التعليم عن بعد لبنانياً.. البيت ليس آمناً

في كانون الأول/ديسمبر 2019، دقّت الصين ناقوس الخطر العالمي. أتانا فيروس جديد من عائلة "الفيروسات التاجيّة". كيف ينتشر، كيف يتمّ تحييده، ما هي العوارض والأخطار، وكيف نتخلص منه؟ كلّها أسئلة لم تكن الإجابات عليها متوفرة حتى يومنا هذا، ما أدخل الرعب في قلوب الناس، فهم أعداء ما يجهلون، فحذونا في لبنان حذو بعض من سبقنا. أقفلنا مدراسنا وجامعاتنا وأحكمنا إغلاق أبواب ونوافذ بيوتنا علينا.

تحت ضغط الخوف والمجهول، أقفلت المدارس والجامعات الرسمية والخاصة في لبنان للحد من الاختلاط بين الطلاب، ثمّ طلبت وزارة التربية الانطلاق بعملية كانت وما زالت جديدة على الأعم الأغلب من الطلاب والتلامذة بل والأساتذة اللبنانيين وهي التعليم والتعلّم عن بعد، وفي ما بعد أُعلن عن انتهاء العام الدراسي المدرسي (2019 ـ 2020) بالترفيع التلقائي نظرًا لعدم التمكن من إجراء امتحانات حضورية، وكذلك العام الدراسي الجامعي بامتحانات حضورية قيل الكثير حولها ولكنها في التقييم انتهت إلى نتيجة ليست سيئة بالكامل.

تقييم التجربة

هنا يمكننا الكتابة ببعدين، البعد الأول يتعلّق بأصل إمكانية التعليم عن بعد من الناحية اللوجستية والبعد الثاني يتمحور حول العملية التعليمية عن بعد.

في البعد الأول، هناك مؤسسات تربوية خاصة كانت تستعمل هذه الوسيلة التعليمية في وقتٍ سابقٍ لأزمة كورونا، فأدخلت التكنولوجيا في معظم نواحي العملية التعليميّة لناحية تدريب الأساتذة والمتعلّمين وتجهيزهم بما يلزم وتسييل المناهج بطريقة رقمية، وهذه نقطة غاية في الأهمية، فكانت النتيجة أن هذه المؤسسات لم تواجه صعوبات تذكر في الانتقال للتعليم عن بعد، أمّا المؤسسة التعليمية الرسمية، فحالها كحال الدولة اللبنانية ودوائرها، غير المواكبة للتكنولوجيا، لا لناحية التدريب ولا التجهيز، فكانت عملية التعليم عن بعد شاقة جدًا في أشهر الإقفال إلّا في ما ندر من ثانويات مجهزة في وقت سابق تكنولوجيًا وتم إخضاع طاقمها التعليمي للدورات المناسبة، ولكن لم تحصل أي عملية تقييمية حقيقية على مستوى لبنان لمكتسبات المتعلّمين من معارف جديدة خلالها، فهناك عائق أهم وأكبر هو عدم وجود نصوص تقونن التعليم عن بعد ليحصل الامتحان بالطريقة نفسها.

وفي البعد الثاني، لا يمكن إختصار العملية التعليمية، بحسب النظريات التربوية الجديدة، بإكتساب المتعلّمين للمعارف الجديدة فقط. هناك أبعاد لا يراعيها التعليم عن بعد مثل البعد الحسي الحركي، ففي بعض المواد العلمية التطبيقية يتطلب التعليم إجراء تجارب في المختبر أو القيام بحركات متناسقة كما يحصل في الرياضة أو الرقص أو عزف الموسيقى الاجتماعي وبالاضافة لما سبق فوجود المتعلّم وحده أمام شاشة الهاتف أو الحاسوب يمنع حصول التعلّم الاجتماعي الأساسي في حياة الأطفال، فالمدرسة ليست بالمعنى التقليدي مكانًا للتعلّم فقط بل للتفاعل في ما بينهم ومع معلّميهم ومعلماتهم.

إن تقييم التجربة السّابقة لم يكن إيجابيًا أبدًا في التعليم ما قبل الجامعي، والقصص كثيرة، وأذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، أنّ تلميذًا فقيرًا ليس لديه هاتف خلوي حتى يستمع لدروس أساتذته، كان ينتظر عودة والده أو والدته من العمل إلى المنزل، وماذا عمن ينتظر وصله بشبكة الأنترنت عبر شبكة الجيران

أمّا في الجامعة الرسمية، فكان الوضع نوعًا ما أفضل لناحية التعلّم عن بعد، وهذا يعود بشكل أساسي إلى عمر المتعلّمين. هم أكثر نضجًا وتحملًا للمسؤولية ويقومون ببعض الأبحاث الشخصية ما دفع هذه العملية إلى الأمام أكثر، ولكن مهلًا، ما ذكر هنا يصح على الكليّات أو الاختصاصات النظرية، أما كلّ ما هو تطبيقي فيمكن وضعه في السياق السابق الذي يتكلّم عن صعوبة تحقق الكفايات الحسية الحركية والاجتماعية من المنزل، فالمختبرات حالها حال قاعات التعليم، مقفلة.

2020ـ 2021

تبعًا للواقع والتجربة، أعلنت وزارة التربية اللبنانية خطتها للعودة إلى التعليم عبر برنامج يدمج بين التعليم عن بعد والحضور الفعلي وطلبت تقسيم الصفوف الدراسية لوضع 15 تلميذًا كحد أقصى في الصف الواحد وضمن دوام مختصر لا يزيد عن 5 حصص يوميًا وطبعًا من دون استراحة في الملاعب كي لا يحصل أي اختلاط بين التلامذة.

ما سبق هو الخطة، وهي جيدة وقابلة للتنفيذ في حال وجود إدارة حقيقية، راشدة، صاحبة قرار لا تمشي وفق الشائعات والوشوشات من هنا وهناك، كما راعت هذه الخطة عدم الاعتماد بشكل كبير على التعليم عن بعد كون الأخير يحتاج إلى بنية تحتية توصل الانترنت السريع لكل منزل في لبنان وإلى وجود الأجهزة المناسبة بين أيدي التلامذة، هذا إذا افترضنا أنّ الأساتذة حاضرون لهذه الطريقة ولا يعتمدون الطرق التلقينية القديمة.

إن تقييم التجربة السّابقة لم يكن إيجابيًا أبدًا في التعليم ما قبل الجامعي، والقصص كثيرة، وأذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، أنّ تلميذًا فقيرًا ليس لديه هاتف خلوي حتى يستمع لدروس أساتذته، كان ينتظر عودة والده أو والدته من العمل إلى المنزل، وماذا عمن ينتظر وصله بشبكة الأنترنت عبر شبكة الجيران، عندها لا بد من طرح سؤال حول  المبدأ الأهم في التعليم: تكافؤ الفرص.

الواقع والتحديات

لا يمكننا المراهنة على انتهاء جائحة كورونا للعودة إلى التعليم بشكل عادي، لا بل علينا، بعد أكثر من ستة أشهر على إقفال المؤسسات التعليمية أبوابها، العودة بشكل تدريجي وبخطط مدروسة، ففيروس كورونا سيبقى مقيماً إلى الأبد مع البشرية وسيصيبنا جميعًا عاجلًا أم آجلًا، وهذه ليست دعوة للتهاون مع الإجراءات الوقائية التي تهدف بشكل أساسي إلى تخفيف الضغط عن المستشفيات وترك المكان اللازم لمن يحتاج إلى عناية طبية مركزة، وعليه، لم يعد الإقفال هو الحل بل يصح القول إنه بمثابة انتحار. نعم أطفالنا في البيوت ليسوا على ما يرام.

إن الخوف المبالغ به ليس في مكانه، فدول العالم كلها عادت لتفتح مؤسساتها التعليمية بشكل مدروس لا كما كانت قبل الجائحة برغم تزايد الإصابات (الموجة الثانية في أوروبا ومعظم أنحاء العالم)، وبالتالي، لا يمكننا البقاء في بيوتنا إلى الأبد، بل علينا تعليم أجهزة مناعتنا التي أوصلتنا من رحلة شاقة ناهزت ربما مئات آلاف السنين كيف تواجه بهدوء الخطر المستجد وتساعدنا على الصمود والاستمرار.

المؤسسة المسماة مدرسة وظيفتها تعميم التعليم على كلّ طبقات المجتمع، أما القول بأنّ التوجه نحو التعليم المنزلي هو الحل فهو بمثابة قفزة مئات السنين إلى الوراء حيث سيعود الفقير للعمل مباشرة بعد وصوله لعمرٍ يستطيع معه الانتاج والمقتدر ماديًا يتعلّم ويتخصّص، وعليه لا يمكن السماح بتوقف العملية التعليمية برغم كلّ الصعوبات، سواء أكانت حروباً أما أوبئة أم أزمات.. وللكلام تتمة.

فؤاد إبراهيم بزي

مدرب في مختبرات الكيمياء في الجامعة اللبنانية في بيروت

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
free online course