بعد الإمارات.. البحرين، عُمان، قطر أم السعودية؟

حتى صبيحة يوم الخميس الفائت، كانت مصر والأردن هما الدولتان العربيتان الوحيدتان اللتان تقيمان علاقة دبلوماسية مكتملة مع إسرائيل. بعد ظهر ذلك اليوم صار للإثنتين ثالثة. إنضمت الإمارات إلى ركب التطبيع، لتمنح العلاقة السرية القائمة بينها وبين إسرائيل منذ ما يزيد على العقدين شرعيتها المعلنة.

تفاوتت ردود فعل الصحافة العالمية والإسرائيلية إزاء “المفاجأة المتوقعة”، فمن يرصد سلوك ولي عهد الإمارات محمد بن زايد منذ الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، يجد أن هذا المسار كان سيقود حتماً إلى النوم في الحضن الأميركي ـ الإسرائيلي.

فقد أقامت الإمارات تحالفاً عسكرياً مع السعودية ليكون لهما نفوذ في إعادة ترتيب أوضاع اليمن المتأزمة. أمكنها لاحقاً أن تخرج من الحرب مع الحوثيين المتفاهمين مع إيران لتحصر إهتمامها في دعم المجلس الإنتقالي الجنوبي، ولتؤسس لها قواعد بحرية على شاطئ البحر الأحمر طمعاً بميناء عدن وهي التي أنشأت قاعدة عسكرية قبالته في “أرض الصومال”. “فازت” بإدارة أكثر من خمسين من موانىء العالم. ساندت النظام المستجد في السودان. آزرت اللواء خليفة حفتر في حربه على حكومة الوفاق الليبية. دعمت نظام الرئيس المصري عبد الفتح السيسي. أعادت فتح سفارتها في دمشق. ساهمت، عبر رجلها القوي، محمد بن زايد، في رسم ملامح عملية انتقال السلطة المرتقب قريباً في السعودية. فعلت ذلك كله في ظل ارتباطها باتفاق مع إيران لحماية الخليج المختلف على تسميته بين عربي وفارسي، وبوجود أكثر من 3000 شركة إيرانية تعمل على أرضها.

فلسطين أيضاً هناك

قبل إعلانها عن إتفاقية سلامها المزعوم مع إسرائيل، استقبلت الإمارات، سراً، بنيامين نتنياهو، مرتين، على الأقل، خلال العامين الماضيين،  وهي لم تشأ أن تبقي السلطة الفلسطينية بعيدة عن مناطق نفوذها المتسعة باستمرار، سرعان ما استقطب محمد بن زايد الشخصية الفلسطينية المثيرة للجدل، محمد دحلان، الرئيس السابق لجهاز الأمن الوقائي في غزة، ليعينه مستشاراً لديه برتبة حاكم مستقبلي لسلطة رام الله، بديلاً منتظراً عن “الرجل المريض” محمود عباس.

وكتبت محللة الشؤون العربية في صحيفة “يديعوت أحرونوت” سمدار بيري أن من شأن السلام الإسرائيلي – الإماراتي أن يقرب تلك الخطوة المنتظرة، بالرغم من أن دحلان وداعميه ليسوا مستعجلين كثيراً، “هم سيتركون عباس ينفجر غضباً قبل أن يُجلسوا دحلان مكانه”.

“سلام مقابل السلام”

في كلمته بعد المكالمة التي أجراها مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومع ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، حرص نتنياهو على التأكيد أن “السلام مع الإمارات هو مقابل السلام فقط”، أي على حساب مصطلح الأرض مقابل السلام الذي كان معتمداً في المرحلة الماضية، مشدداً على أن ضم الأراضي في الضفة وغور الأردن لا يزال مقرراً، لكنه خضع للتأجيل فقط.

من المهم الإشارة هنا إلى أن خطة ترامب للسلام التي حملت مسمى “صفقة القرن” تنطوي على عملية الضم بين بنودها، لكن ترامب، ووزير خارجيته مايك بومبيو وصهره جارد كوشنير، ضغطوا لتأجيل التنفيذ، بما يحقق الترابط مستقبلاً بين ضم أراض من الضفة وغور الأردن وبين إجراء مفاوضات مع الفلسطينيين ينتظر أن تكون سهلة المخاض إذا كان دحلان على رأس السلطة الفلسطينية!

البحرين.. المغرب؟ 

وبمجرد الإعلان عن إنجاز الصفقة بين الإمارات وإسرائيل، تداعت الاسئلة عن الدولة الخليجية الثانية التي سيرتفع العلم الإسرائيلي فيها، خاصة أن ترامب أكد، في سياق كشفه نبأ رعايته التواصل الهاتفي بين نتنياهو وبن زايد، أن “دولاً أخرى ستنضم إلى هذا الإتفاق وستجلب السلام إلى الشرق الأوسط”، ما جعل التكهنات تتعدد في هذا السياق، حيث ذهب بعضها نحو البحرين التي تبدي منذ فترة حماسةً للأمر، وكشفت القناة 12 الإسرائيلية، عن لقاء جمع بين رئيس جهاز “الموساد” يوسي كوهين، ورئيس الحكومة البحرينية خليفة بن سلمان آل خليفة، تمهيدا للإعلان عن إقامة علاقات رسمية بين الجانبين.

ونقلت قناة كان 11 الإسرائيلية عن الحاخام الأميركي مارك شناير، المقرب من أمراء الخليج، قوله إنه “بحلول نهاية عام 2020، ستكون إسرائيل قد أقامت مع البحرين علاقات رسمية”. كما نقلت عن مسؤولين في البيت الأبيض، أن دولة المغرب قد تكون إحدى أوائل الدول العربية التي قد تقدم على تطبيع علاقاتها مع إسرائيل؛ وشرحت القناة المردود الذي يمكن أن تحصّله دولة المغرب من تطبيع العلاقات قائلة إن تل أبيب أبلغت واشنطن في مناسبة سابقة أنها تدعم اعترافا أميركيا بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، مقابل انضمام الرباط إلى جهود عزل إيران دولياً.

اسم سلطنة عمان أيضاً كان محط تداول، فيما لم يستبعد البعض أن تكون قطر هي الدولة الثانية، لكن إعراب جارد كوشنير عن يقينه من أن السعودية ستحذو حذو الإمارات دفع المراقبين لإعادة النظر بحساباتهم. حيث توقعت صحيفة “وول ستريت جورنال” مقاربة سعودية متدرجة للإعتراف الدبلوماسي الكامل بإسرائيل، مشيرة إلى أن الأمر مرهون بتولي محمد بن سلمان منصب الملك.

ونقلت “يديعوت أحرونوت” عن رجل الأعمال الإسرائيلي – الأميركي حاييم صابان، وهو يقدّم نفسه بوصفه مستشاراً لترامب، قوله إنه خلال مأدبة عشاء جمعته مع ولي عهد السعودية محمد بن سلمان، “سألته لماذا هم يعملون مع إسرائيل تحت الرادار. وقلت له أخرج، لماذا تخاف؟ وقُدْ الأمور. وهو أجاب أن بإمكانه تنفيذ ذلك خلال ثانية واحدة، لكن القطريين والإيرانيين سيهاجمونني وستنشأ حالة فوضى في بلادي”!

حسابات مختلفة

وفيما رأى العديد من الخبراء، وبينهم الصحافي الأميركي المرموق توماس فريدمان، أن إيران وحلفاءها سيكونون أكبر الخاسرين من الإتفاق الإماراتي الإسرائيلي، اعتبر المنسق المستقيل للسياسة الأميركية في إيران، بريان هوك، أن سياسة إيران الخارجية هي التي ساعدت على التقارب بين الإمارات وإسرائيل. وكتب المحلل بن كسبيت في صحيفة “معاريف” أن صهر الرئيس الأميركي جارد كوشنير، هو الذي جلب المهر عندما حسم الصراع في البيت الأبيض مع/ضد الضم الإسرائيلي لأراض من الضفة وغور الأردن، وتغلب بالتالي على السفير الأميركي في تل أبيب (فريدمان)، صديق المستوطنين والمتحمس للضم فوراً.

فتش عن أميركا

في ما يتعلق بردود الفعل، رأى رون بن يشاي، المحلل العسكري في “يديعوت أحرونوت”، أن إيران تحتاج خدمات الوساطة الإماراتية لتبييض أرباح نفطها، مشيراً إلى أن معظم النفط الإيراني يمر حالياً عبر أبوظبي، وأشار إلى أن تقلب مواقف ترامب، وتطلعه الدائم لتخفيف الوجود العسكري الأميركي في منطقة الشرق الأوسط “أثارا الخشية لدى دول الخليج من سعي إيران لفرض هيمنتها على المنطقة، ما جعل إسرائيل خياراً وحيداً أمام الدول الخليجية لحماية وجودها من الخطر الإيراني”.

متطلبات التفوق العسكري لكل دولة عربية تبرم إتفاقية سلام مع إسرائيل باتت تنطبق على الإمارات، يقول دنيس روس، الدبلوماسي الأميركي الخبير بشؤون الشرق الأوسط، ويضيف في مقالة كتبها في “واشنطن بوست” إنه فهمَ من مسؤولين أميركيين أن السلام الرسمي سيتيح للإمارات الوصول إلى الأسلحة الأميركية التي كانت محظورة عليها سابقاً، مثل الطائرات المتطوّرة بدون طيار. وحتى الآن تم رفض منح الإمارات هذه الأسلحة بسبب التزام الولايات المتحدة بالحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل. وفي حين أن هذه الميزة كانت ضرورية لتلبية متطلبات الأمن والردع الإسرائيلية، إلّا أن قضية السلام كانت مدرجةً أيضاً في الحسابات. وفي هذا الصدد، كانت الولايات المتحدة قد زوّدت مصر بأسلحة متطورة بعد أن وقّع الرئيس أنور السادات على اتفاق سلام مع إسرائيل. وبالمثل، لم تحصل الأردن على طائرات إف-16 إلا بعد أن أبرم العاهل الأردني السابق الملك حسين معاهدة وادي عربة مع إسرائيل.

نصر لترامب

ونقلت وكالة “رويترز” عن مدير مشروع العلاقات العربية الإسرائيلية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الاوسط ديفيد ماكوفسكي أن الإتفاق مكسب للإمارات حيث سيكون بوسعها الإستفادة من مبيعات أسلحة أميركية لم تكن لتحصل عليها سابقاً بسبب قيود التفوق العسكري التي ترعى عدم استخدام تكنولوجيا أميركية متطورة ضد إسرائيل.

وفي صحيفة “ذي أتلانتك” الأميركية، كتب الصحافي جرايم وود أن حكام الإمارات “يفكرون في مصير سلف (عبد الفتاح) السيسي، أنور السادات، الذي قُتِل بسبب ما عَدَّهُ كثير من المصريين خيانة عظمى مماثلة. (أصدر بن زايد بالفعل بيانًا تجنَّب فيه قول ما صرَّح به ترامب صراحةً، وهو أن الطرفين اتفقا على “التطبيع”، وليس مجرد وضع خارطة طريق نحو تدشين التعاون المشترك وصولًا إلى علاقات ثنائية”).

وفي مقالة نشرتها صحيفة “الغارديان” بعنوان “بينما تحتفل إسرائيل باتفاق سلام جديد، يخسر الفلسطينيون مرة أخرى”، قال الكاتب جوناثان فريدلاند إن المستفيد الواضح هو ترامب، “حيث بات قادرا على الادعاء بانجاز في السياسة الخارجية برغم إخفاقاته سواء في كوريا الشمالية أو في تقويض الاتفاق النووي مع ايران”. الكاتب نفسه أشار إلى أنه ليس هناك الكثير من الأميركيين على وشك تبديل أصواتهم بسبب التحول الدبلوماسي في منطقة الخليج البعيدة.

وقال كريس ستيفنسون في مقالة في صحيفة “الإندبندنت أونلاين” إنه من الصحيح أن ترامب سيحقق نصرا دبلوماسيا وتعطيه الصفقة دفعة دبلوماسية قيبل الإنتخابات الرئاسية، “لكن الشيء الوحيد الذي تفعله الصفقة الإماراتية الإسرائيلية هو جعل دبلوماسية الشرق الأوسط أكثر تعقيدا من أي وقت مضى”.

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course