لبنان الكبير.. حاجة عربية ودولية
Lebanese gentlemen wearing red tarboosh hats sitting at a steetside cafe while sipping tea and smoking traditional narghile pipes. (Photo by Carlo Bavagnoli/The LIFE Picture Collection via Getty Images)

تزامنت الذكرى المئوية للبنان الكبير مع الإنفجار المروع في مرفأ بيروت، بكل تداعياته الكارثية، وللمناسبة، صدرت مقالات وتعليقات عديدة، منها ما تضمن إنتقادات تذهب إلى حد نسف فكرة الكيان اللبناني ولا تتمنى له أن يعيش لا مئوية ثانية ولا دقيقة واحدة.

أنا من دعاة النقد، لكنني أتمناه دائماً نقداً موضوعياً بناءً وليس هدّاماً. الأجمل أن يقترن النقد باقتراحات تحاول أن تؤسس للأحسن والأفضل. وبرغم ان مدخل النقد مفتوح على مصراعيه في لحظتنا اللبنانية الصعبة، وبالنظر الى الكوارث التي حلت وتحل ببلدنا ماضياً وحاضراً، لكن معظم المقالات التي قرأتها، كانت تتجاهل قيمة وجود لبنان الكبير منذ مئة سنة، بحدوده الحالية، حتى أن قناعتي أن البعض من هؤلاء يكابر عندما يتجاهل حقيقة أن هذه الهوامش الواسعة من الحريات عندنا، لن تتوفر في أي بلد آخر في عالمنا العربي من المحيط إلى الخليج.

لن أقدم سردية تاريخية. هذه مسؤولية المؤرخين. يكفي لبنان مجداً ان باستطاعتنا ان نعبّر ونقول ونكتب. كل ذلك متاح لاننا ننتمي إلى هذا اللبنان. لو قارنا أنفسنا بكل بلدان منطقتنا العربية، لوجدنا أنه فقط في لبنان، يمكنك ان تكتب ما تريد كتابته عن بلدك وحكامك. ولطالما كان لبنان هو الملجأ والمتنفس والجريدة والمنبر لكل من أراد من أخوتنا العرب أن يعبر بحرية عن موقفه، أو قرر أن يهرب من بطش الديكتاتوريات الملكية أو  الأميرية أو الجمهورية أو العسكرية.

يكفي لبنان انه، وبعكس كل محيطه الجغرافي، كان ملتقى الغرب والشرق وما يزال ولن يزول دوره هذا. نعم، برغم كل علاته، وهي كثيرة، يبقى لبنان الافضل والاحسن لنا جميعنا. من منا يمكن أن يترك لبنان حتى في أسوأ ايامه وأوضاعه حتى يعيش في ايّة مدينة في جوارنا العربي والمشرقي؟

يكفي لبنان فخراً وعزاً انه استقبل مفكري وادباء وشعراء ومثقفي ومبدعي العرب فإكتشف هؤلاء ذواتهم في لبنان، ومنه حلقوا في فضاء الشهرة في بلدانهم لا بل في المنطقة بأسرها.

حتى النهضة الأدبية والإعلامية التي عرفتها مصر في القرن التاسع عشر كان عمادها لبنانيون من زمن المتصرفية او “لبنان الصغير”، هربوا من اضطهاد العثمانيين وجورهم. كذلك، لبنان يفتخر انه كان مأوى لمن إضطهد في بلده من سياسيين وادباء وشعراء وعلماء ومثقفين وفنانين.

وحتى اسرائيل التي يتغنى الغرب بديموقراطيتها. اين هي من الحريات التي يتمتع بها اللبنانيون؟ هل هناك مساواة وعدالة وحرية لحوالي ثلث سكانها وأهلها، أي حوالي المليوني نسمة؟ تصادر سلطة الإحتلال المنازل والاملاك، وتغير معالم الارض حتى لا يتعرف عليها أصحابها الاصليون. يهدم الإحتلال البيوت من دون رادع، ويسن قوانين تجبر السكان على الهجرة، والدول المعنية لا تستنكر ولا تدين.

الا يكفي ذلك “الرصيد” الذي يزنّر بلدنا حتى نحافظ عليه ونحاول اصلاحه لكي يعود المتنفس والمسرح والمشفى والمدرسة والجامعة والمطعم والفندق والمطبعة والجريدة والملهى والخمارة من دون أن ننسى او نتجاهل جباله ووديانه وارزه وطبيعته ومسار التاريخ عبر كل مدنه وبلداته وقراه.

حتى اسرائيل التي يتغنى الغرب بديموقراطيتها. اين هي من الحريات التي يتمتع بها اللبنانيون؟ هل هناك مساواة وعدالة وحرية لحوالي ثلث سكانها وأهلها، أي حوالي المليوني نسمة

تذكرني المناسبة بأبيات شعر مُعبرة للشاعر السوري الكبير نزار قباني يحذر فيها من تحقير لبنان وهدمه:

آه يا عشاق بيروت القدامى

هل وجدتم بعد بيروت البديل

إن يمت لبنان متم معه

كل من يقتله كان القتيل

كل قبح فيه قبح فيكم

فاعيدوه كما كان جميلا.

انتقل نزار قباني الى لبنان في منتصف ستينيات القرن الماضي، أي في اواخر عقد لبنان الذهبي وفهم بالملموس معنى وجود لبنان. لا يقتصر تقديره لمعنى لبنان على سنوات سكنه فيه، انما يشمل، قبل ذلك وبعده، فهمه للبنان الحرية، وتميز هذا البلد عن محيطه، وفرادة العيش المشترك فيه برغم كل الصعوبات والتناقضات.

لا تُقطع اليد ان جُرحت، ولا تُستأصل المعدة ان تقَرحت. فلماذا نصر على تدمير لبنان الجريح؟ هل وصل لبنان الى مرحلة “فالج لا تعالج”؟

للذين يريدون تغيير هوية لبنان التي تكونت عبر تاريخ شعبه وتضحياته، ربما سها عن بالهم او تناسوا ان لبنان ملجأ للذين هربوا من احكام سلطوية وارادوا ان يعيشوا حياتهم بحرية كما يشتهونها ومن دون تهديد بالسيف والحبس والإبعاد. كذلك كيف نصنع من لبنان بلدا علمانيا  بينما أحزابه الرئيسية طائفية ومذهبية حتى العظم.. من دون ان نتجاهل ان الدين في هذه المنطقة هو في صلب معظم التقاليد والعادات. في صلب الوعي. المأكل والملبس، حتى أن الطاغي على صراعاتها هو الدين بكل تفرعاته ومسمياته.

لا فرق ان صنعت فرنسا لبنان، او ان موارنته جهدوا لصنعه، فلا فرنسا كان لها دور اساسي منذ ان خرجت جيوشها من لبنان منذ 74 سنة، ولا الموارنة احتكروا الحكم في لبنان بالرغم مما يقال عن المارونية السياسية التي انتهى مفعولها مع إندلاع الحرب الأهلية في العام 1975. ثم إسمحوا لي أن أطرح سؤالاً قاسياً: هل أن العقود التي عاشها لبنان بعد تلك الحرب تستحق كل تلك الدماء والتضحيات والدمار وكم من اللبنانيين يتمنون اليوم أن يعودوا إلى زمن الأسود والأبيض. إلى عهد الإستقلال. إلى زمن فؤاد شهاب؟ هل يعقل أن الشعوب تتقدم سنوات ضوئية إلى الأمام ونحن نعيش نوستالجيا الزمن الماضي ونريد إعادة عقارب الساعة إلى الوراء؟

ان لبنان ملك ابنائه بالحلو والمر من أيامهم وأيامه. انه مميز وفريد إقليميًا ودوليًا، ولذلك هبت الدول من شرق الكرة الارضية وغربها لمساعدة لبنان وانتشاله من مصائبه المصطنعة؟ لماذا تحرك معظم الغرب والعرب للمساعدة؟ لماذا يكتب الأخوة العرب في وسائل إعلامهم وتواصلهم الاجتماعي عن لبنان الجريح بكل ألم ومحبة؟

لم تغب الحياة الحلوة عن لبنان لا في ازمنة عدم الاستقرار ولا في ازمنة الحروب. بقي لبنان مقصدا، كما بقيت خدماته متوفرة، برغم ترديها في أحيان كثيرة، لاشقائه العرب وزواره الأجانب.

لنتفق اذا على تحسين لبنان وتطويره وليس على هدمه وتدميره. ان محبيه وكارهيه بحاجة اليه. لنتفق على رحابته فكريا واجتماعيا وسياسيا حتى يسعنا جميعا. كيف نحقق ذلك؟

قد يقول البعض انه لم يعد مسموحاً لبلد كلبنان يتصف بالحرية والليبرالية أن يحافظ على هاتين الميزتين في منطقة ادارت ظهرها للحريات وتصبح ديكتاتورية أكثر من اي وقت مضى؟

لبنان يزول اذا تغير توصيفه كما عرفناه منذ قرون طويلة. انه بدعة، لا بل إنه رسالة، كما شدد على ذلك البابا الراحل يوحنا بولس الثاني.

كل الذين ينتقدون لبنان بقساوة ما زالوا، برغم كل شيء، يفضلون العيش فيه الا اذا اتت احدهم فرصة عمل مغرية في احدى بلدان المنطقة أو العالم. إن مقارنته باوروبا هي مقارنة غير عادلة وغير محقة. ان التقييم يتطلب مقارنة بلدنا بما يشبهه إلى حد ما. لذلك يُظلم لبنان ان قورن بأوروبا من ناحية الاستقرار الامني والازدهار الاقتصادي والحياة الاجتماعية. على كل حال، لم تعرف اوروبا السلام والنهوض قبل الاتفاق على الهوية الاقتصادية الإجتماعية الاوروبية في النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضي. قبل ذلك، كانت قرونها وعقودها عبارة عن حروب دموية ومدمرة. وبعده، عاشت اوروبا حربا باردة وواجهت، برغم إتحادها، وما تزال صعوبات لا تحصى ولا تعد.

لنتفق اذا على تحسين لبنان وتطويره وليس على هدمه وتدميره. ان محبيه وكارهيه بحاجة اليه. لنتفق على رحابته فكريا واجتماعيا وسياسيا حتى يسعنا جميعا. كيف نحقق ذلك؟

لقد رسم اتفاق الطائف خارطة طريق ربما يؤدي تطبيقها مع بعض التعديلات الى لبنان اقوى وامتن. لم يفت الاوان. لا يزال بوسعنا ان نعيد بناء وطننا. ثمة مقترحات عاجلة قد تخرجنا من عنق زجاجة الأزمة، أختصرها كالآتي:

  1. انتخاب مجلس نواب على اساس غير طائفي ومجلس شيوخ يمثل الطوائف.
  2. اعتماد اللامركزية الادارية الموسعة من ضمن دولة مركزية قوية وخطة تنموية شاملة لكل مناطق لبنان.
  3. اقرار قانون الزواج المدني لمن يشاء، واضافة طائفة للعلمانيين الى الطوائف الـ 17 المعترف بها.
  4. تحديد موعد لإنطلاق الإستشارات النيابية الملزمة التي يجريها رئيس الجمهورية لتكليف رئيس بتشكيل الحكومة.
  5. تحديد مهلة للرئيس المكلف تشكيل الحكومة العتيدة.

برغم ان وقتنا هذا يتطلب القيام بجهود كبيرة لإنتشال بيروت ولبنان من الحالة المزرية التي وصلنا اليها، الا ان التفكير بالمدى المستقبلي مهم لعدم عودة الكوارث الى بلدنا لبنان.

لبنان حاجة عربية ودولية، شئنا أم أبينا، فلو لم يكن لبنان.. لوَجَب خلقه.

معم، لا يجب أن نفقد الأمل، “الأشياء الجميلة أحياناً تتأخر بالقدوم”، كما يقول وليم شكسبير.

عبد الله بو حبيب

سفير لبنان الأسبق في واشنطن

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course