مجرم “بيدوفيلي” ينكأ ذاكرة المغرب.. إعدام أم سجن مؤبد؟

منذ السبت الأخير المصادف 12 أيلول/سبتمبر الحالي، خفتت أصوات التنديد بالسياسة الحكومية المنتهجة في المغرب لمحاصرة الجائحة كورونا التي إرتفعت مؤخراً بشكل غير مسبوق، مع ارتفاع ملحوظ في عدد الوفيات بسبب الوباء.

ربما سيرتاح قليلا رئيس الحكومة المغربية د. سعد الدين العثماني (حزب العدالة والتنمية “الإسلامي”)، الذي تحول إلى مشجب تعلق عليه كل مشاكل البلاد. ساعد في ذلك شخصية هذا الطبيب النفساني المفتقدة للكاريزما المطلوبة في رئيس الحكومة ورجل الدولة. فضلاً عن غياب الرؤية الاستراتيجية الإنقاذية. فالمغرب يعيش، اليوم، في فوضى بانتظار معجزة لتلبية انتظارات الشعب. لكن زمن المعجزات ولّى وأدبر، وسؤال “ما العمل؟” يظل بلا جواب.

يعود سبب خفوت الهجمة الشعبية وسكوت قرع الطبول الغاضبة، إلى انشغال الرأي العام في المغرب بقضية هيمنت على الساحة واجتاحت صفحات التواصل الاجتماعي بشكل واسع، وهي قضية، طرحت مسألة جدالية قانونية بامتياز، تتعلق بعقوبة “الإعدام”، التي عادت الى واجهة النقاشات عقب الجريمة النكراء والمروعة التي هزت مدينة طنجة ومعها كل المغرب. فقد قتل طفل صغير على يد مجرم “بيدوفيلي”، قام باستدراج الطفل البريء وعنفه واعتدى عليه جنسيا ثم قتله، وعمد بعدها إلى دفنه بمحيط نفس الحي الذي يقيم به، إذ هو من جيران أسرة الضحية.

جريمة متكررة

مثل هذه الجريمة يتكرر باستمرار في المجتمع المغربي، فكثير من الأطفال قضى على أيدي مغتصبين يبادرون إلى طمس معالم فعلتهم بقتل الضحية حتى يضمنوا سكوته الأبدي، لكن فضيحتهم يكون لها دوي بحجم الرعود وأكثر. يكفي التذكير هنا بقضية المجرم المسمى عبد الهادي الحاضي في مدينة تارودانت (566 كلم جنوب الرباط)، الذي قام باغتصاب عدد من الأطفال وقتلهم ثم دفنهم في المخبأ الذي كان يقيم به داخل أرض مسورة كان يعمل حارسا لها، قبل أن يرمي بعظام بعضهم في مزبلة بمدخل المدينة، ولم يتم الوصول إليه إلا بعد أن هلك تسعة أطفال، وحكم عليه بالإعدام سنة 2005، من دون أن ينفذ، بل تفاجأ المشاهدون بهذا المجرم بعد بضع سنوات، يطل عليهم ذات مساء من خلال تحقيق تلفزيوني حول حي الإعدام بالسجن المركزي في القنيطرة، بثته القناة الثانية، محتجا على طول سنوات اعتقاله وواصفا سجنه بـ”اللاإنساني”، ما أغضب الكثيرين ونكأ جراح ذوي الضحايا وعائلاتهم المفجوعة.

المغتصب دانيال غالفان

المغاربة، وفي خضم هذا الضجيج، عادوا بالذاكرة إلى حادثة أخرى مماثلة، بطلها المجرم دانيال غالفان، وهو عراقي يحمل الجنسية الاسبانية، الذي تعاون مع المخابرات الأمريكية في احتلال العراق ولجأ إلى المغرب ليستقر في مدينة القنيطرة (40 كلم شمال الرباط) سنة 2005، ليشبع غرائزه الوحشية التي نشبها في أجساد أطفال صغار ، قبل أن يتم إلقاء القبض عليه، وعثر البوليس في حاسوبه على ملفات مصورة تثبت استغلاله جنسيا لأطفال مغاربة، وصدر في العام 2010 بحقه حكم بثلاثين سنة في السجن. لكن لم تمر فترة حتى كان اسم غالفان ضمن قائمة المتمتعين بالعفو الملكي بعد زيارة للملك الاسباني خوان كارلوس التمس العفو من ملك المغرب محمد السادس على 48 سجينا اسبانيا في سجون المملكة المغربية، كان من ضمنهم اسم دانيال غالفان. وقد شهدت حينها عدة مدن مغربية، منها الرباط والدار البيضاء، مظاهرات حاشدة احتجاجا على تمكين مغتصب أطفال من العفو الملكي، ما اضطر السلطات المغربية إلى الاعتذار وتبرير ما حدث، بتمتيع المغتصب غالفان بالعفو الملكي، أنه تم بطريق الخطأ. واضطرت السلطات في اسبانيا إلى إعادة غالفان إلى السجن ليقضي عقوبته في سجن اسباني.

مغرب السياحة الجنسية

وبحسب بعض المنظمات الدولية بات المغرب في السنوات الأخيرة وجهة مفضلة ومثالية للمرضى الجنسيين “البيدوفيليين” من “مستهلكي الجنس الطري”. مدينتا أغادير ومراكش يبيع فيهما بعض الفقراء أطفالهم القاصرين (ذكورا وإناثا) للقادمين من خلف البحار لأجل الجنس، بل صارت هناك شبكات منظمة لهذا الصنف من “السياحة الجنسية” الرائجة. فمراكش الحمراء التي تعد القلب النابض للسياحة المغربية، تصنف ضمن المراتب المتقدمة لعواصم السياحة الجنسية، وليس هناك أثر للقوانين الصارمة المستمدة من الإسلام والمذهب السني المالكي المحافظ في تغيير شيء من منافسة مراكش على الرتبة الأولى مع مدن عالمية مثل بانكوك في تايلاند، وسان بيترسبورغ في روسيا ودون غوان في الصين، وأماكن أخرى في أمريكا اللاتينية.

الاعتداء القاتل ضد عدنان

وبالعودة الى جريمة طنجة، فقد تم القبض على المجرم بسرعة قياسية، ساعد في ذلك كاميرات المراقبة في الشارع التي سجلت لقطات للصغير عدنان بوشوف مع شخص تأكد أنه شاب في العشرينيات يعمل بالمنطقة الصناعية بطنجة. وبمجرد الكشف عن اختفاء الطفل، اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي هاشتاغات تطالب بتنفيذ عقوبة #الاعدام_لقاتل_عدنان.

علق مدوّن ساخراً: “أحزابنا لا تهتم ولا تنشغل إلا بـ”القضايا الكبرى والمصيرية للوطن”. الاعتداء جنسيا على الأطفال الصغار وقتلهم ودفنهم في المزابل خبر من الأخبار التافهة التي تسمى عادة في الصحافة الفرنسية ب: fait divers. فلم يفكر أي فصيل حزبي بالخوض في الموضوع ولو على سبيل انتهازية مكشوفة”

وحسب الرواية الرسمية، فان الطفل عدنان خرج لشراء دواء لوالدته من الصيدلية القريبة من مسكنهم، ولم ينس أن يضع الكمامة على وجهه خوفا من كوفيد 19، لكن لم يخطر بباله أن بانتظاره ما هو أخطر من الوباء. عندما تأخر الطفل واختفى، أبلغت عائلته السلطات الأمنية، وبعد يومين عاد إلى والديه جثة في كفن. وكان الرد على وسم: (#طفل مختفي_ خرج ولم يعد)، بيان مقتضب من مديرية أمن مدينة طنجة يخبر بالعثور على الطفل عدنان بوشوف (11 سنة) مطمورا في حفرة بمنطقة مدارية في منطقة بني مكادة بطنجة موطن الرحالة العالمي العربي ابن بطوطة ومدينة أشهر كاتب مغربي: محمد شكري صاحب رواية “الخبز الحافي”.

صمت التنظيمات الحزبية

بادر رئيس الحكومة سعد الدين العثماني إلى نشر تدوينة أسى وحزن وإدانة على صفحته الفيسبوكية بعد العثور على جثة الطفل المقتول عدنان بوشوف، وحيا فيها قوات الأمن “التي كشفت في وقت قياسي عن الجريمة المروعة”، في الوقت الذي صمتت فيه كل التشكيلات الحزبية يمينا ويسارا عن الفجيعة، وفي هذا الصدد، علق مدوّن ساخراً: “إن أحزابنا لا تهتم ولا تنشغل إلا بـ”القضايا الكبرى والمصيرية للوطن”. الاعتداء جنسيا على الأطفال الصغار وقتلهم ودفنهم في المزابل خبر من الأخبار التافهة التي تسمى عادة في الصحافة الفرنسية ب: fait divers. فلم يفكر أي فصيل حزبي بالخوض في الموضوع ولو على سبيل انتهازية مكشوفة ونحن على مسافة غير بعيدة من موعد الانتخابات التشريعية والبلدية”.

في واجهة الاتهام

ما اثار الغضب الشعبي هو وصف صادر عن ناشط أمازيغي، هو الكاتب المعروف أحمد عصيد، نعت فيه المطالبين بإعدام المجرم وإخصاء “البيدوفيليين” من أمثال مغتصب وقاتل الطفل عدنان، “بكونهم لا يقلون وحشية عن المجرم”. وإعتبر أنّ عقوبة الإعدام “ليست حلاً للبيدوفيليا ولن تنهيها”، معتبرا ان “العنف لا يحل مشاكل المجتمع”، وأن “السّجن المؤبد هو عقاب، لكن الإعدام هو إفلات من العقاب”.

والمعروف عن عصيد أنه من الشخصيات المثيرة للجدل في المغرب الراهن، غالبا ما كانت تصريحاته وآراؤه موضع أخذ ورد، بل تصل أحيانا إلى الهجوم عليه واتهامه بالاصطفاف جنب غلاة المتطرفين الأمازيغ، أو إلى فضح بعض علاقاته الحميمية كما فعلت إحدى عشيقاته الشاعرة الأمازيغية مليكة مزّان. وسارع آخرون إلى الكشف عن استفادته المادية من مهامه في بعض المجالس الاستشارية الرسمية والمؤسسات الإعلامية التابعة للدولة.

الإعدام في المغرب

هكذا أعادت هذه الجريمة الجدال من جديد حول عقوبة الاعدام في  القانون الجنائي المغربي، إذ يقضي الفصل 474 من قانون العقوبات بإعدام الخاطف إذا أعقب الاختطاف موت القاصر. لكن السلطات توقفت عن تنفيذ هذه العقوبة القاسية منذ عام 1993، وكان آخر من نفذ فيه الحكم هو الكوميسير مفوض الشرطة الحاج مصطفى ثابث بسبب جرائمه الجنسية ضد النساء وكان يعمد إلى تصوير اعتداءاته عليهن.

قبل الكوميسر ثابث بأعوام، ألقت السلطات الأمنية في مدينة الدار البيضاء في سنة 1978 القبض على مجرم خطير مع صديق له، لتضع بذلك حدا للغز اختفاء عدد من الأطفال، الذين كان يستدرجهم المجرم مصطفى متشوق ويقتلهم بعد الاعتداء عليهم جنسيا.

تم الحكم على متشوق بالإعدام برفقة شريك له، وقد روى لي مناضل كان معتقلا سياسيا بسجن القنيطرة، كيف واجه مصطفى متشوق لحظة سوقه إلى جدار الإعدام ليقتل رميا بالرصاص، في الوقت الذي انهار فيه شريكه انهيارا كاملا.

المدارس وخاصة الابتدائية ورياض الأطفال كانت دائما مكانا للاعتداء على مرتاديها من صغار السن، فرئيسة جمعية “ما تقيش ولدي” (لا تلمس طفلي) السيدة نجية أديب، أسست هذه الجمعية بعد تعرض طفلها إلى اعتداءات متكررة من حارس روضة الأطفال الذي كانت تودعه به

يعود سبب توقف المغرب عن تنفيذ عقوبة الإعدام إلى مناشدات خارجية تتصل بعلاقاته الأممية وبارتباطاته بالاتحاد الأوروبي. رغم توقيف تنفيذ العقوبة، فقد بادر مناضلون حقوقيون ومدافعون عن حقوق الإنسان إلى تأسيس تنسيقية مناهضة الاعدام يرأسها المحامي البارز عبد الرحيم الجامعي، واستطاعت الجمعية استقطاب أعداد من الأنصار الذين يرون أن عقوبة الإعدام ليست حلا، فقد أعدم كثير من مغتصبي الأطفال ولم تتوقف جريمة الاعتداءات الجنسية على الصغار وقتلهم.

وقبل سنة، في تشرين الأول/أكتوبر 2019، أصدر المجلس الوطني لحقوق الإنسان (هيئة استشارية حكومية) مذكرة تتصل بمشروع القانون الجنائي، توصي بتشديد العقوبات في حالات الاغتصاب وزنا المحارم، خاصة عندما يتعلق الأمر بأطفال دون سن الرشد، وعدم الإفلات من العقاب في مثل هذه الحالات.

ويطالب الحقوقيون في المغرب الدولة بشطب عقوبة الإعدام من القوانين المغربية، ويحثون الدولة على المصادقة على البروتوكولات الاختيارية الدولية التي تدعو إلى إلغاء نهائي لعقوبة الإعدام.

حلول التربية الجنسية

جريمة طنجة أعادت أيضا إلى الساحة نقاش ضرورة أن تشمل برامج المدرسة المغربية مادة “التربية الجنسية”، خاصة أن المجتمع طغت على سطحه بشكل قوي ومثير في العقدين الأخيرين قضية انتشار المثلية الجنسية وزنا المحارم، ناهيك عن استفحال الدعارة و”البيدوفيليا”. زدْ على ذلك، أن المدارس وخاصة الابتدائية ورياض الأطفال كانت دائما مكانا للاعتداء على مرتاديها من صغار السن، فرئيسة جمعية “ما تقيش ولدي” (لا تلمس طفلي) السيدة نجية أديب، أسست هذه الجمعية بعد تعرض طفلها إلى اعتداءات متكررة من حارس روضة الأطفال الذي كانت تودعه به.

فقاعات ذائبة للنسيان

يشكك بعض المتتبعين في كل هذا الجدل الصاخب، وفي هذه الحملة الاحتجاجية القوية التي أججتها قضية الطفل عدنان بوشوف، وهاشتاغات: #الإعدام_لقاتل_عدنان، وما نسج على منوال هذا الوسم، ويقولون إنها مجرد فقاعات لن تلبث حتى تتبخر وتختفي. ويستند أصحاب هذه السخرية السوداء إلى كون الذاكرة الشعبية المغربية قصيرة جدا، لن تمر أشهر قليلة حتى ينخرها داء النسيان. ولن يكون لتصريح مثل تصريح رئيسة جمعية “ما تقيش ولدي” السيدة نجية أديب أي معنى، وهي التي بصدد “قضية عدنان” قالت إنها “شخصياً مع عقوبة الإعدام، ومع رد الاعتبار لأسرة الطّفل حتّى يكون الجاني عبرة للآخرين”. ليسألونها الآن عن تصفيقها المؤيد للعفو  الملكي عن المغتصب العراقي الاسباني دنيال غالفان سنة 2013.

إن نسيت ذاكرة الانفعال، فإن ذاكرة جرح ذوي الضحايا لن تنسى ولو بقيت وحدها، وذاكرة الزمن أيضا لن تندمل مهما حصل.

لحسن الحظ، هناك الأنترنيت وصفحاته الموثقة، وفي آخر أخبارها في هذا الشأن اغتصاب خليجي كويتي الجنسية لطفلة قاصر وتهريبها بمساعدة من سفارة بلده خارج المغرب. إذ تعالت أصوات التنديد وانتشر هاشتاغ يوازي #اغتصاب طفلة صغيرة باغتصاب وطن بأكمله.

Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course