“هآرتس”: بن زايد اللاعب الرئيسي في الحروب!

Avatar18022/08/2020
يقدّم محلّل الشؤون العربية في صحيفة "هآرتس" تسفي برئيل رؤيته للدور الذي يلعبه ولي عهد دولة الإمارات محمد بن زايد على صعيد بلاده والمنطقة، من منطلق "الرجل الأقوى في الشرق الأوسط". كيف يرى هذا المحلل الإسرائيلي محمد بن زايد وأدواره ولا سيما علاقته بإسرائيل؟

​”إنه الرجل الاغنى في العالم الذي يسيطر على خزينة تقدر بـ 1.3 تريليون دولار. يحافظ على لياقته ويجري محادثات ودية مع قادة حول مزايا اجهزة لياقة بدنية جديدة. الضيوف الهامون يحصلون على طائرة مروحية في سماء الدولة، يقودها هو بنفسه. في مقابلة مع “نيويورك تايمز” قبل سنة تقريبا، قال عنه روس ريدل، رجل الـ”سي.آي.ايه” السابق والباحث الكبير حالياً في “معهد بروكنغز”، “يعتقد أنه ميكيافيلي ولكنه يعمل مثل موسوليني”.

​الامير محمد بن زايد آل نهيان، إبن الـ 58 سنة. هو الحاكم الفعلي للامارات العربية المتحدة. لقبه غير الرسمي “الرجل الاقوى في الشرق الاوسط” – اكثر من زعماء دول كبرى مثل مصر والسعودية. عندما يجري في اسرائيل نقاش له دلالات محيرة – هل الاتفاق مع بلاده هو “اتفاق سلام” أو فقط “اتفاق للدفع قدما بالتطبيع”، لا يوجد لابن زايد أي شك في أن هذا اتفاق سلام.

​ليس اتفاقاً يستهدف خدمة اسرائيل أو مساعدة الفلسطينيين، بل هو جزء من عملية استراتيجية على المدين المتوسط والبعيد. اتفاق سيخدم بالاساس مصالح الامارات الصغيرة التي يبلغ تعداد سكانها 9 ملايين نسمة، بينهم 8 ملايين هم عمال اجانب، وتسيطر على 6 في المئة من احتياطي النفط في العالم. المقابل الفوري ليس فقط رزمة الطيران التي تضم طائرات “اف35” وانظمة سلاح متطورة، بل ترسيخ مكانة بن زايد في الكونغرس الامريكي الذي كان ينوي فرض عقوبات على الامارات بسبب تدخلها في حرب اليمن، وقرر وقف صفقات السلاح مع السعودية، وهو قرار تم الالتفاف عليه من قبل الرئيس دونالد ترامب. السلام مع اسرائيل يمكن أن يزيل باقي المعارضات الامريكية لبيع السلاح، وهو يشكل بوليصة تأمين لابن زايد حتى في حالة خسارة ترامب في الانتخابات في تشرين الثاني/نوفمبر في مواجهة خصمه الديموقراطي جو بايدن.

كراهية الإخوان

​مقابل علاقته الوثيقة بترامب، يوجد لابن زايد تاريخ غير لطيف مع الرئيس الديموقراطي السابق باراك اوباما، الذي عقد معه في البداية علاقة صداقة وثيقة، الى درجة أن اوباما اعتاد على التواصل معه بين حين وآخر من اجل سماع رأيه حول مواضيع لا تتعلق فقط بالشرق الاوسط. الصداقة انتهت عندما حدثت ثورة الربيع العربي وبدأ اوباما يتحدث عن شرق اوسط جديد، ديموقراطي وليبرالي، يتم فيه انتخاب الزعماء من قبل الشعب ويتم القاء المستبدين في سلة مهملات التاريخ. بالنسبة لابن زايد، دعا اوباما رئيس مصر حسني مبارك الى ترك الكرسي وأيد النظام الذي اقامه “الاخوان المسلمون” في مصر.

رأى بن زايد العاصفة التي حلت بالعالم العربي كتهديد لنظامه وللانظمة التقليدية. لذلك، تجنّد لمساعدة عبد الفتاح السيسي الذي عزل محمد مرسي في حزيران/يونيو 2013. ملايين الدولارات ضختها الامارات لمصر من اجل زيادة احتياطها من العملة الصعبة، بعدما وصلت الى نسبة خطيرة. وقد شجع مستثمرين على تطوير البنى التحتية في مصر، وساهم في مشاريع في سيناء وحوّل القاهرة الى حليف يعتمد اقتصاديا على الامارات.

حاول بن زايد في حينه اقناع الادارة الامريكية بأن دعم ثورة الربيع العربي سيخلق فوضى في الشرق الاوسط وسيضعضع سيطرة الولايات المتحدة في المنطقة. الزعيم الذي انشأ بعد ذلك في الامارات وزارة للتسامح ومتحفاً يشبه متحف اللوفر، وطوّر فرعاً لجامعة نيويورك في بلاده، أوضح حدود تسامحه بشأن خطوات ديموقراطية في الشرق الاوسط. هكذا، في حين أن واشنطن مترددة في تقديم الدعم للرئيس المصري الجديد، فان بن زايد رسّخ مكانته كمن انقذ مصر من ازمة خطيرة.

​ولكن الضربة الاشد التي تلقاها من اوباما كانت المفاوضات مع ايران، التي انتهت بالاتفاق النووي. بن زايد هو شخص متدين، يصلي ويصوم شهر رمضان، لكنه يمقت الاخوان المسلمين. هذا برغم أنه كان محسوباً عليهم عندما كان شاباً، وكطفل تعلم على يد واعظ ديني من رجال الحركة (الإخوان). كراهيته للاخوان المسلمين تشبه فقط خوفه من ايران ـ التي يرى فيها تهديدا قريبا وفوريا على دول الخليج بشكل خاص وعلى الاسلام السني بشكل عام ـ وليس غريبا أنه حتى قبل أن ينتخب ترامب رئيسا، بدأ بن زايد بعقد صلة مع صهره جارد كوشنر، والغى لقاءً شخصياً تم التخطيط له مع اوباما من اجل لقاء كوشنر في نيويورك.

​من الذي يمسك بالخيوط؟

​اسم بن زايد ظهر ايضا في تحقيقات المحقق الخاص، روبرت مولر، الذي فحص تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية (الأمريكية) في 2016، وذلك كمسؤول عن العلاقة بين حافظ اسرار بوتين، رجل الاعمال كريل دمترييف، وبين مستشاري حملة ترامب، ومن بينهم ستيف بانون. خلال سنتين، امتنع بن زايد عن زيارة الولايات المتحدة خوفا من استدعائه إلى التحقيق. هو نفسه، وشقيقه وزير الخارجية عبد الله بن زايد، وسفيره في واشنطن يوسف العتيبة، دفعوا قدما بمصالح الامارات في اروقة القوة الامريكية، باستثمار عشرات ملايين الدولارات التي دفعت لشركات العلاقات العامة، واللوبيات والمحامين.

​هم من أوصوا كوشنر بتبني محمد بن سلمان، وحتى طلبوا منه فحص كيف تستطيع الولايات المتحدة المساعدة في تعيينه وليا للعهد بدلا من محمد بن نايف الذي كان المخلص للادارة الامريكية في السعودية وبشكل خاص لـ”سي. آي. ايه”. ليس واضحا هل وكيف تدخلت الادارة الامريكية، لكن الحقيقة هي أن بن سلمان حظي باللقب في 2017. في تشرين الاول/أكتوبر 2018، قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في اسطنبول. وخلال فترة قصيرة، تم القاء تهمة المسؤولية عن القتل، التي لم يتم اثباتها حتى الآن، على بن سلمان.

​ولي العهد السعودي أزيح من مكانته بوصفه الابن الغالي للولايات المتحدة وتحول الى شخصية غير مرغوب فيها في الكونغرس الامريكي. منذ ذلك الحين، لم يقم بزيارة الولايات المتحدة، في حين أن بن زايد تم تتويجه في العاصمة الامريكية كرجل الادارة في الشرق الاوسط. ولكن مكانته هذه بدأت تهتز بسبب صراعات القوى بين الكونغرس، وبشكل خاص بين الاعضاء الديمقراطيين فيه، وبين ترامب بسبب السعي (في الكونغرس) الى معاقبة بن سلمان في قضية الخاشقجي والحرب المستمرة في اليمن.

خلاف إستراتيجي

​في هذه الحرب، التقى بن سلمان وبن زايد على شن هجوم طويل ووحشي وفاشل على المتمردين الحوثيين كجزء مما اعتبروه معركة لوقف نفوذ ايران في المنطقة. ولكن بعد خمس سنوات قتل في الحرب ومات من الجوع والمرض اكثر من 100 ألف شخص وبقي الملايين بدون مأوى. أدركت الولايات المتحدة بأنه برغم التكنولوجيا والسلاح المتطور الذي باعته للدولتين، إلا أن المعركة لم تنته، بل هي آخذة في توريطها. حدث خلاف استراتيجي بين الزعيمين السعودي والإماراتي، ففي حين أن السعودية سعت الى انشاء يمن موحد بعد طرد الحوثيين من مناطق سيطرتهم، فان الامارات قلصت طموحاتها الى السيطرة على جنوب اليمن من اجل أن تضمن على الاقل أمن الملاحة في مضائق باب المندب.

​أنشأ بن زايد، بواسطة شركة فرعية لـ”بلاك ووتر”، (شركة الحماية الامريكية السيئة الصيت بسبب سلوكها في العراق)، ميليشيات من المرتزقة من كولومبيا وجنوب افريقيا، حاربت في اليمن ودربت القوات المؤيدة للامارات من اجل الحفاظ على حياة الجنود النظاميين. هذه الفجوة بين السياسة السعودية والسياسة الاماراتية جعلت أبو ظبي تبدأ بدعم جماعات انفصالية في جنوب اليمن ضد الحكومة المعترف بها في اليمن والمدعومة من قبل السعودية. وهناك شكوك تقول إن الإمارات وفرت لهم سلاحاً امريكياً.

​في تحقيق اجراه الكونغرس الامريكي حول هذه التهمة (توفير السلاح) تمت تبرئة الامارات من خرق قانون بيع السلاح الامريكي. ولكن بن زايد فهم أن ربط اسمه مع بن سلمان كمسؤول عن المأساة في اليمن، يمكن أن يمس بعلاقته مع واشنطن. في نفس الوقت، وجد بن زايد نفسه، الذي يتولى يقود بلاده، امام ضغوطات من ستة من حكام الامارات بسبب الحرب في اليمن. هؤلاء الامراء، وبشكل خاص حاكم امارة دبي، محمد بن راشد، ادعوا ضده بأنه يعرض الدولة للخطر ويحولها الى هدف لصواريخ ايران والحوثيين، ويعرض للخطر الملاحة في الخليج الفارسي، ويبدد اموال الدولة في حرب غير ضرورية ويضحي بحياة الجنود المقاتلين الذين يأتي معظمهم من الامارات الصغيرة الاكثر فقرا.

​سلام استراتيجي

​بن زايد هو الحاكم الفعلي منذ العام 2004، ونجح طوال سنوات في منع استبداله، فهذه الوظيفة، حسب الدستور، يجب أن تنتقل بتناوب بين الامراء السبعة كل خمس سنوات. لم يكن بوسعه تجاهل الضغط والتهديد الذي جاء من واشنطن. بقرار استراتيجي صعب، امر جيشه بالانسحاب من اليمن ووقع على اتفاق تعاون مع ايران لحماية الملاحة في الخليج الفارسي وسمح لحاكم دبي بمنح تأشيرات دخول لرجال اعمال ايرانيين بعد سنوات من التجميد. وحصل في المقابل على وقف اطلاق صواريخ الحوثيين على اهداف برية وبحرية لبلاده.

​مكانة الساحة اليمنية احتلتها مؤخرا الساحة الليبية التي يؤيد فيها بن زايد الجنرال الانفصالي خليفة حتر في صراعه من اجل السيطرة على الحكم. ولي العهد وجد نفسه هنا في تحالف مع مصر التي لديها مصلحة مباشرة في ليبيا، والى جانب روسيا وفرنسا وفي ظل دعم امريكي ضبابي. هذه الحرب تجري بقوة ضد قوات تركية وتمويل قطري وهما الدولتان اللتان تؤيدان الاخوان المسلمين، وهما العدوتان اللدودتان للسعودية ومصر.

هذه ليست المرة الاولى التي تشارك فيها طائرات اماراتية في الحرب في ليبيا. في الجولة السابقة، كانت هذه الحرب ضد داعش التي جرت في شرق ليبيا. ولكن الآن يدور الحديث عن حرب دولية يمثل فيها محمد بن زايد لاعباً رئيسياً.

​في صلب نسيج المصالح الدولية والعربية للامارات، يحتل السلام مع اسرائيل موقعاً استراتيجيا. قرار التخلي عن الاجماع العربي حول المسألة الفلسطينية، والانفصال عن المبادرة العربية (السعودية في الاصل) التي تطالب اسرائيل بالانسحاب أولا من جميع المناطق مقابل أن تحظى بالتطبيع وبحزام أمان مع الدول العربية؛ والاعلان عن اتفاق سلام مع اسرائيل من دون حلف عربي داعم، يمكن أن تدل ليس فقط على جرأة سياسية، بل بالاساس على التطلع إلى السيطرة على دفة القيادة في الشرق الاوسط.

​خلافا لمصر والاردن، بن زايد ليس بحاجة الى الاموال الامريكية. فهو يستطيع شراء التكنولوجيا التي يريدها من أي مصدر، بما في ذلك من اسرائيل، حتى بدون اتفاق سلام. وهو لا يحتاج الى السلام من اجل الحصول على الاراضي أو من اجل الدفاع عن حدود بلاده، ولكن من اجل الحصول على اعتراف دولي واقليمي بزعامته، مطلوب منه القيام بخطوة اختراقية مستقلة”.

Avatar

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course