واشنطن تقترب من باريس لبنانياً: العقوبات والإصلاحات!

تكثفت الاتصالات الفرنسية الأوروبية حيال لبنان وتتمحورت حول 4 اتجاهات: الحكومة اللبنانية وبرنامجها الإصلاحي، المؤتمر الاقتصادي الذي تعتزم باريس عقده لأجل لبنان في تشرين الأول/أكتوبر المقبل، تشكيل قوة ضغط أميركية - أوروبية تحت شعار فرض عقوبات على شخصيات لبنانية بعنوان "الفساد"، والحفاظ على خط تحاوري مع ايران قبل موعد إنتهاء الحظر الدولي على السلاح في 18 تشرين المقبل.

 ماذا في المعلومات أولاً؟ 

 في الاتصالات بين الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، شرح سيد الإليزه ما تم التوصل اليه حتى الآن وحصيلة زيارتيه الى بيروت، غداة إنفجار 4 آب/أغسطس، ولماذا تشمل اتصالاته كل الافرقاء بما فيها حزب الله، ذلك أن انخراط كل الأطراف في الإصلاحات وإعادة الاعمار وتسريع تأليف الحكومة يضمن عدم العرقلة وتسريع الخطوات لمنع لبنان من الانهيار او الغرق في حرب أهلية جديدة.

  • جونسون وافق على المقاربة الفرنسية، وأعرب عن اهتمام بريطانيا بالمساهمة في انقاذ لبنان، مشترطاً ان تبدأ الإصلاحات سريعا، وهو ما ستجدد لندن التأكيد عليه مباشرة لرئيس الحكومة مصطفى أديب فور تأليف الحكومة او من خلال زيارة مسؤول بريطاني رفيع الى بيروت قريباً.
  • واذا كانت بريطانيا قد اعتمدت الموقف الأميركي حيال حزب الله لجهة اعتباره بجناحيه السياسي والعسكري منظمة إرهابية وتجميد اصوله، الا ان المقاربة الفرنسية مع الحزب والتي تُشبه مقاربة الأوروبيين للتعامل مع ايران، من شأنها أن تطمئن المناهضين للحزب على أن ماكرون قد ينجح في ابعاد “هيمنة الحزب” عن الحكومة وتهدئة الموقف مع إسرائيل في هذه المرحلة الحساسة عشية الانتخابات الأميركية. ولذلك، فالتركيز البريطاني سيكون كما الفرنسي والأميركي في الفترة المقبلة على مراقبة علاقة لبنان مع صندوق النقد الدولي وتشجيعه على ذلك، والدفع باتجاه تحقيق جدي في انفجار مرفأ بيروت حتى لو ذهب الأمر الى تحقيق دولي، والتدقيق المالي في ما يتعلق بالمصرف المركزي والقطاع المصرفي اللبناني مع ظهور مؤشرات جدية للإصلاح ومحاربة الفساد، فهذه شروط باتت محور اتفاق بين دول الاطلسي للتعامل مع لبنان ومساعدته، علماً أن المصرف المركزي الفرنسي سيتولى بعنوان “المساعدة التقنية” التدقيق في حسابات مصرف لبنان المركزي.
  • هذه المبادرة الفرنسية، وحسب مسؤول أوروبي، كانت في البداية محور شكوك أميركية لجهة احتمال نجاحها في ابعاد حزب الله او تخفيف وطأته، لكنها تلقى حالياً قبولاً يصل في بعض جوانبه الى حد التأييد، ولعل المثال على ذلك أن دايفيد شينكر مساعد وزير الخارجية الأميركي كان من بين المتحفظين على المبادرة الفرنسية والمشككين بجدواها، لكن بعد زيارته الأخيرة الى لبنان وما تلاها من اتصالات أميركية فرنسية، عاد ليؤيدها مع الحفاظ في الخارجية الأميركية والبيت الأبيض على الفكرة القائلة بان لا فرق بين الجناحين السياسي والعسكري للحزب وان هذا الأخير إرهابي.
  • يشرح أحد المقرّبين من مبادرة ماكرون، الفرق بين التكتيكي المؤقت وبين الاستراتيجي المتوسط والبعيد المدى، ففي الأول لا يمكن الشروع في تشكيل حكومة جدية قادرة على الشروع بإصلاحات وإعادة اعمار بيروت، من دون التحاور مع حزب الله (خصوصا ان لفرنسا مشاريع كثيرة في مجالات إعادة الاعمار والنفط ومشاريع اتصالات وغيرها)، اما في الثاني، أي في المديين المتوسط والبعيد، فان المقاربة الفرنسية والأميركية والأوروبية والخليجية والمصرية واحدة، ومفادها تشجيع الحياد الذي نادى به البطريرك الماروني بشاره بطرس الراعي، وطرح ملف سلاح حزب الله على بساط البحث في مؤتمر وطني، وان لم ينفع ذلك يمكن الذهاب أبعد من الحوار الى تحرك دولي مشترك.
  • يؤكد المسؤول نفسه، ان هذه المبادرة الفرنسية وما تبعها من أجواء دولية وعربية (خصوصا مصرية) شجعت الأطراف الداخلية اللبنانية على اعلاء الصوت في قضايا مصيرية ومنها العقد الإجتماعي، محاربة الفساد، والحياد.

شينكر كان من بين المتحفظين على المبادرة الفرنسية والمشككين بجدواها، لكن بعد زيارته الأخيرة الى لبنان وما تلاها من اتصالات أميركية فرنسية، عاد ليؤيدها

ماذا عن العقوبات ثانياً؟  

 برغم حرص ماكرون على عدم اثارة حفيظة الطبقة السياسية اللبنانية بالحديث علناً عن العقوبات، فان الدوائر الفرنسية تلحظها في كل الاتصالات مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة. وتفيد مصادر فرنسية تتابع الأمر مع الشركاء الأوروبيين ومع واشنطن، ان مجموعة عقوبات متنوعة ومتدرّجة سيصار الى اتخاذها على المستوى الأوروبي بالتوازي مع العقوبات الأميركية او ربما تكون عقوبات مشتركة وأخرى ثنائية، وهي ستشمل الجميع بمن فيهم المقربون من فرنسا وأميركا والاطلسي.

  • لا يسير الأوروبيون في كل خطة العقوبات الأميركية المثلثة الاضلاع (ضد الحزب، ضد التعامل مع سوريا، ضد الفساد)، لكنهم يعتبرون ان ثمة جرائم مالية وسياسية وأمنية ارتكبت في لبنان ومن الضروري أن يشعر أصحابها بأنهم لن يفلتوا من العقاب، ولذلك فان التنسيق الدولي ضروري في هذا المجال لرفع مستوى الضغط.
  • يحاول ماكرون الحصول على دعم أوروبي واميركي وعربي لتحركه خصوصا ان مساعدة لبنان بحاجة الى تمويل كبير. واذا كانت ثمة وجهة نظر فرنسية في محيطه تؤيد العقوبات على شخصيات لبنانية بذريعة مكافحة الفساد ومنع الأطراف السياسية من التأثير على مسيرة الإصلاحات الضرورية، فان وجهة نظر ثانية تقول بعدم المغالاة في العقوبات كي لا تكون ثمارها معاكسة للمنشود. وهذا ما بدا واضحا بعد فرض عقوبات على المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب اللبناني علي حسن الخليل، وما تلاها من ردة فعل سلبية من قبل الرئيس نبيه بري.

اقدام البحرين على خطوة التطبيع هدفها تخفيف العبء عن الرياض، فقد أبلغ الأوروبيون جاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي ومسؤول ملف التطبيع، حين زارهم بخطورة سلق المراحل وخنق الفلسطينيين

ماذا عن إيران والتطبيع ثالثاً؟ 

 يراقب الأوروبيون عن كثب وببعض القلق الضغط الأميركي على الخليج لتسريع خطوات التطبيع العربية ـ الإسرائيلية، ذلك ان خبرتهم الطويلة في الشرق الأوسط، تدفعهم الى الاعتقاد بان ذلك قد يحرق المراحل ويعرقل الحلول والسلام والتفاوض في الشرق الأوسط، ويدفع بنيامين نتنياهو الى التشدد مستقبلا وعدم القبول بأية تنازلات او حتى عدم العودة الى المفاوضات واسقاط فكرة الدولتين نهائيا.

وإذ يعتقد الأوروبيون ان التطبيع الاماراتي والبحريني مرتبطان بالقلق من عودة اميركا الى التفاوض مع إيران في حال فوز الديموقراطي جو بايدن، وبالأمل في تعزيز مواقع الدولتين في أميركا في حال بقاء ترامب في البيت الأبيض، فان المعلومات الأوروبية تكشف ان بعض العواصم الأوروبية بقيت متحفظة برغم تشجيعها الفلسطينيين على عدم قطع شعرة معاوية مع اميركا حتى تمرير فترة الانتخابات، وان هذه العواصم ليست بوارد تشجيع السعودية على توقيع أي اتفاق حاليا مع نتنياهو. وتقول المعلومات ان الرياض أبلغتهم بعدم حماستها لمثل هذا الامر برغم كل الضغوط التي تتعرض لها حاليا من الجانب الأميركي، ولعل اقدام البحرين على خطوة التطبيع هدفها تخفيف العبء عن الرياض، فقد أبلغ الأوروبيون جاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي ومسؤول ملف التطبيع، حين زارهم بخطورة سلق المراحل وخنق الفلسطينيين، وبأن هذا سيؤدي الى تفجير الأوضاع لاحقا وتعزيز الدور الإيراني وإعادة تعويم الحركات المسلحة من لبنان حتى فلسطين.

  • برغم تراجع مؤشرات التفاهم الأميركي الإيراني قبل انتهاء ولاية ترامب، الا ان الأوروبيين يستمرون في مساعيهم لتمرير تاريخ الثامن عشر من تشرين الأول/ أكتوبر بأقل انعكاسات ممكنة. ففي ذاك اليوم يصبح من حق إيران استيراد وتصدير السلاح وفق الاتفاق النووي الذي خرجت منه اميركا. وإذا كانت واشنطن قد شعرت بالخذلان بعد فشل مشروعها في مجلس الأمن مؤخرا لإعادة فرض كل العقوبات على ايران من منطلق مبدأ “سناب باك”، فان الأوروبيين يسعون لنصح ايران بتمرير هذه الفترة الحرجة من دون القيام بخطوات استفزازية، كما ينصحون واشنطن بعدم استفزاز طهران على أساس ان هذه الأخيرة ليست بوارد الاقدام على امر كبير بعد هذا التاريخ، كما ان ثمة وسائل أخرى يُمكن اللجوء اليها للضغط على طهران.

يرى الأوروبيون ان طهران التي انتقلت الى المرحلة 4 من الخروج من الاتفاق النووي وعادت الى رفع نسبة التخصيب النووي، تُريد الحفاظ على العلاقة مع الأوروبيين وتأمل بان تكون مرحلة ما بعد الانتخابات الأميركية أكثر انفراجا بغض النظر عمن سيربح هذه الانتخابات، فعاجلا أم آجلا سيقتنع الطرفان الأميركي والإيراني بضرورة العودة الى التفاوض، ولذلك فهم يرون ان كل خطوات ايران حتى الآن ما تزال في اطار المقبول.

لكن هل تسير الأمور بين إيران وأميركا وفي لبنان والمنطقة كما يتوقع الأوروبيون أم أن احتمال التفجير في الأسابيع القليلة التي تسبق الانتخابات الأميركية ممكن؟

يكتفي مسؤول أوروبي رفيع بالقول:”لا نعتقد ان ثمة مصلحة أو قدرة لأحد حالياً على تفجير الأوضاع، والجميع راغب بالتفاوض، وإسرائيل الفرحة بالانفتاح العربي الواسع عليها، ليس من مصلحتها أي تفجير”.

سامي كليب

صحافي وكاتب لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free