خمسة أخطاء يقع فيها أهل الثورة مجدداً

أعاد الإنفجار - الجريمة الناسَ ومعهم مجموعات الثورة الى الارض والساحات بشكل عفوي وغاضب. كان ذلك بديهياً إزاء هول ما حدث. تحدى الناس الدمار الكبير، وتصدوا لخطر فيروس كورونا ولم يبالوا بالقمع الامني الشديد. هل يكفي ذلك حتى تتحقق أهدافهم؟

هزّ الغضب الشعبي الصادق توازن اهل السلطة الذي كان متصدعاً بالأساس وعلى حافة السقوط. إرتبك الحكام ـ وهم في الأصل يتخبطون سياسياً وإقتصادياً ـ فكان سقوط حكومة حسان دياب حتمياً بسبب تضافر عوامل عديدة. عادت الروح إلى ثورة تشرين/أكتوبر. لكن كما أن الازمات تحرّك القوى المعارضة وتعطيها زخماً، كذلك تعطي النوائب اهل السلطة فرصة لاعادة إنتاج أنفسهم، وهم الضليعون باستغلال مآسي الناس لمصلحة تأبيد سيطرتهم وسلطتهم وبالتالي تعزيز مكاسبهم السياسية والمالية. هنا يقع اهل الثورة بأخطاء لا بد من تسليط الضوء عليها، أخذاً في الحسبان تجارب الخريف الماضي واخفاقاته.

الخطأ الأول: اعلان النصر المبكر بعد “سبت الغضب”، فنرى البعض يهرول الى اعلان “البلاغ رقم واحد”، ثم ينسحب بعد دقائق، وكأننا امام عرض تلفزيوني باهت وانقلابات شكلية تذكرنا ببدايات الحرب الاهلية. أيضاً لاحظنا أن بعض مجموعات الثورة وبعض ناشطيها إستعجلوا لعبة رمي الأسماء المرشحة للحكومة الجديدة ومقاعدها، في محاولة لإستثمار وتثمير غضب الناس بشكل سطحي وإنتهازي، متناسين ان القضية الاساس هي تفكيك منظومة اصبحت بفسادها وبطائفيتها وبإهمالها وبتغييب المحاسبة، تقتل اللبنانيين بشكل جماعي في بيوتهم وأشغالهم وشارعهم وتدمر عاصمتهم وتهجرهم وتضعهم في العراء.

الخطأ الثاني: الإكتفاء بالمطلب الاول من لائحة مطالب الناس، اي تغيير الحكومة، كما حصل بعد 17 تشرين، وهذه اللعبة اصبح اهل السلطة يحترفونها لأن وظيفتها محدودة: تكفي استقالة الحكومة لإمتصاص غضب الناس وحراك الشارع. هل هذا هو المطلوب. الجواب حتماً لا. المطلوب هو تغيير جذري في بنية نظام فاشل سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً. مهمة الحراك الدائمة والمستمرة هي انتاج قيادات بديلة تستمد مشروعيتها من الناس. المعركة هنا في القدرة على خلق قيادات بديلة على كافة المستويات: رئاسة الجمهورية، المجلس النيابي، الحكومة، البلدية، المخترة.. وصولاً إلى اعادة بناء وتشكيل المؤسسات. هنا تصبح أولوية المعركة القادمة هي في وضع قانون انتخابات نيابية جديد وثم بلدية الخ… مع آليات شفافة لمراقبة وادارة العملية الانتخابية بما يضمن ديموقراطية الانتخابات وتكافؤ الفرص ونزاهة النتائج.

يقع الكثير من المجموعات والناشطين في وهم ـ خطأ التحقيق الدولي بينما المطلوب المنازلة الجدية والائتلاف مع القضاة النزيهين والمحامين الناشطين لفرض تحقيق قضائي وطني مستقل وشفاف يعطي القضاء اللبناني مناعة مطلوبة ربما بدعم دولي ضروري

الخطأ الثالث: الانكفاء عن معركة تحرير القضاء من السلطة السياسية والركون إلى ما يسمى القضاء أو التحقيق “الدولي”. نحن أمام لحظة لعلها الاهم في تاريخ القضاء اللبناني. انه اوان  ثورة قضائية تبرز دور القضاة الوطنيين المخلصين والمستقلين في قيادة عملية التحقيق والمحاسبة في اكبر جريمة بحق لبنان وعاصمته. هنا يقع الكثير من المجموعات والناشطين في وهم ـ خطأ التحقيق الدولي بينما المطلوب المنازلة الجدية والائتلاف مع القضاة النزيهين والمحامين الناشطين لفرض تحقيق قضائي وطني مستقل وشفاف يعطي القضاء اللبناني مناعة مطلوبة ربما بدعم دولي ضروري.

الخطأ الرابع: المراهنة على الخارج لحل المعضلة اللبنانية، وهنا لا انتقد الانخراط مع المجتمع الدولي والعربي ولا بالطبع هذا التضامن الكبير الحاصل مع الشعب اللبناني، لكن المستهجن هو تعويل بعض المجموعات على القوى الخارجية لحل مشاكلنا. عادة تكون منطلقات القوى الخارجية هي الحفاظ على مصالحها. يسري ذلك على الجميع ولا سيما الأوروبيين الذين يتعاطون مع لبنان من خلال عدسة “الاستقرار اللبناني”، فإستقرار جوارهم، ومنه الجوار اللبناني، هو وسيلة للاطمئنان إلى ان حدودهم محمية من تدفق اللاجئين والمهاجرين، فضلاً عن وجود آلاف الجنود والامنيين الأوروبيين على أرض لبنان (الجنوب وغيره)، وبالتالي، يشكل المس بهم نوعاً من المس بالأمن القومي لهذه البلدان. لذلك، تستطيع السلطة أن تتقن لعبة الإستقرار وسيلة إبتزاز سواء في تركيبة الحكومة المقبلة او المساعدات الموعودة، فيصبح سقف لقاء بعض الناشطين مع رئيس فرنسا ايمانويل ماكرون هو مجرد صورة على الانستغرام تنال عدداً كبيراً من الاعجابات.

الخطأ الخامس: الانتقال الى العمل الاغاثي، وهذا مطلوب بل مرحب به في الايام الاولى للكارثة – الجريمة، خصوصاً بغياب الاجهزة الرسمية، لكنه ربما يساهم، وعن غير قصد، في تعزيز التكيف مع غياب “الدولة”. بينما المرجو هو ان تقوم كل الادارات والمؤسسات الرسمية ولا سيما العسكرية والامنية بهذا العمل بدل التفرج على المتطوعين نهاراً وقمعهم مساءً. اما الأمر الأكثر إلحاحاً فهو المطالبة بالمساءلة والمحاسبة ومن ثم مراقبة عملية النهوض بالأحياء المدمرة واعادة اعمارها بطرق تعيد الناس الى منازلها واعمالها وتحمي من الفساد الذي يصاحب عادةً هكذا حالات إغاثة إنسانية كبيرة، ولنا الكثير من الأمثلة في لبنان.

يروى ان احدهم سأل عنترة بن شداد “بِمَ غُلبَت العرب في المعارك”؟ فأجاب: “بالصبر”.

ناصر ياسين

أستاذ السياسات والتخطيط في الجامعة الأميركية في بيروت

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free online course