الأمتار الأخيرة في الإنتخابات الأمريكية
WASHINGTON, DC - JULY 14: U.S. President Donald Trump arrives to speak to the press in the Rose Garden at the White House on July 14, 2020 in Washington, DC. President Trump spoke on several topics including Democratic presidential candidate Joe Biden, the stock market and relations with China as the coronavirus continues to spread in the U.S., with nearly 3.4 million confirmed cases. (Photo by Drew Angerer/Getty Images)

لا يوجد مثيل، أو شبه مثيل، للأداء الانتخابي للرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب بالقياس على أية تجربة أخرى منذ الرئيس الأول جورج واشنطن فى نهايات القرن الثامن عشر.

بطباعه فهو مختلف، وكل شيء آخر مختلف فى الأجواء السائدة والمفردات المستخدمة والسيناريوهات المحتملة لما قد تصبح عليه الولايات المتحدة فى المدى المنظور.
بإجماع استطلاعات الرأى العام، فإنه سوف يخسر بفداحة انتخابات (3) تشرين الثاني/نوفمبر المقبل إذا ما أجريت الآن، غير أنه لا يعترف بها، أو يقر بحقائقها، ويرى أنها تنطوي على تدليس متعمد من خصومه الديمقراطيين ومراكز الاستطلاع ووسائل الإعلام التى تناهضه.
يفترض تقليدياً قرب الحسم الانتخابي فى صناديق الاقتراع تأجيل أية قرارات كبرى، أو تغييرات مفاجئة، إلى ما بعده، لكنه يستخدم كل الأوراق التي فى حوزته، يخرق أية قواعد متعارف عليها فى إدارة السياسة العامة، يفعل أي شيء وكل شيء لكي يكسب السباق الانتخابي فى الأمتار الأخيرة.
بقدر اندفاعاته، فهو شخصية براجماتية، أنكر استطلاعات الرأي العام، لكنه استجاب لرسالتها، أحدث تغييرا جراحيا فى فريقه الانتخابي وهاجم إدارته الحالية ملمحا إلى أنه قد يغيرها بالكامل.
لديه يقين ما، يحاول أن ينقله إلى أنصاره حتى لا يفقدوا حماسهم الانتخابي، أو ثقتهم فى فرصه، أنه سوف يكرر مع منافسه الديمقراطي جو بايدن نفس ما جرى مع هيلاري كلينتون فى انتخابات (2016)، التى كانت الاستطلاعات تجزم بخسارته أمامها.
بصورة ما نجح فى نقل ذلك التصور إلى متابعي الانتخابات الأمريكية من صحفيين ومحللين وباحثين، الذين باتوا يتريثون فى إصدار الأحكام، تحسبا أن يفعلها ترامب مرة أخرى فى الأمتار الأخيرة.
يكاد بايدن أن يكون نسخة عكسية من ترامب، فهو سياسي تقليدي صعد من داخل الحزب الديمقراطي، واكتسب خبرته فى مجلس الشيوخ قبل أن يصعد بجوار باراك أوباما نائبا للرئيس.
لا كاريزماتي مثل أوباما ولا متفلت كترامب.
هو رجل يتحرك فى المناطق الرمادية، اضطرته تفاعلات حزبه إلى اختيار سيدة سوداء يسارية نائبة له على بطاقة ترشحه فى سابقة هى الأولى من نوعها.
بمقتضى الحسابات الانتخابية الباردة لا اختياره الشخصي الحر، جرى اختيار كامالا هاريس لعلها تساعد في تحسين صورته وجذب أصوات جديدة لصالحه رغم أنها هاجمته بضراوة أثناء الانتخابات التمهيدية داخل الحزب الديمقراطي.
حسب استطلاعات الرأى العام فإن الكتلة الغالبة التى سوف تصوت لبايدن لا تكن إعجابا حقيقيا به بقدر كراهيتها لترامب.
بالأرقام: (72%) من الأمريكيين يرون أن بلادهم ليست على الطريق الصحيح.

هو (ترامب) مستعد أن يخوض حربا بالوكالة مع إيران ومستعد أن يوقع اتفاق سلام معها فى غضون شهر واحد بعد انتخابه، وان يفعل الشيء نفسه مع كوريا الشمالية، كما أعلن وصرح. كل شيء محتمل وكل سيناريو وارد فى الأمتار الأخيرة

انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر فى حقيقتها استفتاء على ترامب أكثر من أن تكون اختيارا بين رجلين وبرنامجين ونظرتين مختلفتين لمستقبل أمريكا.
بالتزامن هناك استفتاء آخر يتابع ولا يقترع.
بقدر الدور المحورى الذى يلعبه ساكن البيت الأبيض فى الأزمات الدولية فإن الانتخابات الأمريكية شأن عام يخص العالم كله خصوصا مناطق المنازعات والتوترات.
كان صعود ترامب إيذانا بحسابات جديدة فى القارة الأوروبية، تصدعت تحالفات ونشأت نزاعات هددت القيادة الأمريكية وتفشت نزعات شعبوية أخذت تنحر فيما هو مستقر من قيم حديثة.
بترجمة سياسية فإن انتخابات الخريف تؤشر لنقطة تحول محتملة فى الأدوار التى تلعبها الولايات المتحدة فى نظام دولي جديد يوشك أن يولد بآثار وتفاعلات ضربات جائحة «كورونا».
قد يحاول بايدن ترميم التحالفات القديمة بين الحلفاء الغربيين، لكن المهمة لن تكون يسيرة بالنظر إلى التجريف الذى لحق بركائز النظام الدولي وقدر التحولات التى تنبئ بعالم جديد بعد أن تنقضي الجائحة.
العالم اختلف وموازين القوى الاستراتيجية والاقتصادية لم تعد على النحو الذى كانت عليه أعقاب الحرب العالمية الثانية.
فى الاستفتاء الدولي، بالمتابعة دون اقتراع، هناك شبه إجماع بين نخب عديدة على رفض ما يمثله ترامب من خيارات وسياسات ونظرات لحقوق الأقليات العرقية والجاليات العربية والإسلامية.
وفى الاستفتاء الأمريكي، بالمشاركة والتصويت، هناك تراجع فادح فى فرص ترامب على خلفية إدارته لأزمتي جائحة «كورونا» والعنصرية المتجذرة فى بلاده، فضلا عن تراجع الاقتصاد، إنجازه الأكبر الذى كان يعوّل عليه فى إعادة انتخابه دون منافسة حقيقية.
فى الأمتار الأخيرة يصعب توقع ما قد يُقدم عليه ترامب، ولا التعهدات التى قد يقطعها على نفسه لاكتساب أصوات جديدة.
يمكن أن يفعل الشيء وعكسه، كأن يخوض حربا بذريعة ما، أو أن يسعى لاتفاق سلام مع نفس الجهة.
هو مستعد أن يخوض حربا بالوكالة مع إيران ومستعد أن يوقع اتفاق سلام معها فى غضون شهر واحد بعد انتخابه، وان يفعل الشيء نفسه مع كوريا الشمالية، كما أعلن وصرح.
كل شيء محتمل وكل سيناريو وارد فى الأمتار الأخيرة.

نحن أمام رجل يعتبر هزيمته المحتملة تزويرا مسبقا، وينظر إلى الموقع الرئاسي الأمريكي كحق حصري لا يمكن التخلي عنه

هكذا طرحت أسئلة قلقة لم يكن ممكنا تصور أن تفرض نفسها على الرأي العام الأمريكي، كأنها دولة من العالم الثالث ديمقراطيتها مطعون فيها وانتخاباتها مزورة.
من هذه الأسئلة المستغربة إذا ما كان ممكنا إرجاء الانتخابات بذريعة تفشى الجائحة، أو خشية خسارة الانتخابات في ترجمة سياسية أخرى.
بقوة الدستور لا يمتلك الرئيس الأمريكي حق إرجاء الانتخابات.
«أنا لا أريد تغيير التاريخ.. لكن هذه الانتخابات سوف تكون الأكثر تزويرا فى التاريخ».
هكذا تراجع عما دعا إليه فاتحا جبهة أخرى فى الصدام.
نحن أمام رجل يعتبر هزيمته المحتملة تزويرا مسبقا، وينظر إلى الموقع الرئاسي الأمريكي كحق حصري لا يمكن التخلي عنه.
ومن هذه الأسئلة المستغربة: هل يرفض ترامب مغادرة البيت الأبيض إذا لم يعترف بنتائج الاقتراع.. وهل يضطر بايدن إلى طلب مساعدة القوات المسلحة لتسلم السلطة؟
ترامب لوح باحتمال عدم قبوله نتائج التصويت: «أنا لست خاسرا جيدا، أنا لا أحب أن أخسر، سوف أرى ماذا أفعل، لن أقول نعم ولن أقول لا كذلك».
بالنسبة إليه فما هو مستحيل احتمال غير مستبعد وبالنسبة إلى منافسه فإنه سيناريو كابوسي.
إنها طريقة ترامب عند الأمتار الأخيرة، لعله يربك منافسه ويكسب رهانه على تجديد ولايته رغم استطلاعات الرأي العام.

(*) نقلاً عن موقع “الشروق” المصري:

https://bit.ly/3aVqrRI

عبدالله السناوي

كاتب عربي من مصر

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course