مئة عام من الأسئلة اللبنانية: دماء كفتون تُجيب

مئة عام من النظريات والنقاشات والأزمات المتتالية في لبنان، أو بالأحرى أعوام من الأسئلة حول "أي وطن نريد"، ولا نتائج سوى المزيد من التخبط والضياع. تأتي أحداث وتغيب أخرى والعيب في مكانه. باتوا يسمونها "أزمة نظام" أو باللبناني "أين الدولة" ولا إجابات.

ببساطة لو وجدت إجابة واحدة عن الأسئلة الوجودية المتعلقة بالهوية الوطنية والخيارات الكبرى وكيفية بناء دولة المواطنة، لكانت البلاد استقرّت على ما لا يعيد انتاج أزماتها. الحقيقة أن لب الأزمات يقبع في عمق تكوين الدولة والمجتمع وينتج عنه بشكل دائم صدى يشكل “التفاصيل اللبنانية” كما بتنا نسميها، وهي تتحول إلى مشكلة بحد ذاتها نعود ونغرق فيها أيضا.

ما نتحدث عنه هنا هو نتيجة طبيعية لتركيبة أبرز عناصر الدولة، أي “الشعب”، وتتضح إفرازات هذه الطبيعة في كل تفاصيل حياتنا من أساليب التفكير القبلية وصراعاتها بكل أشكالها، حتى النظام الانتخابي وما يفرز، إلى الاعلام والاهتمامات وما ينتج عن هذا من شكل الدولة.

يقال ان مشاريع عدة استهدفت لبنان في الأعوام المئة الماضية. مشاريع خارجية تريد تدمير “وطن الأرز”… لماذا؟ على أي أمر اتفق “الخارجيون” لتدميرنا؟ ماذا يريدون من هذا المستنقع؟ وللإجابة عن هذه التساؤلات مثلاً تقف الفئات اللبنانية كل من زاويتها لتعطي إجابة مختلفة عن الأخرى، حتى أن الطوائف اللبنانية اختلفت على تصنيف العدو والصديق بدلا من استخلاص العبر التاريخية التي تؤكد وجود مشروع صهيوني يستهدف هذه البقعة الجغرافية ويحاول تثبيت وجوده فيها. وفي النتيجة مفككون نحن، مفروزون حتى أقصى الحدود، متنافرون أقطابا لا تلتقي بل تتبارز. من أين أتى من نظّر لأزماتنا على مدى هذه السنين، ألم يكونوا من “الشعب”؟ بلى وما زلنا نتناقش حول الملائكة والشياطين وحتى أجناسهم.

لذلك، وبالعودة إلى المشاريع، فقد بات من البديهي القول كخلاصة لتجارب المئة عام، ان القبائل اللبنانية أنتجت أيضا مشاريعها متناغمة مع ما يدور حولها، وهي تتنازع حول مصالحها من أجل تثبيتها في شكل الدولة وتتعلق بالخارج مناجاةً، وهو ما عزز الفرز الداخلي، فاذا كانت عصبية هذه القبائل (طوائف كانت أو مذاهب أو مناطق أو…) لا تنتج في داخلها سوى مراكز قوى لجمع العصبيات، فماذا ستنتج إذا غير الفرز؟ وهنا تتمظهر التفاصيل في معارك داخلية تأخذ فيها هذه القبائل أشكالا دفاعية وهجومية، وتنتج أنماطا في طبيعة العلاقات بينها وتدخل المشاريع بشقيها الداخلي والخارجي وتتعدد تعريفاتها ويعمّ الضياع. وبحثا عن الحلول، يحاول الجميع إيجاد صيغة تتيح “العيش المشترك” لفترة. ويكون كإبرة مسكن تأتي مرة بشكل إعمار وازدهار اقتصادي، ومرة أخرى بشكل اتفاق المنهكين من القتال على هدنة لالتقاط الأنفاس، ومرة ثالثة على شكل تدخل الأخوة الكبار لفض النزاع.

لنعد إلى لبنان: صفائح متحركة على أبواب المئوية. ولنكرر السؤال عن أي وطن نريد. وهنا، عند هذه المحطة المفصلية من تاريخنا، تغيب “النحن” لتصبح أي وطن “تريد” كل قبيلة. فلنعترف لقد شاخ هذا الوطن

اليوم، تتجمع جميع عوامل الفرز هذه مقابل القليل من عوامل الجمع، فالأخوة الكبار متحاربون، والتفكك الداخلي واضح، والاقتصاد انهار بعصا خارجية. واذا أردنا تعداد مشهد الفرز الكلي فلنبدأ من محيطنا حيث يظهر مثلاً مشروع “الدولة اليهودية” مسميا نفسه “حامي الأقليات” مقابل الانقسام الفلسطيني المعروف، ولننظر إلى الأردن المتضعضع بين عوامله الداخلية والجغرافية و”إجماع العرب”، ولنتحدث ساعات عن العراق منذ احتلاله ومحاولات “الفرز الثلاثي” فيه، ولنأتي إلى سوريا حيث محاولات ومحاولات للفرز تحت عنوان “ضرب الدولة المركزية” ومؤسساتها. وبعد كل هذا لنعد إلى لبنان: صفائح متحركة على أبواب المئوية. ولنكرر السؤال عن أي وطن نريد. وهنا، عند هذه المحطة المفصلية من تاريخنا، تغيب “النحن” لتصبح أي وطن “تريد” كل قبيلة. فلنعترف لقد شاخ هذا الوطن.

وسط كل هذا، وبعدما أظهرت التحقيقات الأولية في جريمة بلدة كفتون الشمالية الخلفيات الفكرية للفاعلين، يظهر أصحاب عقليات الفرز الطائفي إذا منفذين نمطا من العمليات الأمنية التي تستهدف مناطق معينة، والتي قد تتكرر، محاولين بذلك تكريس المزيد من الفصل بين المناطق والطوائف لأهداف لا تصب الا في مصلحة زرع بذور التقسيم، وهم “حاولوا” ذلك فوق دماء ثلاثة من شهداء البلدة، إلا أنهم اصطدموا بهويتهم السياسية، حيث أن انتمائهم إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، كما غالبية بيئتهم منع دخول النغم الطائفي ولغة التحريض إلى مسرح الجريمة.

عند محطة المائة عام من عمر لبنان أجابت جريمة كفتون عن بعض أسئلة هذه البلاد الكبيرة، حيث اصطدم عقل الاقصاء المنتشر وما يُنتج من مشاريع تمعن تفكيكا في المجتمع والدولة، بعقل نهضوي وحدوي أحبط وجوده هذا الامتداد، فهل من إجابات سوى بالدماء؟ ولو أن ما حصل وقع على أحد عتاة الطوائف، فهل كانت لتُحفظ البلاد من خضة توصف بـ”الكيانية”؟ يبدو أن الجواب حتى الآن فقط في ما فعله “العقل” في كفتون، وما ينقذنا فعلا هو ألا يكون في هذه البلدة فقط.

Avatar

صحافي وكاتب لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free