أبناء جبل عامل والدولة.. كأنها دولة وكأنهم شعبها (2/2)

مذ وُجد المكوّن الشيعي في لبنان وقبل أن توجد دولته ككيان، بدأ رحلة البحث عن الدولة عساه يستظل بها، وظل يبحث عنها كطريدة دونما جدوى في هذا اللبنان الضائع ما بين مثلث "طائف" لا يطوف، وطائفية قاتلة، وطوائف متقاتلة، وبهذا دخل القرن العشرين الماضي قاصراً في خضم لعبة الأمم الكبرى.

تقدم هذا البحث عن الدولة وتكلّل بجهودٍ جبارة بذلها الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين (1872-1957) إبّان الاحتلالين العثمانيّ الذي لم يرحل إلا بحربٍ عالمية أولى، والفرنسيّ الذي لم ينتهِ إلا بحربٍ عالمية ثانية، وما بين الحربين من جهود وجهاد للتحرّر من ربقتهم، وللاستقلال عن استعمارهم، وللإنضمام إلى الدولة العربية الكبرى إذا ما قُيّضَت لها الكينونة كخطوةٍ أولى بادىء ذي بدء، بالرغم من استيلاد الاختلاف حول مستقبل الكيان اللبناني مع بداية الاستعمار الفرنسي في أيلول/سبتمبر/1920 حتى اذا ما لاح في الأفق بريق دولة في لبنان كان موقف هذا المكوّن تجاه الدولة اللبنانية الحديثة، أقرب إلى موقف الموارنة، مفضّلاً الاستقلال عن سوريا ليكون أقلية كبيرة في لبنان، بدلاً من أقلية صغرى في سوريا وهذا ما كان بالرغم من الجواب الصادم المروي عن إميل إده (1883-1949)، أول رئيس لبناني في عهد الاستقلال (1943) عندما سئل عن سبب تفوق المسيحيين في وظائف الدولة اللبنانية سنة 1936 فقال: “لبنان بلد مسيحي فليذهب المسلمون إلى مكة“.

وإذا كان استحضارُ تاريخ هذا المكوِّن، منذ وجودِه يضجُّ بالسّعي لإقامة الدّولة، فإن تاريخَه الحديث يزخَر بذلك وبمقاومته للاستعمارات وللاحتلالات منذ تشكّل “دولة لبنان الكبير” عام 1920 التي لم يمضِ عامٌ على إعلانها، حتى كان علماءُ جبل عامل وأعيانُه يوقّعون عام 1921 عريضةً إلى حاكم سوريا ولبنان الجنرال الفرنسي غورو، وحاكم لبنان الكبير جورج ترابو، ومتصرّف لواء لبنان الجنوبي توفيق أرسلان، نصّها أنّ “الشيعة يشكّلون الأكثريةَ أو هم في الدرجة الثانيةِ من مجموع سكان لبنان الكبير، ويدفعون ما يقربُ من نصف واردات بيت المال (خزينة الدولة) ومع ذلك لغيرِهم الغُنم، وعليهم الغُرم، ولا يوجد منهم موظف قطّ في العاصمة، لا كبيرٌ ولا صغير” (مجلة “العرفان” العدد الثالث، 1921).. ألا يكون ذاك نداء التحاق بالدولة وبحثاً عنها في الفيافي والقفار؟ ثمّ، ماذا كان يفعل أبطال المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي، صادق حمزة وأدهم خنجر وغيرهم لتحقيق الاستقلال؟ أما استشهدوا لأنهم كانوا يسعون ويبحثون عن دولة للبنان في جباله ووديانه؟

لا رؤية خاصة للدولة

منذ الإستقلال اللبناني عام 1943، انخرطَ أبناء هذا المكوّن في مشروع الدولة – الكِيان، وما بين الاثنين شتان. وبرغم ذلك أخذوا مواقعَهم المتواضعة فيها، وتموضعوا في مؤسّساتها ولم يخرجوا يوماً عليها كما خرج غيرُهم، بل قاتلوا مشاريع الدويلات، واستُشهدوا بالآلاف لوأدِها تماماً مثلما قاتلوا لتحريرِها من الاحتلالات، وقدّموا وما يزالون آلاف الشهداء.

بهذا الدم بلغ هذا المكوِّن أوجَ قدرته وفائض قوّته قبل العدوان الإسرائيلي الأخير، ومع ذلك لم يشمّ تفكيره رائحة الإنشقاق عن الدولة أو الإنقلاب عليها، بقدر جعله كل مقدراته وأعز ما يملك، درعاً رادعاً للعدوان، وسيفاً لحمايتها لا لمحاربتها.

لقد انخرط هذا المكوّن في الدولة منذ إعلانها قبل قرنٍ وستة أعوام، ومع ذلك لا يزال يُسأل هل هو معها؟ هل هو منها؟ فيما هو جزء ومكوِّنٌ أساس لها، ولا يحتاج الأمر إلى أدبيّات الإمام السيد موسى الصدر منذ قدومِه إلى لبنان عام 1959 حول نهائية الكِيان والدولة، وتأسيسه المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى محاكاة لواقع الدولة وجزءاً من مؤسساتها ومكوناتها، التي تم خطفه وإخفاءه لأجلها، وتبع مجيئه لبنان بسبع سنوات (1966) حضور الراحل السيد محمد حسين فضل الله وتنظيرُه لـ”دولة الإنسان” التي تسمو عن المواطنة والذي فضّل تسمية المجلس الاسلامي فقط والاثنان يوديان إلى البحر نفسه الذي هو الكيان؛ كيان الدولة المركب من مجالس طوائف، فكيف وهذا المكوّن موجودٌ كغيره عبر وزراء في حكوماتها، ونواب في مجالسها، ومسؤولين وموظفين في إداراتها.

وبرغم تهمة الاحتكار، يخوض “ثنائي” هذا المكوّن المتمسّكُ بلبنان كـ”وطن نهائي” كما في المبدأ الخامس من ميثاق حركة أمل (1974): “إن حركةَ المحرومين هي حركة وطنية تتمسك بالسيادة الوطنية وسلامة أراضي الوطن” وكما حزبُ الله المستولد من مقاومة الاجتياح الاسرائيلي (1982) ليؤكدَه في الفصل الثاني من الوثيقة السياسية الثانية (2009): “لبنان هو الوطن الذي نريدُه لكلّ اللبنانيين على حدّ سواء، ونريده واحداً موحَّداً، أرضاً وشعباً ودولةً ومؤسسات، ونرفض أيَّ شكلٍ من أشكال التّقسيم أو “الفدرلة” الصّريحةِ أو المقنَّعة.”

فهل بعدَ هذا كلِّه يُفترَض أن تكونَ لهذا المكوِّن رؤيتُه الخاصّة به للدولة؟- إن وُجِدَت هذه الدولة- وإذا وُجِدَت فهل للطوائف أو للمذاهب الأخرى رؤاهم الخاصّة بهم في هذه الدولة حتى يكون للشّيعة رؤيتُهم الخاصّة بهم؟ وهل المطلوبُ ذلك من الكل أصلاً، أم رؤيةٌ وطنية واحدة للدولة تبدأ من بناء الثقة المفقودة بينها وبين كل مكوِّناتها، وبين كل هذه المكوِّنات، وتمرّ بحوار يحدد الأولويات في المشتركات، بَدءاً من أولوية التّحرير والإعمار، مروراً بأولويات الدولة-الكِيان والإستراتيجية الدائمة على المدى البعيد، وصولاً إلى توحيد الكتاب المدرسي والمناهج التعليمية، وصَهرِها في بوتقة وطنية تعيد إنتاج شعبٍ واحدٍ لا جماعات متناحرة متنافرة على مدى قرن ونيّف.

إقرأ على موقع 180  حماس ما بعد "سيف القدس".. مصالحات ومهادنة وإنفتاح

المطلوب هو تحديدُ ماهيّةِ وهُوِيةِ هذه الدولة التي يراها البعضُ في “الطائف” الذي يريد بعضٌ دفنه، والبعض في الدولة المدنية، والآخَرُ بالدولة العلمانية، والبعض الآخَر يفصُلُ بينَها وبين النظام السّياسي وحَوكمتِه المعروفةِ، وتلك مسألة أخرى تُفضي إلى غياب هذا النّظام الذي يقودُ طوائفَه إلى بدائلَ مجتمعيةٍ واقتصادية وإدارية بديلةٍ تملأ الفراغ بالمؤقت حتى إشعار آخَر، إشعار رسم مثلثه أدولف هتلر- نعم هتلر- بقوله “الفقر هو صنو الجهل وصنو المرض ومتى اجتمع الثلاثة كفر الشعب بالدولة ومات فى النفوس كل شعور وطني“.

هنا يرتد النقاش إلى إشكالية أخرى يقودُها التّيه ما بينَ الهُويّات والأولويات بعيداً عن الحساباتِ الضيّقةِ في دهاليز الدولةِ العميقة مذ تشكّلت، والشيعةُ مكوِّنٌ أساسٌ منها، ولهذا لا يمكن إسقاطُ تهمةِ إضعافِها عليهم دون سواهم، فيما تاريخُهُم فيها ومعها يَشِي بدعمِها ويدحَضُ تهمةَ سعيِهم لدولةٍ دينية أو دويلةٍ خاصّة بهم على غرارِ بعض دُعاة التّقسيمِ والفيدرالية الذين تهدّد سياساتُهم اليوم بانزلاقٍ البلد إلى حرب أهليةٍ الكلُّ فيها خاسر – خاسرٌ طالما لم تصل الدولة إلى “رفع قيمة الفرد عبر الاندماج في نشاط الدولة”، كما قال الفيلسوف الألماني فريدريش هيغل (1770-1831).

هل المشكلةُ في الشيعة أم في غيرِهم من طوائفَ ومذاهب أم في الدولة نفسِها أم في النظامِ وبنيته؟

ثمّةَ قاسمٌ مشتركٌ بين كلّ هاتيكَ الأسئلة؛ هو أنّ الكلَّ يحتاجُ تصالحاً واقعياً مع الذات، وسلاماً داخلياً في المواطنة، وأماناً خارجياً من الوطن-الدولة المنقوصةِ سيادتُها، المنخورةِ بفسادِها وما بينهما من ظلم اجتماعي، “والظلم مؤذن بخراب العمران”، كما يرى إبن خلدون، وثمّة مسافةٌ بينَها وبين مواطنيها، وبَونٌ شاسعٌ بينَهم بسببها، ولكلٍّ رؤيتُه لها من مناظيرَ مصلحيةٍ طوائفيةٍ مذهبيةٍ لها أولٌ وليس لها آخِرُ كما قال أحدُهم: “كأنّها دولةٌ وكأنّنا شعبُها”.

(*) راجع الجزء الأول بعنوان: عن أبناء جبل عامل والدولة اللبنانية.. وما بينهما (1)

Print Friendly, PDF & Email
غالب سرحان

كاتب لبناني

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  خطة ترامب لقطاع غزة.. ترتيبات ما بعد الإبادة!