حكومة تُولد ورئيس يتوعّد.. تونس إلى أين؟
TUNIS, TUNISIA - FEBRUARY 27: (----EDITORIAL USE ONLY MANDATORY CREDIT - "TUNISIAN PRESIDENCY / HANDOUT" - NO MARKETING NO ADVERTISING CAMPAIGNS - DISTRIBUTED AS A SERVICE TO CLIENTS----) Tunisian interior minister Hisham al Mashasi puts his hand on the Quran during sworn in ceremony of new cabinet in Tunis, Tunisia on February 27, 2020. The new coalition government in Tunisia was sworn in and started its duty on Thursday under Prime Minister Elyes Fakhfakh. Cabinet was sworn in before President Kais Saied (R) at the Carthage Palace. (Photo by Tunisian Presidency / Handout/Anadolu Agency via Getty Images)

بعد مدّ وجزر وشدّ وجذب، نالت حكومة هشام المشيشي الثقة أخيراً من البرلمان التونسي بنسبة مريحة قدرها 134 صوتاً، فيما كان النصاب المطلوب لنيل (أو سحب) الثقة من الحكومة 109 أصوات من أصل 217 هي كل مقاعد البرلمان التونسي، حسب الترتيبات التي نصّ عليها الدستور التونسي.

قدّم هشام المشيشي خطاباً بمناسبة نيل حكومته الثقة، لا يختلف عمّا سبقَ (أو ما يمكن) قولهُ في مثيلات هذه المناسبة، بلّ إنّه – حسب مراقبين كُثر – أعاد النفخ في وثيقة قرطاج1 أيام الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي بعد انتخابات 2014، تلك التي أفضت بالتونسيين إلى مكابدة الكثير من المعاناة جرّاء حكومة الحبيب الصيد، التي ضجّت وقتذاك، بالخلافات والنزاعات في أروقة البرلمان وحُجرات الكواليس، لا سيما بعد تصدّع حزب “نداء تونس”، حزب الأغلبيّة البرلمانيّة في ذلك الزمن.

إذاً ليس جديداً أيّ صراع يكتنف الحياة السياسيّة في تونس، خاصةً أنّ لوبيات المصالح وجماعات الضغط وعصابات المال السياسي المتناسلة مثل البكتيريا في أيّة قاعة مغلقة، في وسعها أن تتحوّل إلى منصة للانطلاق إلى صفقات جديدة.
في خطابه العتيد، وعد المشيشي بـ”ترشيد النفقات”، أيّ بعبارة أخرى، على التونسيين أن يشدّوا الحزام للمرة الألف، وربما على العاطلين عن العمل التزوّد بالصبر أكثر، وعلى الموظفين والمتقاعدين أن يتخلّوا عن حلم الزيادة في الأجور حتى لو كانت طفيفة، بلّ عليهم أن ينتظروا رفع الدعم عن السلع الضروريّة، ويستبعدوا أيّ تصوّر وردي حول صندوق التعويضات!
هشام المشيشي الخالي من أيّ كاريزما (ويبدو أنها ظاهرة عربية عامة، بدليل مصطفى أديب اللبناني والسوري والعراقي والفاسطيني المستنسخ!)، والحقوقي الذي يُفتي في الاقتصاد، يعلم جيداً أنّ تراجع القدرة الشرائيّة للمواطن التونسي بسبب الحكومات السابقة والسياسات المتعاقبة، يمكنُ “الإجهاز” عليه أيضاً بـ “ترشيد النفقات” التي لم تكن يوماً “نفقات” تستحق أنّ تحمل دلالاتها المعتادة، فهذا الرجل على ما يبدو فصل الكلمة عن معناها، و”توعّد” التونسيين ـ لكن بنعومة ـ بأشهر أخرى من التقشّف، ممّا قد يودي بحكومته سريعاً بعد أن تأخذ حصتها المحميّة بموجب الدستور، أيّ: يا أهل تونس انتظروا ستة أشهر كاملة، حتى يتمكّن نوّابكم من إجهاض هذه الحكومة، فيما لو “شدّت الحزام” أكثر من الشدّ الاجتماعي الذي يُعانيه أهل القيروان والكاف والقصرين وباجة وسليانة وغيرها من المناطق الأكثر فقراً في القطر التونسي.
بدورها، زادت المعارضة الطين بلّة، عندما اقترحت الاستثمار ولو تطلّب ذلك الاقتراض من جديد! بمعنى أشد وضوحاً، رهن تونس خارجياً من الناحية السياسيّة فوق ما هي مرهونة بالفقر داخلياً، ذلك أنّ 70% من التمويلات الخارجيّة التي تحتاجها تونس مرتبطة بصندوق النقد الدولي، حسب ما صرّح به سليم بسباس وزير الماليّة التونسي السابق، مع التذكير أنّ ديون تونس تبلغ 4.20 مليار دولار؛ بتقديرٍ أكثر دقّة: 75% من الناتج المحلي. اللافت للإنتباه أن الاقتصاد التونسي يسجل أكبر تراجعٍ لهُ منذ 1997 بنسبة تصل إلى 21.6% سالب. ولا يفوق الوضع التونسي سوءاً إلا نظيرهُ المغربي، إذ تقفز الديون المغربيّة فوق 38 مليار دولار، أيّ تقترب ممّا يسمى بـ “المنطقة الحمراء”، والغريب أنّ المغرب يرغب في المزيد من الاستدانة، والدفع بالبلاد إلى الارتهان أكثر لإملاءات صندوق النقد الدولي (وأيضاً هذه ظاهرة عربية وعالمثالثية)!

سعيد يطمح في حكومة ثابتة ومعيّنة وكاملة الصلاحيّة من خارجها، خيطها الناظم تنفيذي وسلمها الإداري رأسيّ، بمعنى؛ تعطيل العمل السياسي وإيلاء العمل الفني والتكنوقراطي مكانةً أولى، ما دامت الأحزاب لا تشتغل برلمانياً إلا في سحب الثقة ومنحها فقط

 وبالعودة إلى تونس، جاز لنا أن نتساءل (بالمعنييْن: من السؤال بالفصحى ومن التثاقل باللهجة اللبنانيّة): كيف سيكون موقف الاتحاد التونسي للشغل أمام هذا التلويح الحكومي الواضح بالمرور إلى فترة أكثر تقشفاً؟
السيد نور الدين الطبوبي رئيس الاتحاد العام للشغل في تونس، مشغول في هذه الأيام بتحليل خطاب الرئيس قيس سعيّد، مطالباً إيّاه بكشف “أذيال الاستعمار” و”الخونة الذين باعوا ضميرهم”، ممّا يعني أنّ السيد الطبوبي قد انتقل موضوعياً من الانشغال بمطالب خدميّة ومعيشيّة تدخل في صميم  اختصاص الاتحاد التونسي للشغل الذي يرأسه إلى الاشتغال بالسياسة وتحليل مضامين الخطابات الرئاسيّة وإتصالها بالإستعمار!
قيس سعيّد، من جهتهِ، شنّ هجوماً قاسياً جداً على أطرافٍ لم يسمها، في أعقاب القسم الحكومي لحكومة هشام المشيشي، إذّ إنّه سوف “لن يتسامح مع كل من افترى وكذب وادّعى.. وفتح داراً للفتوى ليفتري في الدستور”، فـ”البعض بالأمس فضلاً عن الكذب والافتراء، يدّعي في العلم معرفة”، مضيفاً “لقد احترمتُ النظام واحترمتُ المؤسسات والمقامات بالرغم من أنّ البعض لا يستحق هذا الاحترام”، حسب الخطاب الذي ألقاهُ. ثمّ يردفُ قائلاً: “أعلم دقائق الأمور بتفاصيلها، فمن يظنّ أنّه يعرف ويتسلل إلى القصر.. أعرف أكثر ممّا يعرفون. لنّ أردّ عليهم بالألفاظ التي استمعت إليها بالأمس لأنّها لا تثير إلا الاحتقار”، واصفاً هؤلاء بـ”الخونة وأذيال الاستعمار الذين باعوا ضمائرهم ووطنهم، المرتميين في أحضان الصهيونيّة والاستعمار”. طبعاً تسابقت المواقع والتخميّنات عمّن يقصد قيس سعيّد بكل هذا الكلام الذي حمل لهجة عنيفة، فضلاً عن غضب الرئيس التونسي الواضح أثناء إلقائه للخطاب، الذي بات شهيراً ولافتاً، ولا يمكن قراءة هذه المرحلة التونسيّة إلا من خلاله..
لم يحب قيس سعيّد يوماً الأحزاب التونسيّة ولا ارتاح لها برهةً، ولم يتصوّر لحظةً أن بإمكانهِ التحرّك سياسياً وربما اقتصادياً في حيّز دستوري محكوم بنظام برلماني معدّل، لا يمتلك فيه رئيس الجمهوريّة سوى سلطات يسيرة، بينما يكون الحاكم الأكبر في دواليب السلطة، رئيس الحكومة والنوّاب المنضوين في غالبهم ضمن أحزاب كسولة في معظمها، لا يكنّ لها سعيّد أيّ ودّ، بلّ إنّ سعيد يطمح في حكومة ثابتة ومعيّنة وكاملة الصلاحيّة من خارجها، خيطها الناظم تنفيذي وسلمها الإداري رأسيّ، بمعنى؛ تعطيل العمل السياسي وإيلاء العمل الفني والتكنوقراطي مكانةً أولى، ما دامت الأحزاب لا تشتغل برلمانياً إلا في سحب الثقة ومنحها فقط، ناهيك عن الجلبة والضوضاء، وربما “العمالة” لدول صديقة أو عدوّة.
يرغب قيس سعيّد في تعديل الدستور نفسه، ولأجل ذلك، يستقلّ طرقاً عديدة وسبّلاً شتّى، وكلّ ما يحصل الآن لا يدخل إلا ضمن الألعاب الصفريّة (Zero-sum game)، الرابح فيها يطرح من الخاسر منها، وما هي إلا كنايات عن شيّء واحدٍ فحسب: تعديل الدستور والمرور إلى النظام الرئاسي المعدّل (مثل فرنسا والجزائر)، يتمكّن فيه الرئيس من اللعب على أكثر من صلاحية ممنوحةٍ لهُ بموجب الدستور.

الثابت أنّ الأفق التونسي لم يعد مغلقاً، وإنّما يُصار إلى النقيض، فهو مفتوح على كل الاحتمالات برمتها، وما كان أبعد قد يصبح هو الأقرب، وما هو الأقرب الآن قد يصير هو الأبعد بعد قليل، بمعنى آخر، من يُنتج مواقف سياسيّةً الآن بإزاء مواقع سياسيّة أخرى لا تروقهُ، يصبحُ في الغد التونسي القريب، هو من يبلور مواقف أخرى ضد المكان النقيض الذي كان فيه، وهكذا، تشبه الحالة بشكلٍ أو بآخر نظريّة الباب الدوّار (Revolving door) في العلوم السياسيّة، تشعر الرحى بالحركة برغم أنّها تدور في المكان نفسه دون أن تتقدّم أو تتقهقر، والعِبرة بمن طال عمرهُ وحسنت “استدارته”.

ضيف حمزة ضيف

كاتب وصحافي جزائري

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
download udemy paid course for free