لبنان: “حكومة المهمة”.. وسيناريو المواجهة الشاملة

يتنازع أهل الحكم في لبنان حول تشكيل الحكومة العتيدة إستناداً إلى المبادرة الفرنسية التي قرأها كل طرف بشكل مختلف عن الآخر، وأعينهم مصوبة إلى لعبة شد الحبال الدائرة في المنطقة ببعديها الإقليمي والدولي وصولا إلى الانتخابات الأميركية.

مما لا شك فيه ان الانقسام الواضح بين أهل السلطة وانعدام الثقة بين أفرقائها، تراجع مرحليا وفي لحظة مواكبة المبادرة الفرنسية وملاقاتها بالتوافق على تسمية الرئيس المكلف مصطفى أديب، إلا أن هذا التوافق سرعان ما تلاشى، بعد ان أعاد كل طرف حساباته، وفقا لمقاييس الربح والخسارة، محلياً وإقليمياً.

فالتيار الوطني الحر وبرغم ان رئيسه جبران باسيل أعرب عن عدم رغبته في المشاركة بالحكومة الجديدة إلا أنه يسعى عبر رئيس الجمهورية للمشاركة في عملية اختيار الوزراء المسيحيين، وما بيان رئيس الجمهورية مطلع الأسبوع سوى تأكيد على التمسك بهذا الحق متسلحا بضرورة توقيع رئيس الجمهورية على التشكيلة الحكومية لكي تصبح حكومة سارية المفعول.

أما “الثنائي الشيعي” (حزب الله وحركة أمل)، فهو مسكون بهاجس انعدام الثقة وخاصة تجاه نوايا رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة، إذ ان المقربين من “الثنائي” يؤكدون ان السنيورة هو الرئيس الفعلي لما بات يعرف بـ”نادي رؤساء الحكومات السابقين”، وهو الآمر والناهي فيه وهو صاحب فكرة المداورة. ومن هنا فإن كل تشكيلة حكومية سيحملها الرئيس المكلف ستكون ممهورة بتوقيع السنيورة. ولذا يصر “الثنائي” على تسمية الوزراء الشيعة الثلاثة في حكومة من 14 وزيراً مع الاحتفاظ بوزارة المالية لضمان حق التوقيع.

كما أن “الثنائي” يعتبر أن اختيار نادي رؤساء الحكومات السابقين للتشكيلة الحكومية (أو أحدهم) هو بمثابة تجاهل لنتائج الانتخابات النيابية الأخيرة لا بل هو تفرد لطائفة على حساب الطوائف والمذاهب الأخرى. ولم يكن عرض رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري في بيانه الأخير كافيا من وجهة نظر “الثنائي”، فالحريري لا يستطيع ان يمنح شيئا ليس ملكا له ولا ان يختار للآخرين ويشترط عليهم وكأنه لا يقرأ جيدا لا موازين القوى في الداخل ولا في الخارج.

في الوقت نفسه، يصر حزب الله على أن يكون حاضراً في قلب سلطة إتخاذ القرار، سواء لانتزاع شرعية سياسية تحول دون عزله وإسقاط الغطاء الرسمي عنه، وهو الأمر الذي دأبت البيانات الحكومية على منحها له منذ التسعينيات، أو للشراكة في إتخاذ القرار ومنع الآخرين من الإستفراد في إتخاذ قرارات، كما حصل في أيار/مايو 2008.

ويستند هذا الإصرار إلى الخوف من سيناريوهات مطروحة على طاولة بعض العواصم الغربية والعربية، يصل أحدها إلى حدود الدخول في مواجهة سياسية وشعبية شاملة مع حزب الله، قد تدخل لبنان في المجهول.

تذهب بعض الدول الغربية والعربية إلى الاعتراف بالحكومة العتيدة كحكومة شرعية وممثلة للشعب اللبناني من دون أخذها ثقة البرلمان اللبناني، كما شهدنا في فنزويلا ودول أخرى. وهذا الأمر سيضع لبنان أمام احتمالات مواجهة شاملة ومفتوحة إذا ما قرر تحالف دولي وعربي ما التدخل عسكريا

اما تفاصيل هذا السيناريو، فهو ان يقدّم مصطفى أديب، تشكيلة حكومية لا تحظى بموافقة “الثنائي الشيعي”، وفي المقابل، تحظى بتوقيع رئيس الجمهورية الذي يبدو أن خطابه السياسي حاليا يسير على وقع سيف العقوبات المصلت، على مقربين منه، خاصة بعد العقوبات الأميركية الأخيرة التي طالت وزراء سابقين من “الصف الأول”. السيناريو نفسه يقود “الثنائي” إلى استخدام ورقة تعطيل جلسة منح الثقة في المجلس النيابي، الأمر الذي يستولد ردة فعل تتهم حزب الله ونبيه بري بخطف قرار الدولة وأخذ لبنان رهينة بقوة السلاح. وفي الوقت نفسه، تكون الحكومة بمجرد صدور مراسيمها، وقبل أن تنال الثقة، هي حكومة تصريف الأعمال وتنفيذ “الأجندة” التي إنكشفت بشكل مفاجىء.

وفي حال تعذر اتخاذ قرار أممي موحد كما حدث مع حكومة السنيورة في حينه، فقد تذهب بعض الدول الغربية والعربية إلى الاعتراف بالحكومة العتيدة كحكومة شرعية وممثلة للشعب اللبناني من دون أخذها ثقة البرلمان اللبناني، كما شهدنا في فنزويلا ودول أخرى. وهذا الأمر سيضع لبنان أمام احتمالات مواجهة شاملة ومفتوحة إذا ما قرر تحالف دولي وعربي ما التدخل عسكريا لمساعدة الحكومة التي يعترف بشرعيتها، أو ربما يوفر هذا التحالف العربي الغربي غطاء داعما لحرب إسرائيلية على حزب الله.

الاستعدادات لتنفيذ هذا السيناريو، حسب المقربين من “الثنائي”، بدأت قبل فترة طويلة، وحتى ما قبل الحراك في تشرين اول/اكتوبر 2019، إلا أن الفرصة “لم تكن سانحة كما هي اليوم وخاصة في أعقاب انفجار مرفأ بيروت وانطلاق قطار التطبيع العربي ـ الإسرائيلي”.

هل ثمة مبالغة في رسم هكذا سيناريوهات؟

لسان حال من يعرفون مصطفى أديب إنه لو إستشعر وجود قطبة مخفية، فلا يمكن أن يكون جزءا من هكذا سيناريو، لكن هناك من يردد بصوت عالٍ: رب ضارة نافعة، أي أن تعثر المبادرة الفرنسية بلغم المداورة كان كفيلاً بأن تنكشف هذه الهواجس والمخاطر.

برلين ـ محمد إبراهيم

صحافي وكاتب مقيم في برلين

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
download udemy paid course for free