أينك يا أنطونيو دي بيترو القضاء اللبناني؟ 

10 أشهر مضت على نزول المواطنين إلى شوارع بيروت مطالبين بمحاسبة الفاسدين، ولم يرَ اللبنانيّون أيّاً من الفاسدين إلّا على "شرب فنجان قهوة" عند هذا القاضي أو ذاك.

أكثر من 170 شهيداً. أكثر من ستة آلاف جريح، ربعهم ما زال قيد العلاج وبينهم حالات حرجة. أكثر من ثلاثين مفقوداً. ستة آلاف عائلة بلا مأوى. عشرات آلاف المنازل والمؤسسات المدمرة أو المتضررة وخسائر بمئات ملايين الدولارات. برغم ذلك لم يرَ اللبنانيون سوى توقيفات شكلية على ذمّة التحقيق في قضية إنفجار شحنة الـ 2750 طناً من نترات الأمونيوم في مرفأ بيروت.

المشانق عُلِّقت فقط افتراضياً في شوارع العاصمة. الناس متيّقنون أنّ الأمل مفقود طالما أنّ جزءاً من السّلطة القضائيّة هو نسخة طبق الأصل عن السّلطة السياسيّة، فكيف لقاضٍ أن يتجرأ على المسّ بـ”لحم كتافو” أي زعيمه الذي عيّنهُ؟

“عمليّة الأيادي النظيفة”

برغم ذلك، هناك في القضاء من يحلم أن يُعيد تاريخ القاضي أنطونيو دي بيترو الذي انطلقت معه “عملية الأيادي النظيفة” (Mani pulite) في إيطاليا في العام 1992 لمعرفة كيفيّة خسارة إيطاليا أربعة مليارات دولار سنويّاً بسبب الرشاوى والفساد، وأدّت إلى توقيف الكثيرين من زعماء المافيا ورجال السياسة والقضاء والمال.

واقع لبنان اليوم يُشبه كثيراً ما كانت عليه الحال في إيطاليا قبل العام 1992، ولكن لا يتعدّى عدد شبيهي “أنطونيو دي بيترو” من قضاة لبنان سوى مئة شخص، ممّن استطاعوا رفع الصّوت عالياً للمطالبة بـ”قلب الطّاولة”. هؤلاء شكّلوا هيئة قانونيّة أسموها “نادي القضاة”. بدأت الفكرة عبر إطلاق “مجموعة واتس اب” في العام 2017 رفضاً لقرار الحكومة بإلغاء “صندوق تعاضد القضاة” آنذاك، قبل أن يتحوّل إلى ما يُشبه “بريستول القضاء اللبنانيّ”.

“نادي القضاة”: ماذا يفعل القضاء، لماذا هو موجود؟ هو غائب أو بالأحرى مُغيَّب. لا فرق

“القضاء غائب أو مغيّب”

لا يتوانى هؤلاء عن عقد الاجتماعات وإصدار البيانات كلّما دعت الحاجة. هم يعتبرون أنفسهم “حراس الهيكل القضائي”. إلّا أنّ بيانهم الأخير الذي تلته رئيسة “النّادي” القاضية أماني سلامة إثر وقفة احتجاجيّة لـ”النادي” في قصر العدل في بيروت، كان عالي اللهجة ولا يُشبه في مضمونه بيانات “النّادي” السّابقة.

كان واضحاً أنّ القضاة قرّروا هذه المرة خلع قفّازاتهم بغية تسمية الأشياء بمسميّاتها. هم ضاقوا ذرعاً من الوضع القضائي. حاولوا إصلاحه بـ”لسانهم” إثر زياراتٍ قاموا بها إلى النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات ورئيس “مجلس القضاء الأعلى” القاضي سهيل عبّود، ولكن شيئاً لم يتغيّر.

أراد القضاة أن يبدأوا الإصلاح من بيتهم الدّاخلي. من النيابة العامّة التمييزيّة والماليّة، التفتيش القضائي والمجالس التأديبيّة، ديوان المحاسبة، وصولاً إلى مجلس القضاء الأعلى. لم تكن انتقاداتهم عبثيةً. انطلقوا من وقائع محددة. إبرام التسويات مع المصارف. غياب المحاسبة داخل الجسم القضائي. السّماح باستقالة قضاة يخضعون للمحاكمة التأديبيّة. لائحة الانتقادات تطول ليخلص هؤلاء إلى القول: “ماذا يفعل القضاء، لماذا هو موجود؟ هو غائب أو بالأحرى مُغيَّب. لا فرق” وأردفوا: “لأ، مش ماشي الحال، لِنقلب الطّاولة”..

يُشبه “بيان قلب الطّاولة” هذا، لائحة المطالب التي يردّدها المتظاهرون في وسط بيروت، مع فارق شاسع هو أنه ليس بيَد المتظاهرين حيلة في تغيير الواقع إلّا برفع الصوت، فيما “نادي القضاة” مؤلّف من 105 قضاة في سدّة المسؤوليّة وباستطاعتهم تحريك المياه الرّاكدة. على سبيل المثال، فإنّ قاضييْن انتُخبا في الهيئة الإداريّة لـ”النادي” يتوليّان منصب محامٍ عام في بيروت، بالإضافة إلى محامين عامين في عدد من الأقضية وقضاة تحقيق.

وحده “إبن النادي” رئيس دائرة التنفيذ في ​بيروت​ القاضي فيصل مكي فعلها، عندما أصدر الشهر الماضي قراراً قضى بإلقاء الحجز الاحتياطي على عقارات حاكم ​مصرف لبنان​​ وعلى موجودات منزله الكائن في منطقة الرابية.

يتألف “نادي القضاة” من 105 قضاة في سدّة المسؤوليّة، بالإضافة إلى طلبات انتساب جديدة

 أعضاء “النادي” مكبّلون

غير أنّ البيانات التي يُصدرها “نادي القضاة” لا تُنتج طحيناً لتحقيق “الأحلام الكبيرة”. يُدرك أعضاء “النادي” هذا الأمر، ولكن “لا ناقة لهم ولا جمل”، وفق ما يردّدون.

هم يريدون فتح ملفّات الفساد. يشير أحدهم إلى أنّ “الملفّات الكبرى” تُسحب منهم لصالح من هم أعلى منهم رتبةً كالنائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات والنائب العام المالي القاضي علي ابراهيم، فتكون النهاية إمّا بـ”شرب فنجان قهوة” أو ركنها على الرّف. كما أنّ المحامين العامين لا يستطيعون الملاحقة في الملفاّت الجزائيّة دون العودة إلى المدعين العامين في الأقضية الذين تعود لهم صلاحيّة الملاحقة من عدمها وإحالة الملفّات إلى المحامين العامّين.

يشير قاضٍ ثانٍ إلى أنّ الهيكليّة القضائية تُكبّل أيدي أي قاض يريد فتح ملفّات الفساد وصولاً إلى تساقط أحجار “دومينو” الفساد. كما أنّ القضاة الذين يتولّون المراكز الإداريّة العليا مكبّلين من قبل السياسيين الذين عيّنوهم في مراكزهم، على قاعدة “من يدفع.. يأمُر”.

وعليه، لا يرَى هؤلاء خلاصهم إلّا بالضغط لإقرار قانون استقلاليّة القضاء العالق في مجلس النوّاب حالياً، حتّى أنّهم يطالبون باستقالة “مجلس القضاء الأعلى” وانتخاب مجلس جديد بكامل أعضائه والإطاحة بالمرسوم الذي يصدر عن وزير العدل لتعيين نصف الأعضاء، مع العلم أنّ غالبيّة أعضاء المجلس الحالي يرفضون هذه الفكرة!

ويقول أحد أعضاء “النادي” وهو ممن يشاركون في الحراك منذ 17 تشرين/أكتوبر حتى الآن، “إذا لم يجعل الحراك مطلب إستقلالية القضاء في لبنان أولوية لا تتقدم عليها أولوية لن يصلوا إلى أي مكان، بل ربما يسهم تشتت مطالبهم وعدم توحدهم في تدعيم أساس هذا النظام الفساد، من حيث يدرون أو لا يدرون”.

يدرس أعضاء “النادي” تحرّكاته المقبلة: الإعتكاف أو توقيع عريضة أو النّزول إلى الشّارع

ما هي الخطوات المقبلة؟

لا يريد أعضاء “نادي القضاة” الإكتفاء بالبيانات، هم يؤكّدون أنّ مروحة تحركّاتهم المقبلة مفتوحة على كلّ الاحتمالات. من الإعتكاف، مروراً بالتوقيع على عريضة خطيّة عالية اللهجة، وصولاً بالنّزول إلى الشّارع. لا يستبعد هؤلاء أنّ يكرّروا مشهد “انتفاضة الثوب الأسود” التي أطلقها قضاة الجزائر في العام الماضي حينما خرجوا إلى الشوارع، للمطالبة باستقلاليّة القضاء الجزائري.

يراهن قضاة منضوون في “النادي” على إمكانيّة ازدياد أعدادهم لتشكيل “لوبي” ضاغط على السّلطتين السياسية والقضائيّة. ما يريحهم أنّ البيان الأخير لـ”النادي” أتى بثماره بعد ازدياد عدد طلبات الإنتساب التي تقدّم بها عددٌ من زملائهم.

أعضاء “النادي” يعلمون أنّ الكثير من زملائهم يؤيدونهم “قلبياً” من دون أن يكون بمقدورهم الإنضمام إليهم (ينضم بعضهم إلى الاجتماعات)، أما السبب، فهي “حملات التنكيل” التي يتعرّضون لها، بحسب وصفهم. يلفتون الإنتباه إلى أنّ أبرز محاولات الإجهاز على تحرّكهم كانت من خلال محاولة إقناع وزير الدّاخلية والبلديات السابق نهاد المشنوق بالعدول عن قراره بالتوقيع على “العلم والخبر” لـ”النادي” (عاد المشنوق ووقعه بعد أشهر)، ثم بإستدعاء كثيرين منهم إلى “التفتيش القضائي” بصورة مستمرة، بالإضافة إلى “نبذهم” وإبعادهم عن المراكز الحسّاسة في التشكيلات القضائيّة، وصولاً إلى عدم تخصيص غرفة لهم داخل قصر العدل لعقد الاجتماعات.

ولكن كلّ ذلك لا يُخفّف من المعايير المطلوبة للموافقة على طلبات الانتساب إلى “النّادي”. إذ أنّ الشرط الأوّل هو عدم التبعيّة إلى المرجعيّات السياسيّة وعدم تورّط المُنتسب بقضايا فساد، بحسب ما يقول أحد الأعضاء، لافتاً النظر إلى رفض انتساب قاضٍ  ـ يتولّى مركزاً مهماً ـ إلى “النادي” بسبب شبهات حول أدائه.

يرفض أعضاء “النادي” الاتهامات التي تطالهم بأنهم “مُسيّرون سياسياً”، مشيرين إلى “أنّنا أبناء بيئتنا، ولكننا لا نُساوم ولا نتبع أحداً، وأولويّتنا المصلحة العامّة. والدليل على ذلك هو البيان الأخير”.

لينا فخر الدين

صحافية لبنانية

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy paid course free download