هل تعتلي امرأة عربية عرش “الأليزيه”؟  
PARIS, FRANCE - JULY 18: Former French Minister of Justice and current European Deputy, Rachida Dati attends the special political bureau meeting of the right-wing party Les Républicains, organized to discuss the Nice terrorist attack which took place on July 14 during the Bastille day celebrations, at the Les Républicains political party headquarters on July 18, 2016 in Paris, France. Before being shot dead by police, Tunisian born Mohamed Lahouaiej Bouhlel killed 84 people as he drove a lorry through crowds, gathered to watch a firework display during Bastille Day celebrations. (Photo by Aurélien Morissard/IP3/Getty Images)

هل يمكن أن نشهد قريباً جلوس أول امرأة على "عرش الشانزليزيه"؟ أم أن الفرنسيين، مثلهم مثل الأمريكيين، وغالبية العالم الثالث والدول الإسلامية، لا يولون امرأة رئيسة عليهم، برغم الاستثناءات الأسيوية في باكستان (بيناظير بوتو)، وبنغلاديش (خالدة ضياء)، وأندونيسيا (ميجاواتي سوكارنو بوتري)؟

قبل حوالي الأسبوع، صرحت وزيرة العدل السابقة في عهد نيكولا ساركوزي رشيدة داتي (54 عاما)، لصحيفة (The Times) البريطانية أنها ستسعى للفوز في الانتخابات الرئاسية الفرنسية المزمع تنظيمها عام 2022. بلغة واثقة أكدت رشيدة داتي للصحيفة البريطانية: “.. الآن أريد أن أصبح رئيسة”.

اثنتا عشرة امرأة، ترشحن للمنصب الأعلى في فرنسا منذ حصول النساء في بلد نابليون بونابرت على حق التصويت والترشح في سنة 1944، ومنذ إجراء الانتخابات بالاقتراع العام لرئيس الجمهورية (1962)، وأشهرهن على وجه الخصوص ورائدتهن هي التروتسكية أرليت لاغلير، وإسمها الحركي “بيزيت”. ترشحت لاغلير لمنصب الرئاسة منذ العام  1974 إلى 2007، أي على مدى 33 سنة استغرقت ست دورات انتخابية متتالية. وفي كل مرة كانت نسبة الفرنسيات والفرنسيين الذين يمنحونها أصواتهم تتناقص وتتراجع!.

يضاف إلى أرليت لاغلير، السيدة ماري فرانس جارود، مستقلة (1981). السيدة هوغيت بوشارديو عن الحزب الاشتراكي الموحد (1981). كريستيان توبيرا عن حزب اليسار الراديكالي (2002). السيدة دومينيك فوينيت حزب الخضر (1995 و2007)، السيدة كريستين بوتين عن منتدى الجمهوريين الاجتماعيين (2002). السيدة كورين ليباج، عن حركة “العمل من أجل المواطنة للقرن الحادي والعشرين” (2002). السيدة سيغولين رويال عن الحزب الاشتراكي (2007). السيدة ماري جورج بوفيت عن الحزب الشيوعي (2007). السيدة ناتالي أرثود عن حزب التروتسكيين “النضال العمالي” (2012 و2017). السيدة إيفا جولي عن حزب الخضر (2012).. وآخرهن السيدة مارين لوبان عن الجبهة الوطنية (2012 و2017).

ويتبين من هذه القائمة أن أحزاب وحركات اليسار كانت الأكثر جرأة بترشيح النساء، في حين ظلت الأحزاب اليمينية خجولة، إذ أنها رشّحت امرأتين فقط، هما كريستين بوتين وماري لوبان.

سيرة صعود ناجحة

لا ينطوي خبر تقدم رشيدة داتي للانتخابات الرئاسية الفرنسية على إثارة كبرى، بقدر ما تمثله هويتها بصفتها امرأة فرنسية مسلمة تتحدر من أصول عربية. وبرغم نجاحاتها في تبوء مناصب متقدمة في الدولة الفرنسية، إلا أن سيرة رشيدة داتي هي عبارة عن سيرة صعود وتقدم متتالٍ. كانت داتي أول امرأة تتولى منصب وزارة العدل في فرنسا، حدث ذلك في عهد الرئيس نيكولا ساركوزي، كما انتخبت نائبا بالبرلمان الأوروبي، وترأست الدائرة السابعة في العاصمة باريس.

الصحافة الفرنسية منحتها لقب: “كاتمة أسرار ساركوزي”. وقد لعبت دورا أساسيا في تحسين العلاقات المتوترة بين ساركوزي والجاليات المهاجرة في الضواحي الفرنسية، بعد أن كان ساركوزي قد شتم عندما كان وزيرا للداخلية (2005) شباب الضواحي ونعتهم بـ”الرعاع”

لم يحالفها الحظ بالفوز في إنتخابات عمادة باريس، في تموز/يوليو الماضي. هزمتها الاشتراكية آني هيدالغو الأسبانية الأصل وحليفة الخضر، لكن داتي نجحت في الظهور كشخصية كاريزماتية تسير على الخط الجمهوري الديغولي، من دون مبالغة “ساركوزية”.

رشيدة داتي هي اليوم نائب في البرلمان الأوروبي، وترأس دائرة بلدية في باريس وقيادية بالحزب الوريث للنهج الديغولي. أصولها العربية كانت أحيانا موضع تندّر مثير للشكوك. ينقل أحد الشهود أنه تحلقوا حول طاولة وهم ينتظرون وزيرتهم في وزارة العدل التي تأخّرت قليلا، ثم سرت “دعابة” مفادها: “تُرى ماذا ستجلب معها؟. هل “كعب الغزال” (حلوى مغربية) مع الشاي؟”.

يذكر ميخائيل درامون وإيف دوراي، مؤلفا كتاب عن سيرة رشيدة داتي بعنوان: “الصديقة الجميلة” عن دار النشر مومون بباريس (2012)، أن أحد مسشتريها السابقين في وزارة العدل كان يبرر عدم قدرة أحد على معرفة ما تريد، بحرصها على نيل رضا الرئيس ساركوزي أولاً وأخيراً، حتى أن الصحافة الفرنسية منحتها لقب: “كاتمة أسرار ساركوزي”. وقد لعبت دورا أساسيا في تحسين العلاقات المتوترة بين ساركوزي والجاليات المهاجرة في الضواحي الفرنسية، بعد أن كان ساركوزي قد شتم عندما كان وزيرا للداخلية (2005) شباب الضواحي ونعتهم بـ”الرعاع”.

طموحات رشيدة داتي

أتى قرار رشيدة داتي بالترشح لمنصب الرئاسة الفرنسية، في الوقت الذي يترنح فيه اليمين الفرنسي من أجل إيجاد “بطل” في الانتخابات الرئاسية. هكذا اغتنمت رشيدة داتي الفرصة لإطلاق قنبلة ترشيحها. برغم ذلك علق بعض المتتبعين أن إعلانها لم يحرك أسرتها السياسية حقًا. بهذا الشأن ترد رشيدة داتي بأن تصريحها بالترشح لا يجب التعامل معه باعتباره سبقا صحفيا خصت به منبرا إعلاميا بريطانيا. “لا يوجد هناك سبق صحفي”، وتؤكد إنها تريد المساعدة بفوز اليمين في العام 2022، “يتعلق الأمر بإبراز نفسك وإظهار أهمية المبادرة”. جاء موقفها ردا على نائبين من حزبها، هما البرلماني جوليان أوبيرت، الذي صرح بأن “كل الطموحات مشروعة. لكن الوقت لم يحن بعد”، في حين قال البرلماني بيير هنري دومون: “دعونا لا نلوث المجال بمشاحنات الأنا البغيضة”.

إزاء هذا التدحرج، سارع الحزب الجمهوري إلى إصدار بيان مقتضب جاء فيه أن الموضوع سابق لأوانه، معلنا عن تأجيل قرار تعيين مرشحه لعام 2022 إلى شهر نيسان/أبريل من العام المقبل. وبرغم أن رشيدة داتي قادت حملة انتخابية تحت شعار جذاب “لتغيير مصير باريس”، وقال البعض إنها “رفعت رأس اليمين الباريسي”، إلا أنها فشلت في الوصول إلى منصب رئاسة بلدية العاصمة. بلدية باريس التي يعد الفوز بكرسيها بمثابة “جائزة الانتخابات الكبرى”. كلنا نتذكر أنه ذات يوم، سأل أحد الصحافيين الملك الراحل الحسن الثاني، “لو لم تكن ملكا، فماذا كنت ترغب أن تكون”؟ فأجابه لو لم أكن ملكا كان بودي لو أكون عمدة لمدينة باريس عاصمة الأنوار.

تفتخر رشيدة داتي دائما بأصولها المغربية. ملخصة حكاية امرأة فرنسية من أصل عربي، استطاعت أن تصل إلى أرقى المناصب في فرنسا

الرد على الشائعات

عديدة هي الكتب الفرنسية التي تناولت سيرة رشيدة داتي، وأكثر تلك الإصدرات تضمن نسبة واضحة ومتفاوتة من التحامل والكراهية ضد “البنت الفقيرة، سليلة عائلة مهاجرة، والتي وصلت إلى أرقى المناصب بفرنسا”. ومن بين تلك الإصدرات كتاب “الصديقة الجميلة” المشار إليه أعلاه. لكن رشيدة داتي لم تصمت حيال الهجومات المنهجية والتحامل عليها وعلى عائلتها، خصوصا بعد تجرؤها على الإنجاب من خارج مؤسسة الزواج التقليدية. انبرت رشيدة داتي لتحرير كتاب للرد على الشائعات التي تشوّه صورتها، ودافعت عن نفسها بإصدار كتاب آخر أنجزته خلال رحلاتها اليومية بالقطار وأثناء بعض فترات سهرها بالليل. وحرصت على أن يحمل كتابها اسم والديها المهاجرين البسيطين، وجاء عنوانه: “رشيدة داتي، وزيرة العدل: ابنة امبارك وفاطمة الزهراء”، بل إن رشيدة داتي أثبتت لمن يتهمونها بالتستر على ماضيها البسيط، أنها لا تعمل على إخفاء ظروف نشأتها وطفولتها وسط أسرة غير متعلمة وفقيرة تتكون من 12 أخا وأختا. من خلال غلاف الكتاب الذي وضعت عليه صورتها لما كانت صغيرة، روت قصة الفتاة المتحدرة من عائلة مهاجرة كادحة، من أم جزائرية وأب مهاجر عامل في قطاع البناء، من حي “سباتة” الشعبي في مدينة الدار البيضاء، الذي توفي في السنوات الأخيرة. وتفتخر رشيدة داتي دائما بأصولها المغربية. ملخصة حكاية امرأة فرنسية من أصل عربي، استطاعت أن تصل إلى أرقى المناصب في فرنسا.

خزانة ملابس المرشحة الرئاسية

عندما تتقدم أسماء نساء على قوائم التسابق الرئاسي في فرنسا، ينشغل الجمهور بأمور أخرى إضافية لاهتمامه بالبرامج والوعود التي يطلقها المرشحون لاستقطاب الكتل الناخبة. ينال مظهر المرأة المرشحة جزءا هاما من الاهتمام ولفت الأنظار. ويتم التدقيق في رزانة المرشحة ومدى أناقتها وحفاظها على أنوثتها المفترضة المنتمية لطبقة وفئة معينة. تتحدث النساء عن الفساتين التي تظهر بها المرأة المرشحة، والألوان التي تختارها لستراتها، وهل هي من الموديلات الجاهزة المتوفرة في محلات بيع الملابس أم هي مصممة خصيصا لها، والمجوهرات التي تلبسها، وماركات وألوان حقائبها اليدوية، وطريقة تصفيفها لشعرها، وماكياجها الذي على الوجه، والنظارات وتلوين الشفتين والأوشحة التي تلويها حول عنقها. ناهيك عن قدراتها التعبيرية، ومدى امتلاكها لناصية التواصل الاجتماعي، وانفعالاتها في الحديث مع وسائل الإعلام. لا شيء يترك للصدفة. إن خزانة ملابس المرأة المرشحة تعد أهم خزانة لديها.

كل هذا سيزيد مع مرشحة من أصول عربية مسلمة، راكمت الكثير من الأقاويل والشائعات خلفها وأمامها. عرف عنها علاقاتها المتعددة خارج المؤسسة الزوجية، واتهمت بكونها عشيقة سرية لنيكولا ساركوزي. بل ضربت بكل الأعراف والتحفظات لما أقدمت على الإنجاب خارج الزواج. فراحت الصحافة الصفراء تروّج أنها حملت من عشيقها الملياردير الفرنسي دومينيك ديسانييه (70 عاماً) “دون موافقته ومن وراء ظهره”. وهو ما يجعلها في نظر فئات واسعة من الجمهور الفرنسي “امرأة انتهازية لا تتأخر عن اتباع أي وسيلة، للوصول إلى تحقيق مآربها الشخصية والمهنية”.

وعندما كانت وزيرة للعدل لم تتدخل في قضية سجن أحد أشقائها بسب تجارة المخدرات، وبعد خروج الأخ من السجن تلقفه أعداؤها ونشروا باسمه وصورته كتابا فضح فيه أخته رشيدة، وإتهمها بـ”الخروج عن التقاليد الأسرية العربية الإسلامية”.

فضائح كثيرة ستلاحق رشيدة داتي، حتما سيستغلها خصومها، لكن هل سيكون للوصف الإيجابي الذي حازته يوما من صحيفة “ليبراسيون” اليسارية انعكاس على تطلعاتها المستقبلية، وكان الوصف هو أن رشيدة داتي باتت تمثل “الرمز المثالي للاندماج السعيد”.

عموما، سيكون موضوع ترشح داتي للرئاسة الفرنسية خبرا لا يخلو من طرافة وإثارة، وسيسجل التاريخ أن امرأة من أصل عربي مسلم فكرت يوما ما في أن تجلس على “عرش الأليزيه”، وتعتذر باسم نساء فرنسا عن جهل امرأة ساذجة طالبت الجياع الباحثين عن كسرة خبز بأكل البسكويت. لكن سذاجتها وبراءتها لم ينفعاها ساعة شنق أنطوانيت بصحبة زوجها الملك لويس السادس عشر.

عندما تكسب معارك انتخابية، وتنجح بصيغة ما في دفع قضيتك إلى الأمام، وأنت تدافع عن قيم ومبادئ مصيرية للمجتمع، “هناك لحظة حاسمة تصل لتقول فيها لنفسك، خاصة عندما تنظر إلى أحوال البلاد.. هذه هي المعركة.. ربما أستطيع أن أقودها”، تقول رشيدة داتي.

Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
online free course