرنسا عن علاقاتها التاريخية مع المسيحيين، بوصفها الحامي التاريخي لهم، لكنها مدّت جسوراً متينة مع ما يمثله رفيق الحريري، وهادنت حافظ الأسد (…).

صحيح أنه في ظل تلك الحقبة، كان النفوذ الإيراني يحبو في لبنان، وصولاً إلى تجذره فيه، إلا أن ذلك لم يؤد، بدوره، إلى تهديد ما بقي من نفوذ فرنسي.

وحين يُقال نفوذ، يكون المقصود بشكل أساسي النفوذ الثقافي وليس الاقتصادي والسياسي. لأن لا نفوذ اقتصادياً وسياسياً وازناً لفرنسا في لبنان، وفق معايير الجغرافيا ـ السياسية (…). إنما “قنوات نفوذ” ثقافية وتربوية ولغوية مع بعض المصالح التجارية. وهذا يعني بالملموس أن هناك علاقة مباشرة بين فرنسا وقسم من الديموغرافيا اللبنانية. أياً تكن نسبة السكان الفرنكوفونيين، وأياً يكن حجم النشاط الثقافي الفرنكوفوني في لبنان، ثمة وظيفة لهذه العوامل، وهي تتمثل في صيانة وتثبيت “قنوات النفوذ” الفرنسي. وهذه العلاقة هي عابرة للدولة اللبنانية. موجودة قبل نشوء الدولة (أو بالأحرى شبه الدولة) ولم يؤد أي مشروع آخر إلى خلق شروط نهايتها. بغض النظر عن صحة أو عدم صحة هذا التأثير الثقافي وحيثياته الاستعمارية، ووجوده ربما على حساب ثقافة محلية أو لا، إلا أن كل ذلك يعكس واقعاً لصالح فرنسا، لا تريد أن تخسره، لا بل تريد أن تستفيد منه ليكون لها وجود في الشرق الأوسط، وحتى تكون جزءاً من “جيوبوليتيك” هذه المنطقة.

المشكلة في المقاربة الفرنسية تتمثل أولاً، في أنها تصر على هذه الإصلاحات بشكل حازم الآن، بعدما كانت متقاعسة وغير متشددة إزاء طريقة تعامل المنظومة مع المساعدات في المراحل السابقة (باريس 1 و2 و3). السرقات كانت تُدار على المكشوف. وفرنسا تعرف تماماً ذلك

في ظل هذا الواقع، نلحظ في المشهد اللبناني حراكاً أو استنفاراً فرنسياً، عنوانه مساعدة لبنان لتجاوز أزمته الاقتصادية والمالية. وتم ربط هذه المساعدة بشرط مسبق، يتمثل في تطبيق الإصلاحات في لبنان. هنا، الرواية معروفة من الجميع. ويجري ترداد نفس النغمة منذ “مؤتمر سيدر” في ربيع العام 2018: لا قروض ميسرة للبنان قبل الإصلاحات.

طبعاً، فرنسا صادقة في تضامنها مع لبنان واللبنانيين. لكن المشكلة في المقاربة الفرنسية تتمثل أولاً، في أنها تصر على هذه الإصلاحات بشكل حازم الآن، بعدما كانت متقاعسة وغير متشددة إزاء طريقة تعامل المنظومة مع المساعدات في المراحل السابقة (باريس 1 و2 و3). السرقات كانت تُدار على المكشوف. وفرنسا تعرف تماماً ذلك. ومشكلتها الثانية هي أنها تطلب من المنظومة السياسية اللبنانية القيام بإصلاحات، هي لو أقدمت عليها، تكون بذلك قد أطلقت الرصاص على رجليها، حتى ولو كان المطروح فرنسياً ودولياً واحدة من “أسوأ” الوصفات النيوليبرالية للإصلاحات.

الإصلاح في لبنان والتحول نحو شيء من دولة المؤسسات والقانون، المتحررة (نسبياً ربما) من الفساد (المفرط؟)، يعني نهاية المنظومة. لأن أركان هذه المنظومة يتحكمون ويسيطرون بواسطة الزبائنية ومن خلال إمعانهم في تعطيل دور الدولة في تأمين الخدمات الأساسية، وفي إدارة الشأن العام بعيداً من الفساد والسرقة. وهو ما أدى إلى خلق شبكة أتباع وأزلام أتاحت لهم التجديد الدائم لسيطرتهم. هذه المنظومة استمرت بعد الحرب على مدى 30 سنة، ووصلت الآن وأوصلت معها الجميع إلى قعر الهاوية.

في السابق، كانت الدبلوماسية الفرنسية تتعايش وتتعاون مع هذه المنظومة طالما أنها لم تهدد مصالحها في الحفاظ على “قنوات نفوذها”، على ما يبدو. لكن السؤال المطروح الآن: هل أن الانهيار الاقتصادي والمالي والاجتماعي الذي تتحمل مسؤوليته هذه المنظومة منذ 30 سنة وحتى اليوم (شكلت جريمة مرفأ بيروت عاملاً في تسريع وتيرته)، سيؤدي إلى خلق واقع من شأنه تهديد ما بقي من نفوذ فرنسي ثقافي وتربوي ولغوي؟ هل سيؤدي هذا الانهيار إلى تحولات ديموغرافية مضرة بمصلحة فرنسا الاستراتيجية وتريد استباقها؟

لا يمكن الإجابة بشكل علمي ودقيق على هذا السؤال في مقالة صحافية. لكن إذا كان الخراب التام في لبنان سيحمل في طياته خراباً لـ”قنوات النفوذ” الفرنسي، وإذا كانت إحدى نتائج الانهيار اللبناني تتمثل في هجرة مكثفة تقود إلى إضعاف استراتيجي للوجود الفرنكوفوني في الخريطة الديموغرافية اللبنانية، فأين مصلحة فرنسا بترك سيناريو كهذا يسلك طريقه؟

لم يبق لفرنسا في لبنان غير هذا الوجود الفرنكوفوني، مع كل ما ينبثق عنه من أوراق رابحة لـ”القوة الناعمة” الفرنسية، وبالتالي من استفادتها من علاقة مصانة دوماً مع الطلاب والكوادر المهنية والكفاءات والفنانين والمثقفين…، سواء استُثْمر ذلك مادياً في فرنسا أو في لبنان أو حتى في الشرق الأوسط.

زيارة ماكرون أمس (الخميس)، ومبادرته، قد تشكل إنقاذاً للمنظومة الحاكمة في لبنان، لكن إذا بات وجود هذه المنظومة يتناقض مع المصلحة الاستراتيجية لفرنسا، لن يكون من المستبعد إعادة النظر بموقفها وسياستها. الجواب برسم التطورات المقبلة.

نبيل الخوري

أستاذ في الجامعة اللبنانية

Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course