فرنسي رئيساً لحكومة لبنان.. بتغطية حريرية!

إنتهت الإستشارات النيابية الملزمة قبل أن تبدأ. مصطفى أديب هو الشخصية التي ستكلف غداً (الإثنين) بتأليف الحكومة اللبنانية الجديدة. من هو أديب وهل سينجح في التأليف؟

أولاً، يمكن القول إن تسمية مصطفى أديب فرنسية بإمتياز. الفرنسيون يعرفونه ويتعاملون معه بوصفه من “أهل البيت”، لا سيما وأنه يحمل الجنسية الفرنسية وزوجته فرنسية ووالدها مقرب جداً من قصر الأيزيه. علماً أن الرجل يقضي كل سنة عطلته الصيفية مع عائلته (خمسة أولاد) في فرنسا. من موقعه مديراً لمكتب رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي (2011)، وسفيراً للبنان من خارج ملاك السلك الدبلوماسي في برلين (2013)، عزّز علاقاته بالفرنسيين وبالعديد من الدوائر الدبلوماسية العربية، خاصة بعد تعيينه عميداً للسلك الدبلوماسي العربي في العاصمة الألمانية بوصفه الأقدم بينهم. وثمة رواية تقول إن الفرنسيين جسّوا نبضه منذ حوالي عشرة أيام، ومنذ ذلك الوقت بدأ يهمس في آذان بعض المقربين منه بأنه من بين المرشحين لرئاسة الحكومة في لبنان. الرواية نفسها تشي بأن الإيرانيين لم يكونوا بعيدين عن إختيار الإسم، وهم ينسقون في هذه المرحلة مع الفرنسيين في العديد من الملفات الإقليمية، ومنها ملف لبنان الذي صار بعهدة الأليزيه وليس وزارة الخارجية.

ثانياً، نال الإسم مباركة نادي رؤساء الحكومات الذي يضم سعد الحريري ونجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة وتمام سلام. بالطبع كانت حماسة كل واحد من الأربعة متفاوتة، لكن أقلها من السنيورة. هذا يعني أن معظم الكتل السنية ستسمي أديب رئيساً للحكومة، علماً أن ولاء أديب لميقاتي لم يمنعه من نسج علاقة خاصة مع سعد الحريري رئيسا للحكومة وقبله تمام سلام عندما تولى آخر وزارة في عهد ميشال سليمان.

ثالثاً، لم يكن “الثنائي الشيعي” (حزب الله وحركة أمل) قد تبلغ بالإسم المرشح حتى بعد ظهر اليوم (الأحد)، وكان أول من تبلغ هو المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب النائب علي حسن خليل الذي بقي على تواصل مع الحريري طيلة ساعات ما قبل التسمية، وسارع إلى تزكية الإسم بعد تشاور سريع بين قيادتي حزب الله وحركة أمل. لـ”الثنائي” تجربة مشجعة مع أديب سواء عندما كان مديراً لمكتب ميقاتي أو خلال توليه مهام السفارة في برلين. كما لعب دورا إستثنائياً في التصدي للوبي الذي قاده السفير الأميركي في برلين بالتنسيق مع السفارة الإسرائيلية هناك من أجل وضع حزب الله على لائحة الإرهاب مطلع هذه السنة.

رابعاً، صاغ أديب من خلال وزارة الخارجية علاقة عمل هادئة وغير متوترة مع جبران باسيل والقصر الجمهوري، وكان يلبي كل الدعوات إلى المؤتمرات الدبلوماسية والإغترابية، كما كان يرسل تقريراً شبه أسبوعي إلى وزارة الخارجية يضمنه أبرز المعطيات التي تتوافر له من خلال لقاءات نسجها مع وزارة الخارجية الألمانية وعدد كبير من السفراء العرب وسفراء الدول الكبرى في العاصمة الألمانية.

خامساً، يمكن القول إن خيار مصطفى أديب أقرب ما يكون إلى خيار حسان دياب، أي أن الإثنين يأتيان من العمل الأكاديمي، ذلك أن أديب هو أستاذ في الجامعة اللبنانية ويدرس في الكلية الحربية للجيش اللبناني. الفارق غير الجوهري بينهما أن أديب إكتسب تجربة سياسية متواضعة من خلال إمساكه بالملف الإنتخابي في الماكينة الميقاتية لمرحلة طويلة، بما في ذلك تمثيل نجيب ميقاتي في الهيئة الخاصة المكلفة بوضع قانون انتخابي جديد، برئاسة فؤاد بطرس، بدءا من العام 2005.

سادساً، تنطبق على مصطفى أديب صفة موظف برتبة رئيس حكومة. هذه الصفة لا تدينه بقدر ما تدين من إختاروه من رؤساء حكومات ومن زكوا التسمية، ولا سيما “الثنائي”، ذلك أن هذا الإنحدار السياسي الذي بدأ بإختيار حسان دياب، ويستمر مع مصطفى أديب، لا يتحمل مسؤوليته، بكل ما يشكله من إساءة إلى موقع أساسي في توازنات السلطة والسياسة في لبنان، إلا رؤساء الحكومات الذي قرروا أن يتهربوا من تحمل المسؤولية وأن يختاروا شخصية غير معروفة، ولا تملك قوة التمثيل ولا المؤهلات لمواجهة التحديات الهائلة التي تواجه البلد، وخصوصاً على الصعد الإقتصادية والنقدية والمالية والإجتماعية..

سابعاً، قد يكون إختيار مصطفى أديب هو بمثابة ضحك على ذقون الفرنسيين. تريدون تسمية رئيس للحكومة قبل وصول ماكرون إلى بيروت. مبروك لكم. الإسم صار موجوداً. لكن التأليف له قصة مختلفة.. السعوديون والإماراتيون لن يغطوا أديب، كما لم يغطوا قبله حسان دياب، والدليل هو قرار القوات اللبنانية شبه المحسوم بعدم المشاركة في أية تركيبة وزارية. أما وليد جنبلاط، فستكون حساباته هذه المرة مرتبطة بمعادلة حساسة: عدم إستفزاز السعوديين من جهة ومحاولة الفوز بحصة حكومية ما من جهة ثانية. هنا، ثمة ملاحظة لافتة للإنتباه أن مصطفى أديب كان يرتبط بعلاقة صداقة بوزير خارجية السعودية الحالي فيصل بن فرحان الذي خدم سفيراً في برلين قبيل تعيينه وزيراً للخارجية.

ثامناً، كان التقدير عالياً عند جهات محلية عديدة بأن الحريري سيختار شخصية شمالية لرئاسة الحكومة، لإعتبارات إنتخابية بحتة، فالإنتخابات النيابية صارت على الأبواب. كل الناس ستبدأ بتشكيل ماكيناتها الإنتخابية منذ مطلع العام 2021 ولا بد لأية حكومة أن تراعي مصالح الحريري الإنتخابية وأولوياته الشمالية الوازنة.

تاسعاً، يمكن أن يشكل إختيار مصطفى أديب مناسبة لإحراق ميقاتي نفسه، ذلك أن أي نجاح أو فشل للرجل في مهمته، سيُعتبر نجاحاً أو فشلاً لميقاتي. بذلك، يكون الحريري قد نجح في الإستثمار سياسياً وإنتخابياً، وبالتالي لا يدفع من كيسه بل من كيس خصمه الإنتخابي الأول في الشمال، اي نجيب ميقاتي.

عاشراً، لن يكون مفاجئاً لأحد أن يكون رهان الحريري وميقاتي بأن مصطفى أديب لن يتجاوز مربع التكليف، أما تأليف الحكومة الجديدة، فدونه الكثير من المطبات الداخلية والخارجية، الأمر الذي يمكن أن يدفعه الى الإعتذار، قبل أن تُكلف شخصية جديدة برئاسة الحكومة لا يريد سعد الحريري أن تكون إلا سعد الحريري.. وجبران باسيل لا يريد إلا من يختاره هو.

حادي عشر، إذا صح الرهان على التكليف بلا تأليف، فإن الحكومة لن تولد قبل الإنتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. الأميركيون دخلوا في مرحلة “الكوما” الإنتخابية ولن يغطوا أية تركيبة يعتقدون أنها ستعوّم حزب الله أو تخفف الضغوط الدولية عنه.

ثاني عشر، مُجدداً، يهرب جبران باسيل من “الأصيل”، اي سعد الحريري، فيختار “الوكيل”، وهو يعتقد أنه بذلك يربح ويجعل الآخرين يخسرون. يبدو أن الرجل لا يدرك أن تكرار تجربة حسان دياب سيجعل إستطلاعات الرأي في الشارع المسيحي تأخذه إلى أقل من 14 % وفق آخر إستطلاع، بينما أعطى الإستطلاع نفسه القوات اللبنانية حوالي 24%.

ثالث عشر، أول إختبار سيواجهه الرئيس المكلف هو إختبار الإنتخابات النيابية الفرعية. حسان دياب تبلغ من جبران باسيل والقصر الجمهوري أنه لا يريد لهذه الإنتخابات أن تجري. طلب رئيس حكومة تصريف الأعمال من وزير المال غازي وزني رد مرسوم الإنتخابات بحجة عدم توافر الإعتمادات المالية المطلوبة (سبعة مليارات ليرة لبنانية)، فكان جواب رئيس مجلس النواب نبيه بري من خلال وزني بتوقيع المرسوم سريعاً وتوفير الإعتمادات على وجه السرعة (يمكن وضع الإشتباك السياسي الذي إندلع بين القصر الجمهوري ووزير المال السابق علي حسن خليل في هذه الخانة).

رابع عشر، ثمة مطالب فرنسية واضحة: ممنوع عودة التيار الوطني الحر إلى وزارة الطاقة. الوزارات الحيوية كالمالية والإتصالات والأشغال تحتاج إلى وزراء تكنوقراط، أي ممنوع الإتيان بوزراء سياسيين إليها. كيف سيوفق رئيس الحكومة بين متطلبات “الأمم” ومتطلبات التوازنات الداخلية من سياسية وطائفية؟

خامس عشر، من خلال تجربة حسان دياب، يمكن القول إن إسم الشخص لم يعد يقدم أو يؤخر في التركيبات. سعد الحريري يمكن أن يكون حسان دياب إذا لم تتوافر عناصر نجاح مهمته في السراي الكبير. لذلك، ليس مستبعداً أن يكون مصطفى أديب عنوان الوقت الضائع بين زيارة ماكرون وموعد الإنتخابات الأميركية.

في تعليقه على التسمية، كتب الزميل وسام سعادة أن أول رئيس وزراء للبنان “كان إسمه أوغيست باشا أديب.. والآن يأتي آخر رئيس وزراء للبنان إسمه أوغيست مصطفى أديب. تؤدب ولا تؤدبان. تبدأ بأديب وتنتهي بأديب”.

Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free online course